صلاة التوبة

 

   صلاة التوبة أو صلاة الاستغفار هي ركعتان غير الفرائض بنية التوبة والاستغفار عن الذنوب، فعن “أبي بكر الصديق” (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (ما من رجل يذنب ذنباً ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي –وقيل فيصلي ركعتين- ثم يستغفر الله إلا غفر الله له) ثم قرأ هذه الآية: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله..) رواه أبو داود، ولكن لا بد أن تكون التوبة صادقة مستوفية لشروطها من الاقلاع عن الذنب والندم عليه والنية بعدم العودة إليه ثانية.

  فالله تواب رحيم يدعو عباده إلى التوبة ليغفر لهم فقد قال تعالى: (كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءاً بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم) الأنعام: 54، وهو يقبل التوبة عن عباده فقد قال: (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون) الشورى: 25، بل أنه سبحانه وتعالى يحب التائبين فقد قال: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) البقرة: 222، ولم يرد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) تخصيص هاتين الركعتين بقراءة معينة؛ فيقرأ المصلي فيهما ما يشاء.

   وكذلك لم يرد ذكر دعاء معين لتلك الصلاة، ولكن ورد في صحيح البخاري أن دعاء سيد الاستغفار هو: عن “شداد بن أوس” (رضي الله عنه)، عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “سيد الإستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، من قالها في النهار موقناً بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة”.

الطريق

وصل إلى القمة كما كان يحلم دائماً، تلقى التهاني والتبريكات ممن حوله، خالجه الشعور بالسعادة والفخر لأيام، ثم جلس يفكر ماذا بعد؟ لم يعد هناك من بعد فقد حاز كل شيء، اكتشف أن كل المتعة كانت تكمن في الطريق للقمة وليس في الوصول إليها، وأن ما من سعادة بعد اليوم، أمسك مسدسه وصوب طلقته في رأسه.

آخره عتق من النار

 

هاقد وصلنا للعشر الأواخر من شهر رمضان الكريم والتي قد قال عنها رسول الله (صلى الله عليه وسلم): ” هو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار” رواه ابن خزيمة، ولنيل هذا الفضل الكريم والفوز بالعتق من نار جهنم باذن الله لابد لنا من القيام بحق تلك الأيام الفضيلة، والاقتداء برسول الله (صلى الله عليه وسلم) فيما كان يقوم به في تلك الأيام، فعن “عائشة” (رضي الله عنها) أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وجد وشد مئزره، رواه البخاري ومسلم.

وعنها أيضاً (رضي الله عنها) في الصحيحين قالت: “كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يجتهد في العشر الأواخر، ما لا يجتهد في غيره”، وفي حديث آخر “كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر شمَّر وشدّ المئزر”، وفي هذا دليل واضح على أن أهم مظاهر العبادة التي يجب علينا الاقتداء بها هي احياء الليل بالصلاة وقيام الليل والذكر وقراءة القرآن، ومن أعظم أفضال تلك الليالي أن بها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.

فقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): “تحرّوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان” متفق عليه. وتحديداً في الليالي الوترية ففي الصحيحين أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: “التمسوها في العشر الأواخر في الوتر” أي في ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين وتسع وعشرين. وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنها لا تثبت في ليلة واحدة، بل تنتقل في هذه الليالي، فتكون مرة في ليلة سبع وعشرين ومرة في إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين أو تسع وعشرين.

وقد أخفى الله سبحانه علمها على العباد رحمة بهم، ليجتهدوا في جميع ليالي العشر، وتكثر أعمالهم الصالحة فتزداد حسناتهم، وترتفع عند الله درجاتهم، ومن خصائص هذه العشر المباركة استحباب الاعتكاف فيها، والاعتكاف هو: لزوم المسجد للتفرغ لطاعة الله عز وجل وهو من السنة الثابتة بكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) فقد قال الله تعالى: (ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد) وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، واعتكف أزواجه وأصحابه معه وبعده.

وفي صحيح البخاري عن “عائشة” (رضي الله عنها) قالت: كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قُبض فيه اعتكف عشرين يوماً. والمقصود بالاعتكاف: انقطاع الإنسان عن الناس ليتفرغ لطاعة الله، ويجتهد في تحصيل الثواب والأجر وإدراك ليلة القدر، ولذلك ينبغي للمعتكف أن يشتغل بالذكر والعبادة، ويتجنب ما لا يعنيه من حديث الدنيا، ولا بأس أن يتحدث قليلا بحديث مباح مع أهله أو غيرهم، ويحرم على المعتكف الجماع ومقدماته لقوله تعالى: (…ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد).

وأما خروج المعتكف من المسجد فيكون في حدود الخروج لأمر لا بد منه طبعاً أو شرعاً كقضاء حاجة البول والغائط والوضوء وكذا الأكل والشرب فهذا جائز إذا لم يمكن فعله في المسجد فإن أمكن فعله في المسجد كأن يكون في المسجد دورات مياه يمكن أن يقضي حاجته فيها، أو يكون له من يأتيه بالأكل والشرب، فلا يخرج حينئذ لعدم الحاجة إليه. وكذا الخروج لأمر طاعة لا تجب عليه كعيادة مريض، وشهود جنازة ونحو ذلك، فلا يفعله إلا أن يشترط ذلك في ابتداء اعتكافه مثل أن يكون عنده مريض يحب أن يعوده أو يخشى من موته، فيشترط في ابتداء اعتكافه خروجه لذلك فلا بأس به.

أما الخروج لأمر ينافي الاعتكاف كالخروج للبيع والشراء ونحو ذلك، فلا يفعله لا بشرط ولا بغير شرط؛ لأنه يناقض الاعتكاف وينافي المقصود منه، فإن فعل انقطع اعتكافه ولا حرج عليه، أما مدة الاعتكاف فلا يشترط لها مدة محددة فيمكن أن تكون لعدة ليالي أو ليلة واحدة أو بضعة ساعات من ليل أو نهار، فيمكن الاعتكاف ما بين صلاتين كالمغرب والعشاء أو الظهر والعصر مثلاً، وتشترط فقط استحضار نية الاعتكاف قبلها، فاللهم يسر لنا ووفقنا وأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك في تلك الليالي.

