غزة (قصة قصيرة)

  لم تنم لحظة منذ عدة ليال، فأصوات طلقات الرصاص والمدافع تطرق مسامعها طوال اليوم ولا تمكنها من التقاط أنفاسها؛ فتمضي يومها وليلها قلقة على أبنائها وجيرانها وأقاربها جميعاً، تهاتفهم جميعاً المرة تلو الآخرى لتطمئن أن أحداً منهم لم يصبه شيئاً في تلك الغارات، ولو كانت تستطيع لمرت على بيوتهم بيتاً بيتاً حتى تطمئن عليهم بنفسها، فهي تخشى خسارة المزيد فيكفيها ما خسرته سابقاً، وإن كان الموت لابد آتياً فليأتيها هي أولاً ويريحها من ألم الخسارة والفقدان.

    كانت الغارة هذه المرة أعنف من كل سابقاتها، تزايد القلق داخلها وهرولت ثانية إلى الهاتف تهاتف كل من تعرفهم من قريب أو بعيد لتطمئن عليهم، اطمأنت على الجميع ما عدا ابنتها التي لم ترد على مكالماتها المتكررة، داخلها الرعب، ماذا لو كان أصابها شيء في تلك الغارة؟ ماذا لو أصاب منزلها أحد المدافع؟ هل تكون ابنتها وجنينها الآن جثة هامدة تحت الأنقاض؟ لم تحتمل قلقها أكثر من ذلك، كانت ستجن لو مضت دقيقة واحدة أخرى وهي تضرب أخماس في أسداس عما قد يكون أصاب ابنتها حتى لا ترد على مكالماتها وهي التي تهرع إلى هاتفها فور أن تطلبها لتطمئن عليها وتطمئنها.

   ارتدت عبائتها وحجابها، وانطلقت مهرولة في الشارع إلى بيت ابنتها غير عابئة بسنها الذي لا يسمح لها بهذا المجهود، في الطريق رأت شاباً محمولاً على نقالة فقد كل أطرافه والدم يسيل بين جوانحه ولكنه لا يزال على قيد الحياة يلهج لسانه بآيات من محكم الكتاب وهو لا يعي شيئاً مما حوله، دمعت عيناها وهي لا تدري أذاك ما قد يتمناه المرء أم يخشاه؟! ولكن كل ما تدريه أنها لا تريد أن يصيب ابنتها أي مكروه، تريدها سليمة معافاه أمامها، تريد أن تحمل طفلها بين ذراعيها، تريد أن ترى مع ذاك الطفل مستقبلاً آخر يدحض فيه ذلك الاحتلال والعدوان.

    أسرعت في مشيتها حتى وصلت بيت ابنتها، كان الوضع جيداً مقارنة بما رأته على طول الطريق، إذاً ماذا أصاب ابنتها حتى لا تجيب هاتفها، هل يعقل أن تكون خارج البيت وقد أصيبت مع من أصيبوا في الشوارع؟! أكلت سلالم الدرج صعوداً وأخذت تطرق الباب بعنف ولكن لا مجيب، وفجأة سمعت صرخات مكتومة من الداخل، طرقت الباب على الجيران ليساعدها أحد، لم يجدوا طريقة لفتح الباب سوى كسره، فور أن انكسر الباب انطلقت إلى الداخل لتطمئن على ابنتها.

    كانت ابنتها بخير، ولكنها تعاني آلام المخاض وحيدة في المنزل، ساعدها الجيران على النهوض ونزول السلالم متوجهين بها إلى المستشفى، ولكن في طريقهم إلى المستشفى فاجأتهم غارة جديدة؛ فإذا بصاروخ يسقط بينهم ليتناثروا على جنبات الطريق، آخر ما رأته عيناها قبل أن تغيب عن الوعي، كان لون ابنتها الذي تحول للأسود جراء الحروق، حاولت الزحف نحوها ولكن جسدها لم يقوى على الحراك وسقط مغشياً عليها.

    أفاقت في أحد المستشفيات والطبيب يضع بين يديها حفيدها، ويخبرها أن تحتسب ابنتها شهيدة، وأن الله قد من عليها بمعجزة ابقاء حفيدها على قيد الحياة لم يمسسه سوء على الرغم من احتراق والدته.

