بنت من الصعيد

 

    ككل صباح ذهبت صباح إلى جامعتها مفعمة بالنشاط والحيوية، تحمل معها أحلامها بمستقبلها الباهر الذي تنتظر تحقيقه بفارغ الصبر، لم تكن تعي أن هذا المستقبل يتم وأده في ذات اللحظة بيد أقرب الناس إليها بينما تتلقى هي محاضراتها بسعادة وأمل.

   عادت إلى منزلها في نهاية يومها الدراسي لتنفرد بها والدتها لتزف إليها هذا الخبر السار: جالك عريس يا بت، كبرتي وبقيتي عروسة، كانت أمها تتوقع أن تحمر وجنتي ابنتها خجلاً وتنظر للأرض وعلى وجهها ابتسامة عريضة تدل على فرحتها الغامرة، ولكنها ببساطة قالت لها: بس أنا لسة بدرس ولسة قدامي حجات كتير عايزة أعملها قبل ما أفكر في موضوع الجواز ده!

   صدمت أمها من جوابها ولكنها ردت عليها قائلة: وهم يعني اللي درسوا خدوا ايه من دراستهم البنت ملهاش غير بيتها وجوزها في الآخر ولا انت عايزة تعنسيلنا وتعديلنا للأبد؟!

  • يا ماما الجواز ده رزق ومكتوب لكل واحد محدش بياخد غير اللي مكتوب له.
  • وأهو رزقك جالك لحد عندك هتتبتري عليه عشان تتحرمي منه!
  • أنا لا بتبتر ولا حاجة أنا كل اللي بقوله اني لسة صغيرة وعايزة أكمل دراستي الأول!
  • صغيرة مين ده أنا لما كنت في سنك كنت مخلفاكي انت واخواتك وإن كان على دراستك ابقي كمليها في بيت جوزك إن وافق.
  • يعني ايه إن وافق؟! يعني أنا ممكن كمان مكملش دراستي أصلاً؟!
  • بقولك ايه يا بت انت متخوتيش دماغي العريس جاي بالليل هو وأهله عشان يشوفوكي خليكي محترمة كدة وتطلعي بأدبك تقابليهم بدل ما أقول لأبوكي وانت عارفة هيعمل فيكي ايه ساعتها.

    مر بخاطر صباح في هذه اللحظة كل ذكرياتها السيئة مع أبوها، كيف أنه كان يود حرمانها من دخول الجامعة من الأساس لولا تدخل أخيها الأكبر الذي أقنعه بالعدول عن رأيه وأن التعليم مهم لها حتى تحظى بفرص زواج أفضل، لم يكن هذا رأي أخيها الحقيقي حول التعليم ولكنه كان يدرك أن والدهم لن يقتنع ويرضى سوى بهذه الطريقة، قررت أن تلجأ لأخيها أيضاً هذه المرة لعله يستطيع مساندتها، ولكنه أخبرها أن حججه قد نفذت فقد كان يتحجج دائماً بفرصة الزواج الأفضل ليحصل لها على بعض الحقوق والمميزات ولكن هذه المرة قد أتى ذلك الزواج الذي كانوا بانتظاره فبماذا سيقنعهم؟

   أخبرها أن الحل الوحيد الذي قد يخرجها من هذا المأزق هو أن تتطيعهم ولتلتقي بهذا العريس فقد يكون هو نقطة الأمل التي تمنحها حياة أفضل ويوافق على استكمال دراستها وتحقيقها لأحلامها، تمنت ذلك ولكن أتظل أحلامها كلها معلقة برجل إن شاء حققها وإن شاء في لحظة دمرها؟! لما يكون مستقبلها بيد شخص آخر غيرها؟! لما عليها أن تقبل أن تدر حياتها في فلك شخص آخر؟! رجل لا تعرف عنه شيئاً أصبح بين ليلة وضحاها هو الآمر الناهي في حياتها وعليها أن تطيع وترضى!

    أسئلة كلها دارت في ذهن صباح لازالت تبحث لها عن اجابة حتى اليوم بعد أن تزوجت وأنجبت ولم يكن لها الخيار حتى في أسماء من أنجبتهم، واليوم أتى زوجها بعريس لابنتهم وهي لازالت بعد أيضاً طالبة في الجامعة تحلم بمستقبل وطموحات مشرقة تعرف صباح جيداً أنه سيتم وأدها، ولكنها لأول مرة أخذت قرارها، لن تدع ابنتها تحيا مآساتها، لن ترى ابنتها تذرف الدموع أمامها وتقنع نفسها كذباً أنها دموع الفرح، لم تقاتل لأجل نفسها يوماً ولكنها اليوم ستقاتل –ولو الدنيا بأسرها- لأجل ابنتها.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s