 

محمد عبده .. رائد الإصلاح في العصر الحديث

كتبت: سارة الليثي

   لم يكن الشيخ محمد عبده مجرد مصلح ديني حفزته الأوضاع الدينية المتردية التي طغت على الدين الحقيقي إلى الكشف عنها، ومحاولة إزالة الغبار الذي تراكم على المفاهيم الدينية الصحيحة على مدى قرون التخلف والإنحطاط الفكري، ولو كان هذا شأن “محمد عبده” لكفاه ذلك فضلاً وشرفاً. ولكن “محمد عبده” كان بالإضافة إلى ذلك علماً من أعلام الفكر بالمعنى الواسع لهذا المصطلح، وكان على يقين من أن قضية إصلاح الفكر الديني لا تنفصل عن قضية إصلاح الفكر بصفة عامة، فكلاهما يؤثر في الآخر إيجاباً أو سلباً.

وكان الفكر الإسلامي في مصر ومركزه الأزهر الشريف قبل ظهور الشيخ “محمد عبده”، قد توقف عن الإجتهاد وتجمد على ماوصل من فكر القرون الماضية دون أن يضيف إليه، وكانت المؤلفات التي تصدر عن علماء الأزهر تتسم يالتزمت وضيق الأفق، والعناية باللفظ أكثر من المعنى، ولم تكن تقدم جديداً، بل كانت تدور حول ماسبقها في حلقة لا نهاية لها من شروح للمتون (الكتب الأصلية)، وشروح للشروح، وهكذا في دائرة تتسع، ولكن لا تخرج عما قدمه السابقون.

 ومن هنا إتجهت همة الشيخ “محمد عبده” إلى ربط الدين بالحياة عن طريق استخدام العقل في فهم الإسلام والقرآن، مخالفاً في ذلك علماء الإسلام في عصره، الذين تعودوا التضييق على الناس فيما وسع الله لهم فيه، وتحريم ما أحل الله. وقد ولد الإمام “محمد عبده” في عام (1266هـ / 1849م) لآب تركماني الأصل وأم مصرية تنتمي إلى قبيلة (بني عدي) العربية، ونشأ في قرية صغيرة في ريف مصر هي قرية محلة نصر التابعة لمحافظة البحيرة.

وكانت أسرة محمد عبده تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وقد تعلم القراءة والكتابة في منزل والده، ثم انتقل إلى دار حفظ القرآن فحفظه خلال عامين، وعندما شبَّ أرسله أبوه إلى “الجامع الأحمدي”- جامع السيد البدوي- بطنطا، ليجوّد القرآن بعد أن حفظه،  ويدرس شيئًا من علوم الفقه واللغة العربية، وكان محمد عبده في نحو الخامسة عشرة من عمره، وقد استمر يتردد على “الجامع الأحمدي” قريبًا من العام ونصف العام، إلا أنه ارتطم بطريقة التعليم التي تفرض عليه حفظ نص الآجرومية وشرحها.

 فقضى سنة ونصف كما يقول: «لا أفهم شيئا…»، لم يستطع أن يتجاوب مع المقررات الدراسية أو نظم الدراسة العقيمة التي كانت تعتمد على المتون والشروح التي تخلو من التقنين البسيط للعلوم، وتفتقد الوضوح في العرض، وإثر ذلك هرب عدة مرات وعمل بالزراعة، ثم التقى بالشيخ الصوفي “درويش خضر”- خال أبيه- الذي كان له أكبر الأثر في تغيير مجرى حياته. حيث استطاع أن يعيد الثقة إلى محمد عبده، بعد أن شرح له بأسلوب لطيف ما استعصى عليه من تلك المتون المغلقة.

 وتصوفه المنفتح لم يمنعه من توجيهه إلى تعلم الحساب والهندسة والمنطق وعلوم الحياة، فاقبل على القراءة والإطلاع والعلم، ومن ثم عاد إلى الجامع الأحمدي بروح جديدة فوجد نفسه كما يقول: «أفهم ما أقرأ وما أسمع»، لقد صار “محمد عبده” شيخًا ومعلمًا لزملائه يشرح لهم ما غمض عليهم قبل موعد شرح الأستاذ. وهكذا تهيأ له أن يسير بخطى ثابتة على طريق العلم والمعرفة بعد أن عادت إليه ثقته بنفسه، ثم انتقل من الجامع الأحمدي إلى الجامع الأزهر فدرس الفقه والحديث والتفسير واللغة والنحو والبلاغة، وغير ذلك من العلوم الشرعية واللغوية.

 ولم يكن رأي محمد عبده في الجامع الأزهر خيراً من رأيه في الجامع الأحمدي لعقم أساليبه التعليمية، وظل 4 أعوام يقرأ دروس الأزهر المقررة، و يعتمد على نفسه في علوم الدنيا التي لا يدرسها الأزهر، وهي المنطق والرياضيات و الهندسة والفلسفة، ومنذ وصول جمال الدين الأفغاني إلى مصر 1871 التقاه محمد عبده ولازمه كظله، فأخرجه من حياة العزلة إلى دراسة العلوم الحديثة كالفلسفة والرياضيات والأخلاق والسياسة والفن وغير ذلك مما لم يكن مألوفا في مناهج الأزهر.

 وبدأ محمد عبده الكتابة باسمه في جريدة الأهرام وعمره يومئذ سبعة وعشرون عاما. وبعد تخرجه في الأزهر 1877  مارس التدريس فيه، وقرأ لطلابه المنطق والفلسفة والتوحيد وتهذيب الأخلاق لمسكويه وتاريخ المدنية في أوروبا وفرنسا لفرانسوا جيزو، ثم عمل مدرساً للتاريخ في دار العلوم عام 1295 هـ – 1838 م، وقرأ لطلابه فيها مقدمة ابن خلدون، وألف كتابا في علم الاجتماع والعمران، وعين مدرسا للعلوم العربية في “مدرسة الألسن”، كما اتصل بالحياة العامة. وساهمت انتقاداته في تأسيس المجلس الأعلى للمعارف.