   حملت حفيدها بين ذراعيها متأملة في عينيه الصغيرتين التي تحملان لها أمل المستقبل راجية أن يكون هو وأمثاله من الأطفال الذين ولدوا وسيولدون في هذا القصف، الشوكة التي ستقض مضاجع ذاك الاحتلال وتزيحه عن قلوبهم.

Advertisements

اعرف كاتبك: تشارلز ديكنز

    يعد “تشارلز ديكنز” من أعظم الروائيين الإنجليز في العصر الفكتوري بإجماع النقاد، فقد تميزت كتاباته بالتحليل الدقيق للشخصيات التي كانت تعيش في المجتمع الإنجليزي إبان القرن التاسع عشر، وانتقاد ما كان يسود الحياة الاجتماعية من شرور، وقد شن حملة شعواء على مسئولي المياتم والمدارس والسجون وما يحدث فيها، ومن أشهر رواياته “أوراق بيكويك” 1836، “أوليفر تويست” 1838، “دافيد كوبرفيلد” 1850، “الأوقات العصيبة” 1854، و”قصة مدينتين” 1859، وقد ترجمت العديد من رواياته إلى اللغة العربية، ولا تزال العديد من أعماله تحظى بشعبيتها حتى الآن.

    اسمه الكامل “تشارلز جون هوفام ديكنز” ولد في 7 فبراير 1812 في بورتسموث بجنوب انجلترا، وكان ثاني اخوته الثمانية، وعاش طفولة بائسة لأن أباه كان يعمل في وظيفة متواضعة ويعول أسرته كبيرة العدد لهذا اضطر إلى السلف والدين ولم يستطع السداد فدخل السجن، لهذا اضطر تشارلز لترك المدرسة وهو صغير وألحقه أهله بعمل شاق بأجر قليل حتى يشارك في نفقة الأسرة، وكانت تجارب هذه الطفولة التعسة ذات تأثير في نفسه فتركت انطباعات إنسانية عميقة في حسه والتي انعكست بالتالي على أعماله فيما بعد.

    وقد كتب تشارلز عن هذه الانطباعات والتجارب المريرة التي مر بها أثناء طفولته في العديد من قصصه ورواياته التي ألفها عن أبطال من الأطفال الصغار الذين عانوا كثيراً وذاقوا العذاب ألواناً وعاشوا في ضياع تام بسبب الظروف الاجتماعية الصعبة التي كانت سائدة في انجلترا في عصره، وعلى الرغم من تلك الظروف الصعبة التي كان يعايشها في طفولته إلا انه كان يستغل أوقات فراغه القليلة في القراءة والاطلاع لتعويض ما فاته من استكمال دراسته، حتى تمكن أخيراً وهو في العشرين من عمره من الالتحاق بأحد المدارس ليستكمل دراسته، وفي نفس الوقت كان يعمل مراسلاً لأحدى الجرائد المحلية الصغيرة لقاء أجر متواضع.

    وفي سن الرابعة والعشرين بالتحديد في عام 1836م أصدر ديكنز أولى رواياته الأدبية والتي كانت بعنوان “مذكرات بيكويك” والتي لاقت نجاحاً ساحقاً بالفعل وجعلته من أكثر الأدباء الإنجليز شعبية وشهرة، ثم ازدادت شهرته في انجلترا وخارجها عندما توالت أعماله في العالم بلغات مختلفة. ومن أشهر رواياته التي اشتهرت عالمياً وتُرجمت لعدة لغات عالمية ونشرت عام 1861م هي رواية (الآمال العظيمة Great Expectations)  والتي اصبحت محط أنظار السينمائيين ليصنعوا منها اكثر من 250 عمل مسرحي وتلفزيوني.

    وفي عام 1870م مات “تشارلز ديكنز” عن عمر يناهز 58 عاماً اثر اصابته بسكتة دماغية، بعد أن ترك للإنسانية هذا الكم الهائل من الكنوز الأدبية، ودفن في مدافن وست مينستر ابي.