   وعندما اشتعلت الثورة العرابية سنة (1299هـ – 1882م) انضم محمد عبده إلى المؤيدين للثورة، وأصبح واحدًا من قادتها وزعمائها، فتم القبض عليه، وأودع السجن ثلاثة أشهر، ثم حُكم عليه بالنفي لمدة ثلاث سنوات. فانتقل إلى بيروت حيث أقام بها نحو عام، ثم ما لبث أن دعاه أستاذه الأفغاني للسفر إليه في باريس حيث منفاه، واستجاب “محمد عبده” لدعوة أستاذه حيث اشتركا معًا في إصدار مجلة “العروة الوثقى” التي صدرت من غرفة صغيرة متواضعة فوق سطح أحد منازل باريس.

   واستطاع الإنجليز إخماد صوت “العروة الوثقى” الذي أضج مضاجعهم وأقلق مسامعهم، فاحتجبت بعد أن صدر منها ثمانية عشر عددا في ثمانية أشهر، وعاد الشيخ “محمد عبده” إلى بيروت بعد أن تهاوى كل شيء من حوله، فقد فشلت الثورة العرابية، وأغلقت جريدة “العروة الوثقى”، وابتعد عن أستاذه الذي رحل بدوره إلى “فارس”. وكان على “محمد عبده” أن يشغل وقته بالتأليف والتعليم، فشرح “نهج البلاغة” ومقامات “بديع الزمان الهمذاني”، وأخذ يدرس تفسير القرآن في بعض مساجد “بيروت”.

عاد محمد عبده إلى مصر على ألا يشتغل بالسياسة، فاتجه الى الأصلاح، وكان سبيله إلى ذلك إصلاح الأزهر والمدرسة الدينية وإقامة الجمعيات الخيرية. وعين قاضياً في المحاكم الشرعية في محكمة بنها، ثم الزقازيق، ثم عابدين، ثم عين مستشارًا في محكمة الاستئناف. وبدأ يتعلم اللغة الفرنسية وهو قاضٍ في “عابدين”- وكانت سنه حينئذ قد شارفت على الأربعين- حتى تمكن منها، فاطلع على القوانين الفرنسية وشروحها، وترجم كتابًا في التربية من الفرنسية إلى العربية. وفي عام (1317هـ – 1899م) تم تعيينه مفتيًا للبلاد.

ولكن علاقته بالخديوي عباس كان يشوبها شيء من الفتور، الذي ظل يزداد على مر الأيام، خاصة بعدما اعترض على ما أراده الخديوي من استبدال أرض من الأوقاف بأخرى له إلا إذا دفع الخديوي للوقف عشرين ألف فرقًا بين الصفقتين. وتحول الموقف إلى عداء سافر من الخديوي، فبدأت المؤامرات والدسائس تُحاك ضد الإمام الشيخ، وبدأت الصحف تشن هجومًا قاسيًا عليه لتحقيره والنيل منه، ولجأ خصومه إلى العديد من الطرق الرخيصة والأساليب المبتذلة لتجريحه وتشويه صورته أمام العامة.

 اضطر الامام محمد عبده في النهاية إلى الاستقالة من الأزهر في سنة (1323هـ – 1905م)، وإثر ذلك أحس الشيخ بالمرض، واشتدت عليه وطأة المرض، الذي تبيّن أنه السرطان، وما لبث أن تُوفي بالإسكندرية في (8 من جمادى الأولى 1323 هـ = 11 من يوليو 1905م) عن عمر بلغ ستة وخمسين عامًا.

القرآن الكريم

 

    إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته، تلك الجملة التي كنا نبدأ بها دائماً اذاعتنا المدرسية لتقديم آيات القرآن الكريم، القرآن الذي هو الكتاب الأول والمعلم الأول للبشرية، الذي جمع كل العلوم والآداب بين دفتيه، فالقرآن تحدث في العلوم الطبية والفلكية والمواريث والعلاقات الاجتماعية والأسرية والتاريخ والقصص والأدب، وأصل هذه الجملة جزء من كلام طويل لـ “الوليد بن المغيرة” يصف فيه القرآن الكريم وبلاغته.

وهذه الجملة هي كناية عن عذوبة ألفاظ القرآن الكريم وجزالتها وحلاوتها وقوة تركيبه وسمو معانيه وأخذه بمجامع القلوب وعلوه على كل كلام. فعن “ابن عباس” (رضي الله عنهما): أن “الوليد بن المغيرة” جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فانطلق فقعد إلى جنب عمه “الوليد” حزيناً فقال له “الوليد” مالي أراك حزيناً يا ابن أخي؟ فقال: وما يمنعني أن أحزن؟ وهذه قريش يجمعون لك نفقة يعينونك على كبر سنك ويزعمون أنك زينت كلام محمد وإنك تدخل على ابن أبي كبشة وابن قحافة لتنال من فضل طعامهم.

فغضب “الوليد” وقال: ألم تعلم قريش أني من أكثرها مالاً وولداً؟ وهل شبع محمد وأصحابه ليكون لهم فضل؟ ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه فقال لهم: تزعمون أن محمداً مجنون فهل رأيتموه يحنق قط؟ قالوا اللهم لا، قال: تزعمون أنه كاهن فهل رأيتموه تكهن قط؟ قالوا اللهم لا، قال: تزعمون أنه كذاب فهل جربتم عليه شيئاً من الكذب؟ قالوا لا، فقالت قريش للوليد فما هو؟ قال: وماذا أقول؟! فو الله ما فيكم من رجل أعلم بالأشعار مني ولا أعلم برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا، والله لقد سمعت من محمد آنفاً كلاماً ما هو من كلام الأنس ولا من كلام الجن إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وأنه يعلو وما يعلى عليه.، وإنه ليحطم ما تحته.

فقال له أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه! فتفكر في نفسه ثم نظر وعبس فقال: ما هو إلا ساحر أما رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه فهو ساحر وما يقوله سحر يؤثر. فنزل قول الله في سورة المدثر : “إنه فكر وقدر. فقتل كيف قدر” رواه الحاكم والبخاري. فالقرآن الكريم هو معجزة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فلكل نبي معجزة ومعجزة محمد (صلى الله عليه وسلم) القرآن، فقد أرسل لقوم يبرعون في الشعر والنظم واستخدام اللغة وربي هو بينهم أمياً لا يجيد القراءة والكتابة.

فكانت بلاغة القرآن معجزة لا يستطيعون مجاراتها من أمي لم ينظم الشعر يوماً لذلك اتهموه بالسحر والجنون وأن هناك من يؤلف له آيات القرآن ليدعي انها من عند الله، ولكنه سبحانه وتعالى رد على كل مزاعمهم تلك في محكم آياته، فلم تكن آيات القرآن الكريم والمواضيع التي تناولتها وقصص الأولين التي لم يعاصرها أحد منهم بمقدور انسان ما أن يصوغها وأن يعرف حججهم وأقاويلهم ومزاعهم فيرد عليها قبل أن يذيعوها مما كان دليلاً قاطعاً على أن هذا الكتاب رسالة سماوية من الله وحده.

النوم على طهارة

      من سنن نبينا (صلى الله عليه وسلم) المهجورة النوم على طهارة ووضوء، فقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم) لـ”البراء بن عازب” (رضي الله عنه): “إذا اتيت مضجعك؛ فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم اسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، اللهم أمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذي أرسلت، فإن مت مت على الفطرة، فاجعلهن آخر ما تقول” متفق عليه.

    وعن ابن عمر (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “من بات طاهراً بات في شعاره ملك، فلا يستيقظ إلا قال الملك: اللهم اغفر لعبدك فلان فانه بات طاهراً” رواه الألباني، وفي رواية أخرى “طهروا هذه الأجساد طهركم الله، فإنه ليس عبد يبيت طاهراً إلا بات معه ملك في شعاره لا ينقلب ساعة من الليل إلا قال: اللهم اغفر لعبدك، فإنه بات طاهراً” فياله من فضل عظيم أن يستغفر لنا ملك طاهر من الملائكة طوال ساعات نومنا التي تتوقف فيها أعمالنا.

    وليس هذا فقط بل هناك أيضاً أفضال أخرى للنوم على طهارة، فعن “عبد الله بن عمرو” (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “الأرواح تعرج في منامها إلى السماء؛ فتؤمر بالسجود عند العرش؛ فمن كان طاهراً سجد عند العرش ومن ليس بطاهر سجد بعيداً عن العرش” رواه البخاري، وأيضاً قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “من آوى إلى فراشه طاهراً يذكر اسم الله تعالى حتى يدركه النعاس لم ينقلب ساعة من الليل يسأل الله عز وجل فيها شيئاً من خير الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه”.

    فيالها من أفضال عظيمة لسنة نبوية شريفة لا يكلفنا القيام بها مجهوداً أو وقتاً طويلاً ففي دقائق معدودة نقوم بهذه السنة ونربح أجرها العظيم؛ فلنواظب على هذه السنة ونحرص على القيام بها والاقتداء بنبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم).

رحلة طموح

استيقظت “سمية” من نومها كعادتها كل صباح على صوت “أم كلثوم” تشدو:

يا صباح الخير ياللي معانا

الكروان غنى وصحانا

والشمس طالعة وضحاها

اعتادت منذ طفولتها أن تستيقظ كل صباح على ذلك الصوت الشجي منطلقاً من مذياع قهوة عم “صابر” المجاورة لمنزلهم، وكانت إذا ما طرأ طارئ على عم “صابر” ولم يفتح القهوة يوماً أو تأخر عن موعده، لا تستطيع الاستيقاظ بسهولة، وتتعب أمها حتى توقظها لتذهب إلى المدرسة، مما اضطر أمها أن تضع لها مذياعاً خاصاً في غرفتها لتوقظها به كل صباح على أغنية “أم كلثوم”، وهاهي الآن بعد أعوام عندما تريد أن تستيقظ في الصباح لابد أن تضبط منبه هاتفها الجوال بأغنية “أم كلثوم” لتستطيع الإستيقاظ.

  • اطفي الهباب ده!

صرخت بها “عبير” زميلتها في الغرفة بنزل الفتيات، وقطعت عليها حبل ذكرياتها؛ فأغلقت رنين المنبه، في البداية كانا يتشجاران كثيراً حول هذا الموضوع خاصة أن “سمية” كانت تعدها إهانة لا تغتفر لصوت “أم كلثوم”، وعلى الرغم من أن “عبير” ذوقها لا يتعدى “أوكا وأورتيجا” إلا أنها لم تكن تقصد أي إهانة لأي أحد ولكن إصرار “سمية” على أن تضع تلك الأغنية نغمة للمنبه الذي يوقظها في السابعة صباحاً بل واستمتاعها بالاستماع إليها لمدة دقيقة كاملة حتى يتوقف المنبه تلقائياً هو ما كان يثير أعصاب “عبير” التي تود استكمال نومها بأمان دون إزعاج.

استغرق منهما وقتاً طويلاً حتى يستطيعا فهم بعضهما البعض وتكوين صداقة بينهما على الرغم من اختلاف أذواقهما، ولكن بالرغم من ذلك ظلت “سمية” على اصرارها بوضع تلك الأغنية نغمة منبهها الصباحي، ولكنها لم تعد تتشاجر مع “عبير” عندما تصيح بها طالبة منها اغلاق ذلك المنبه.

خرجت من غرفتها متوجهة إلى المطبخ؛ لترى ماذا تعد الفتيات للفطور وتساعدهم فيه.

  • ماذا ستعدون اليوم للإفطار؟
  • وماذا سنعد برأيك؟ كالمعتاد بيض وفول وجبن.
  • هل تودون أي مساعدة؟
  • وهل تنتظرين أن نعد لك الطعام ونأتي به إليك كالملكة؟!
  • وماذا أفعل؟
  • افعلي ما تستطيعين فعله، على الأقل بإمكانك غسل الصحون المتسخة وتنظيم السفرة!

ذهبت “سمية” لغسل الصحون في حوض المطبخ، وهي متألمة من طريقة كلام تلك الفتاة معها، ولكنها اعتادت على ذلك واصبحت لا تشكو لأحد من أحد، ولماذا تشكو إذا كان لا أحد يسمعها من الأساس، كل منهن لديها مشاكلها وإحباطاتها التي تفرغها على من حولها، وما من أحد منهن لديها الاستعداد لتتحمل هموم ومشكلات الأخرى فما بها يكفيها بل ويفيض إذا ما وجدت أحد تفيض له ولكن لا أحد لهن!

انتهت الفتيات من اعداد الإفطار وجلسن جميعاً يتناولن الإفطار معاً وهن يتبادلن الحديث والنكات، وبعد أن انتهين من تناول الإفطار ذهبت كل منهن إلى عملها كالمعتاد، وتوجهت “سمية” إلى دار الأوبرا لتزاول تدريباتها المعتادة مع الكورس. لقد أتت إلى القاهرة منذ عامان على أمل أنها ستصبح مطربة مشهورة ولكن للأسف مضى عامان كاملان وهي لا تزال عند نقطة البداية لم تتحرك شبراً واحداً منها، كانت تظن أن صوتها سيفرش لها طريقاً من الورود لتسيره بمنتهى السهولة.

ولكنها اكتشفت الحقيقة المرة: لم يعد الصوت الشجي هو السبيل للغناء بل أضحت هناك سبل عديدة لم يعد من ضمنها إطلاقاً روعة الصوت من عدمه، ولتصل إلى تلك الحقيقة صدمت مرات عديدة على أبواب المنتجين الموسيقيين والملحنين الذين كان سؤالهم دائماً عن حجم التنازلات الأخلاقية التي هي على استعداد لتقديمها لهم ليفتحوا لها أبواب المجد والشهرة ولم يسألها أحد يوماً عن مدى روعة صوتها الذي تسعى لإيصاله للجمهور بل لم يحاول أحداً منهم أن يستمع إلى صوتها ولو مرة واحدة من الأساس.

كانت أحياناً كثيرة يتسلل اليأس إلى نفسها وتتسائل عن جدوى بقائها في القاهرة وتضحيتها بأهلها ورضاهم عنها لتجري وراء حلم كالسراب؛ فقد حاربت العالم كله لأجل ذلك الحلم الذي كلما خيل إليها أنها اقتربت منه تجده أبعد ما يكون عنها، لقد أحبت الغناء العربي الأصيل منذ نعومة أظافرها، كانت تمضي أغلب أوقاتها تستمع إلى غناء “أم كلثوم” و”عبد الوهاب” و”فيروز” و”نجاة الصغيرة” و”فريد الأطرش” و”أسمهان” و”عبد الحليم حافظ” و”صباح”، ولكن “أم كلثوم” بالنسبة لها كانت القامة والهرم الذي لا تظن أنه سيتكرر يوماً ما.

كانت عائلتها تجتمع يومياً في الثانية عشرة مساءاً جوار المذياع ليستمعوا إلى احدى حفلات “أم كلثوم” على إذاعة الأغاني ويسترجعوا معها الذكريات، كانت دائماً ما تستمع من والديها عن ذكرياتهما مع حفلات “أم كلثوم” عندما كانا صغاراً، فقد حضرا عدة حفلات مع أهاليهم وقتها وكانت عائلاتهم تسافر خصيصاً إلى القاهرة في الخميس الأول من كل شهر لحضور حفلة “أم كلثوم” ونادراً ما فاتهم احدى حفلاتها، وكثيراً ما اكتشفا أنهما حضرا نفس الحفلة وتضاحكا على ذلك وظنا أنهما قد تلاقيا في صغرهما.

كانت تجلس بين والديها تستمع إلى “أم كلثوم” وإلى ذكرياتهما معها قبل أن تخلد إلى النوم؛ فكان آخر ما يطرق سمعها وأول ما تستيقظ على سماعه يومياً هو صوت “أم كلثوم”، وكانت تتباهى بين زميلاتها في المدرسة بحبها لـ”أم كلثوم” في الوقت الذي كانت لا تطيق الواحدة منهن الجلوس ساعة كاملة وربما أكثر للاستماع إلى احدى أغاني “أم كلثوم”، وكانت دائماً تجد التشجيع من أهلها ومن معلميها عندما تتبارى في الحفلات المدرسية أو العائلية بتقليد “أم كلثوم” وغناء بعض من أغانيها.

ولكن عندما كبرت وصرحت بحبها للغناء ورغبتها في امتهانه والالتحاق بمعهد الموسيقى العربية في القاهرة لدراسته فوجئت برفض عارم وهجوم شديد لتكتشف بين ليلة وضحاها أن الغناء حرام، لما إذاً لم يكن حراماً عندما كانوا يجتمعون يومياً لسماع أغاني “أم كلثوم” في الإذاعة؟! لما لم يكن حراماً عندما كانوا يذهبون لحضور حفلات “أم كلثوم” مع أهاليهم ويسافرون خصيصاً ويقطعون المسافات الطويلة لحضورها؟! لما لم يكن حراماً عندما كانوا يتباهون بجمال صوتها وحفظها لكل أغاني “أم كلثوم”؟!

لما لم يكن حراماً عندما كانوا يطلبون منها في كل حفلة أو اجتماع عائلي أن تغني لهم مما غنت “أم كلثوم”؟! أفجأة أصبح الغناء حراماً؟! وكيف يكون الغناء حراماً وقد خلق الله الكون يغني؟! أليس الله هو من خلق الطيور بأصواتها المختلفة تشكل لحناً غنائياً رائعاً؟! أليس صوت هدير المياة وارتطامها بالصخور وصوت الأمطار يعزف نوتة موسيقية ربانية رائعة؟! أوليس صوت الرياح وهي تداعب أغصان الشجر تشكل معزوفة لحنية غاية في الطرب؟! ألم يكن نبي الله “داوود” يترنم بتسابيحه وابتهالاته لله بما عرف إلى الآن بمزامير داوود وكانت تجتمع الإنس والجن بل والحيوانات لتطرب من ترانيمه؟!

ألا يتبارى مقرئوا القرآن في إبراز أصواتهم والتغني بآيات الله؟! أولم يحثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ذلك قائلاً في صحيح البخاري: “ليس منا من لم يتغن بالقرآن”؟! كيف بعد ذلك كله يحرمون الغناء ما لم يتفحش بالقول أو يحض على حرام؟! وقد كان للغناء مكانة عالية في الدولة الإسلامية وكان للمغنيين والموسيقيين والشعراء منزلة رفيعة عند خلفاء المسلمين في كل العهود، بل إن الموسيقى الحالية تعتمد في كثير منها على القواعد والنظريات التي وضعها علماء الإسلام في الموسيقى أمثال: “الفارابي” و”زرياب” و”أبو الفرج الأصفهاني” و”الكندي” و”الموصلي”.

أسئلة كثيرة لم تجد لها جواباً شافياً عندهم، فقط ما وجدته كان التعنت والرفض القاطع لامتهانها الغناء وكأن الغناء سيجلب لهم العار ويفقدهم هيبتهم في المجتمع، ولأنها كانت لا تزال صغيرة حينها ولا تمتلك قرارها حاولت الوصول معهم لحل وسطي يرضيها ويرضيهم؛ فاقترحت عليهم دراسة الموسيقى بكلية التربية النوعية في محافظتهم بصعيد مصر؛ فوافقوا ظناً منهم أن هذا قد يشبع حبها للموسيقى والغناء وأن عملها كمدرسة بعد التخرج سيلهيها عن حلمها في الغناء، وقنعت هي مؤقتاً بهذا ظناً منها أنها خلال فترة دراستها بالكلية ستسطيع اقناعهم بحلمها عندما تصقل موهبتها بالدراسة ويرون بأعينهم تفوقها.

ولكن آمالها تلك تحطمت على صخرة الواقع، فبعد تخرجها عرض عليها أحد أساتذتها السفر إلى القاهرة للتدريب في الأوبرا لتصقل موهبتها وتجد طريقاً لها، وكادت أن تطير من الفرح عندما عرض عليها ذلك، ولكن عندما أخبرت والديها بذلك أسودت الدنيا في وجهها فلقد خيروها بينهم وبين المضي قدماً في تحقيق حلمها، ولم تشفع لها دموعها وتوسلاتها، فلم يكن أمامها إلا أن تختار أن تسير وحدها على الطريق دون دعم أو دعوة طيبة تذلل لها الصعاب.

حتى إن حبيبها الذي وهبته قلبها لم يستطع تفهمها ولم يقدر موهبتها ولم يمنحها حقها في الحلم، فقد خيرها هو أيضاً ما بين حلمها وبين زواجهما، لقد رأى أن وقوفها على المسرح للغناء اقتناصاً لرجولته واهانةً لكرامته، أخبرها أنه لم يكن يناقشها من قبل ظناً منه أنها ستنضج يوماً ما وتتخلى عن تلك الأحلام الطفولية وتعي أن هناك مسئوليات من المنتظر منها القيام بها، وألمها أنها أحبت يوماً ما رجلاً أنانياً بقدره لا يرى فيها سوى تابعة له تحقق له ما يصبو إليه من أحلام وليس من حقها أن تحلم لنفسها بشيء ويكفيها فخراً أن يكون راضياً عنها!

لم يشجعها أحد البتة في تحقيق أحلامها حتى صديقاتها رغم تعاطفهن معها إلا أنهن حاولن إثنائها كثيراً عن المضي في طريق حلمها خوفاً منهن عليها من تبعات ذلك الطريق وتخلي أهلها عنها، إلا أنها أصرت على المضي في طريقها وضحت في سبيله بكل غالي ونفيس، وظنت أنها عندما ستصل إلى هدفها دون أن تضحي بأخلاقها وقيمها ستثبت لأهلها أنها كانت على حق وستجعلهم فخورين بها، ولكن طال الطريق بها ولم تصل لشيء بعد حتى بدأ اليأس يدب في قلبها.

كانت تشتاق كثيراً لحضن أمها لترتمي فيه وتشكو لها من قسوة الحياة، كانت كلما رأت رجلاً أو امرأة مسنين في الشارع تذكرت والديها وسارعت بمساعدتهما في عبور الشارع أو حمل ما يثقلان بحمله طالبة منهم دعوة طيبة تهون عليها غربتها عن والديها، وآملة في نفسها أن يكون ذلك سبباً في تليين قلب والديها عليها يوماً ما.

وذات يوم –ربما كان ذلك يوم حظها- كانت في الأوبرا كالعادة تغني مع الكورس في إحدى الحفلات، وبعد انتهاء اليوم، لم تكن لديها الرغبة في العودة إلى نزل الفتيات في ذلك الوقت؛ فدخلت احدى القاعات وظنت نفسها وحدها لا يسمعها أحد فوقفت تغني بإندماج احدى أغنيات “أم كلثوم” الرائعة:

لسة فاكر قلبي يديلك أمان

ولا فاكر كلمة هتعيد اللي كان

ولا نظرة توصل الشوق والحنان

وبعد أن أنهت الأغنية وجدت من يصفق لها بحرارة؛ فنظرت نحوه فوجدته الملحن والمغني الشهير “محمد يوسف” ولم تدري ماذا تفعل وتسمرت مكانها حتى اقترب منها يسلم عليها محيياً ومعلناً عن إعجابه الشديد وانبهاره بصوتها، سألها: ما اسمك؟

  • سمية محمد محمود.
  • سومة؟

أومأت برأسها في خجل فقد كان ذاك اسم الدلع الذي يطلقه عليها والديها تيمناً بـ”أم كلثوم”، وقد سمياها “سمية” حتى يناديها بذلك الاسم، فقد كان من الصعب أن يسمياها “أم كلثوم” في ذلك العصر كان سيبدو اسماً كبيراً لطفلة صغيرة؛ فاختارا لها اسم “سمية” حتى يناديها بـ”سومة”.

  • لديك صوتاً رائعاً.
  • لا، أنا كنت فقط….
  • ششششششش، فقط استمعي إلي، لقد غنيتي أفضل مني!
  • أنت تمزح!
  • لا، أنا لا أمزح فيما يتعلق بالغناء والموسيقى، إذاً أنت تريدين أن تصبحي مطربة؟
  • من قال ذلك؟
  • أنت، لقد كنت تنظرين إلى صورة “أم كلثوم” المعلقة على الجدار وانت تغنين أغنيتها كالطفل الذي يتطلع إلى القمر ويريد لمسه، حتى إنك لم تعي بوجودي، هذه النظرة أخبرتني كل شيء.
  • كل الناس تتطلع إلى القمر ما المميز في ذلك؟
  • البداية، أي فنان يحوز شهرة عالمية لابد أن يتمتع بما يميزه ولا تأتي شهرته من التقليد، أنت تملكين ذلك الشيء المميز ولكنك تحتاجين إلى قوة دافعة.
  • ما الذي سمعته في صوتي ولم يسمعه الآخرون؟! لقد حاولت جاهدة ولكن أحداً لم يعطني فرصة واحدة.
  • لذلك أنا هنا؛ لأعطيك تلك الفرصة.

راجعت خيباتها المتلاحقة في ذهنها فبادرته قائلة بنظرة شك: أنا لست من نوعية الفتيات التي تظنها.

ضحك قائلاً: أنا لا أقول مثل هذا الكلام لفتيات من تلك النوعية.

  • آسفة، ولكن كما يقول المثل: “اللي اتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي”.
  • إذاً أراك في الغد.

وأعطاها بطاقته، وسلم عليها راحلاً، لم تكن تعي ما حولها من الفرحة، لم تكن تعلم إذا ماكانت تحلم أم أن ما حدث حقيقة، ظلت تنظر طويلاً للبطاقة وهي لا تصدق نفسها، لم تنم ليلتها، وفي الصباح الباكر توجهت إلى مكتبه، كان جاداً حولها، وجدته قد قرر أن يطلقها كمغنية في احتفالات رأس السنة الجديدة، كان قد نظم لها جدولاً حافلاً للتدريب طوال الشهر المتبقي، واختار لها افضل الكلمات ووضع لها أرقى الألحان، أمضت شهراً حافلاً بالتدريبات والتسجيلات وهي لا تزال غير مصدقة لما يحدث.

حتى بدأت أخبار اطلاقتها تستحوذ على معظم الأخبار الفنية واعلانات ألبومها الغنائي تغرق شاشات التلفاز ومحطات الإذاعة، والكثيرون ينتظرون سماعها بفارغ الصبر، ووصلت أخبارها لأهلها، فوجئوا بها وفوجئوا أنها لا زالت ابنتهم التي ربوها لم تتنازل عن أخلاقها وقيمها لتصل إلى ما هي عليه، لازالت ببرائتها تلك تكسو وجهها، لم يخدش حيائها شيء، وقبل أول حفل لها فوجئوا بالملحن “محمد يوسف” يطرق بابهم راجياً منهم حضور حفلها الأول؛ فقد كان يعلم جيداً أن ذلك سيعني لها الكثير ويعلم أيضاً أن كبرياء الأب والأم سيمنعهما من اتخاذ تلك الخطوة وحدهما دون أن يخبرهما أحد كم تشتاق لهما ابنتهما وكم تحتاجهما إلى جوارها.

وقفت أمام المرآة تستعد إلى حفلها الأول، ارتدت أبهى فستان، وعلى الرغم من سعادتها البالغة إلا أنها كانت تغالب دموعها فكم كانت تتمنى وجود والديها معها في ذلك اليوم، حاولت التماسك لتصعد إلى المسرح وتغني لجمهورها الذي انتظرها بفارغ الصبر، وما إن بدأت فقرتها واعتلت المسرح حتى فوجئت بوالديها يجلسان في مقدمة الصفوف وأعينهما تغرورق بالدموع وهما يصفقان لها بحرارة، لتجد دموعها تنساب رغماً عنها، وتعلن أن أغانيها اليوم مهداة إلى والديها فقط اللذان كان لهما الفضل الأكبر في حبها للغناء الراقي والموسيقى ولولاهما لما وقفت يوماً على ذاك المسرح.

أوسطه مغفرة

 

شهر رمضان هو شهر الخير والبركات، وهاهو قد انقضى نصفه الأول بلمح البصر، الكثير منا لم يستثمره بعد في العبادات من فرائض وتطوع، بل قد يكون الكثير منا قد أنهك رمضانه بمتابعة التلفاز فقط لا غير، وبما اننا قد وصلنا إلى منتصف رمضان الذي قال عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه أوسطه مغفرة، فعن “سلمان الفارسي” رضي الله عنه أنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال:

“أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار” رواه ابن خزيمة، إذن فلنسعى لنيل مغفرة الله عزوجل ورضوانه، فتلك المغفرة لن تصيب أياً كان بدون أن يسعى لها حثيثاً ويعمل جهده لنيلها.

وللحصول على مغفرة الله عز وجل؛ فلا بد من التوبة والانابة إليه سبحانه جل وعلا، فعن “أبي موسى الأشعري” قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏”‏لله أفرح بتوبة عبده الذي أسرف على نفسه من رجل أضل راحلته فسعى في بغائها يميناً وشمالاً حتى أعيا – أو أيس منها – وظن أنه قد هلك نظر فوجدها في مكان لم يكن يرجو أن يجدها، فالله عز وجل أفرح بتوبة عبده المسرف من ذلك الرجل براحلته حين وجدها‏”‏‏.‏

والله تعالى هو الغفور الغفار الغافر، فهو يحب المغفرة ويحثنا على نيلها؛ فهو يقول في محكم تنزيله: “نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغَفُورُ الرَّحِيمُ” الحجر:49، “وَرَبُّكَ الغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ العَذَابَ” الكهف:58 “غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ العِقَابِ ذِي الطَّوْلِ” غافر:3، وينادي عباده صباح مساء: “يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ” الزُّمر:53، فلا ينبغي أن ييأس أحد من مغفرة الله تعالى لذنوبه وإن عظمت.

فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “إن الشيطان قال وعزتك يا رب لا أبرح أغوى عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني” رواه أحمد وغيره وصححه الألباني. فباب التوبة والمغفرة مفتوح لنا في هذه الأيام المباركة؛ فلا نلوم إلا أنفسنا إذا فوتنا تلك الفرصة، فقد قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “إن لله في أيام الدهر لنفحات فتعرضوا لها، فلعل أحدكم أن تصيبه نفحة فلا يشقى بعدها أبداً”.

رفاعة رافع الطهطاوي

كتبت: سارة الليثي

   وُلد “رفاعة رافع الطهطاوي” في 15 أكتوبر 1801 بمدينة طهطا في محافظة سوهاج بصعيد مصر، يتصل نسبه بالحسين حفيد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقد التحق وهو في السادسة عشرة من عمره بالأزهر في عام 1817 وشملت دراسته الحديث والفقه والتفسير والنحو والصرف، وغير ذلك. خدم بعدها كإمام في الجيش النظامي الجديد عام 1824. وفي 13 ابريل 1826 سافر فرنسا ضمن بعثة عددها أربعين طالباً أرسلها والي مصر محمد علىّ” لدراسة اللغات والعلوم الأوروبية الحديثة.

    كان الطهطاوي واعظاً واماماً للبعثة وعمره حينها 24 عاماً. ولكنه إلى جانب ذلك اجتهد ودرس اللغة الفرنسية، وبعد خمسٍ سنوات حافلة أدى رفاعة امتحان الترجمة، وقدَّم مخطوطة كتابه الذي نال بعد ذلك شهرة واسعة تَخْلِيصُ الإِبْرِيزِ فيِ تَلْخِيصِ بَارِيز“، وعاد رفاعة لمصر سنة 1831 مفعماً بالأمل منكبّاً على العمل فاشتغل بالترجمة في مدرسة الطب، ثُمَّ عمل على تطوير مناهج الدراسة في العلوم الطبيعية. وأفتتح سنة 1835م مدرسة الترجمة، التي صارت فيما بعد مدرسة الألسن وعُيـِّن مديراً لها إلى جانب عمله مدرساً بها.

   وفى هذه الفترة تجلى المشروع الثقافي الكبير لرفاعة الطهطاوي، وظل جهد رفاعة يتنامى بين ترجمة وتخطيط وإشراف على التعليم والصحافة، فأنشأ أقساماً متخصِّصة للترجمة والرياضيات والطبيعيات والإنسانيات، وأنشأ مدرسة المحاسبة لدراسة الاقتصاد ومدرسة الإدارة لدراسة العلوم السياسية. وكانت ضمن مفاخره استصدار قرار تدريس العلوم والمعارف باللغة العربية، وهي العلوم والمعارف التي تدرَّس اليوم في بلادنا باللغات الأجنبية، وإصدار جريدة الوقائع المصرية بالعربية بدلاً من التركية، هذا إلى جانب عشرين كتاباً من ترجمته، وعشرات غيرها أشرف على ترجمتها.

   بيد أن هذه الشعلة سرعان ما خبت مع تولِّى الخديوى عباس حكم مصر، فقد أغلق مدرسة الألسن وأوقف أعمال الترجمة وقصر توزيع الوقائع على كبار رجال الدولة من الأتراك، ونفى رفاعة إلى السودان سنة 1850م، وبعد وفاة عباس الأول سنة 1854م عاد الطهطاوي إلى القاهرة، وأسندت إليه في عهد الوالي الجديد “سعيد باشا” عدة مناصب تربوية، ولم يكتف رفاعة بهذه الأعمال العظيمة، فسعى إلى إنجاز أول مشروع لإحياء التراث العربي الإسلامي، ونجح في إقناع الحكومة بطبع عدة كتب من عيون التراث العربي على نفقتها، مثل تفسير القرآن للفخر الرازي المعروف بمفاتيح الغيب، ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص في البلاغة، وخزانة الأدب للبغدادي، ومقامات الحريري، وغير ذلك من الكتب التي كانت نادرة الوجود في ذلك الوقت.

    وعلى الرغم من كثرة المسئوليات التي تحملها رفاعة وأخذت من وقته الكثير، فإنه لم ينقطع عن الترجمة والتأليف فيما يعود بالنفع على الأمة، ولم يقض وقته إلا فيما فيه فائدة، وقد وصفه تلميذه النابه صالح مجدي بأنه “قليل النوم، كثير الانهماك على التأليف والتراجم”. وقد بدأ رفاعة إنتاجه الفكري منذ أن كان مبعوثًا في فرنسا، ومن أهم كتبه: “مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية” و”المرشد الأمين في تربية البنات والبنين” و”أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل” و”نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز”، وهو آخر كتاب ألفه الطهطاوي، وسلك فيه مسلكاً جديداً في تأليف السيرة النبوية تبعه فيه المحدثون.

    أما الكتب التي قام بترجمتها فهي تزيد عن خمسة وعشرين كتابًا، وذلك غير ما أشرف عليه من الترجمات وما راجعه وصححه وهذبه. ومن أعظم ما قدمه هو تلاميذه النوابغ الذين حملوا مصر في نهضتها الحديثة، وقدموا للأمة أكثر من ألفي كتاب خلال أقل من أربعين عامًا ما بين مؤلف ومترجم. وتوفى رفاعة الطهطاوى سنة 1873م عن عمر ناهز الإثنتين وسبعين سنة، ومن أحفاده السفير محمد رفاعة الطهطاوي الذي عمل سفيراً لمصر بليبيا وإيران وشغل منصب رئيس ديوان رئيس الجمهورية منذ أغسطس 2012 حتى يوليو 2013.