الغريين

   كان ملوك الحيرة مشهورين بمجالس شرابهم ولهوهم التي ينادمهم خلالها الشعراء، وكان لـ”المنذر بن ماء السماء” -أحد ملوك الحيرة- نديمان حبيبان إلى نفسه يقال لأحدهما “خالد بن فضلة”، والآخر “عمرو بن مسعود”، فثمل “المنذر” وصحبه يوماً، وبلغ به الشراب حداً جعله لا يعقل؛ فذكر شعراً وطلب منهما إكماله؛ فأتيا بما لم يرضه، وقيل بل راجعاه في رأي رآه؛ فأمر حرسه بقتلهما، فحفروا لهما حفيرتين بظاهر الكوفة ودفنوهما أحياء، فلما أصبح “المنذر” وقد نسى ما كان من أمره استدعاهما؛ فأخبره الحرس بما كان.

   حزن “المنذر” حزناً بالغاً، واتخذ قراراً غريباً بالغ الشذوذ –وربما كانت آراؤه في سكره أعقل من هذا الرأي الذي اتخذه في صحوه- فأمر بأن يبنى على قبريهما صومعتين عرفتا باسم “الغريين”، ثم أخذته عزة الملك؛ فأصدر أمراً ألا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما، واتخذ لنفسه يومين، أطلق على أحدهما يوم النعيم وعلى الآخر يوم البؤس، أما يوم النعيم فكان يحسن فيه إلى أول عابر بين الصومعتين ويهبه ويعطيه عطاء باذخاً، أما يوم البؤس فكان يقتل فيه أول من يعبر بين الغريين كائناً من كان، وبالغاً ما بلغ من قدر ومنزلة، ثم يطلي الصومعتين بدمه.

   وبالغ البعض فذكر أنه لو عبر حيوان وحشي هذا المكان في هذا اليوم أرسل وراءه الخيل حتى تصطاده، ثم يذبحه، وكذلك لو كان طائر هو أول من يجتاز فضاء المكان فيرسل وراءه الجوارح حتى تصطاده، ولا ينجو من الذبح واستخدام دمه طلاء. وقد مر الشاعر “عبيد بن الأبرص” بين الصومعتين في يوم بؤسه، فسأل “المنذر” نديمه: من هذا الشقي؟ فقال له: هذا “عبيد بن الأبرص”، وكان قد وفد عليه قبل ذلك فمدحه ووصله فاستدعاه، فقال له نديمه: أبيت اللعن اتركه، فإن عنده من حسن القريض أفضل مما تدرك من قتله، مع أنه من رؤساء قومه، وأهل النجدة والشأن فيهم فاسمع منه، وادعه إلى مدحك، فإن سمعت ما يعجبك وإلا كان قتله هيناً عليك.

  قال “المنذر”: فإذا نزلنا فادع به. فنزل “المنذر” فطعم وشرب، وبينه وبين الناس حجاب بحيث لا يراهم ولا يرونه، فدعا بـ”عبيد” من وراء الستر، ثم سأله رديفه:  ما ترى يا أخا أسد؟

  قال: أرى الحوايا عليها المنايا.

  والحوايا جمع حوية وهو ما يوضع على ظهر البعير، والمعنى أن الموت قد يأتي الشجاع وهو على سرجه.

  فقال الملك: أقلت شيئاً؟ فقال: حال الجريض دون القريض.

   الجريض هو غصص الموت التي منعته من قول الشعر.

  فقال “المنذر”: أنشدني من قولك (أفقر من أهله محلوب).

 فقال:

    أفقر من أهله عبيد        فليس يبدي ولا يعيد

  قال: قل في مديحاً يسير في العرب- قال: أما والصبار في ما عجل فلا- قال: نطلقك ونحسن إليك. قال: أما وأنا أسير في يديك فلا، قال: نردك إلى أهلك ونلتزم رفدك. قال:أما على شرط المدح فلا.

  فقرر “المنذر” قتله، ولما كان ديمقراطياً عتيداً فقد خيره أي قتلة يشتهي أيفصده من الأبجل أم من الأكحل أم من الوريد- فقال “عبيد”:

     خيرتني بين سحابات عاد            فردت من ذلك شر المراد

  ثم قال له: أيها الملك روني من الخمر حتى إذا استرخت أعصابي فشأنك وما تريد، فسقاه الخمر حتى ثمل، ثم قطع له الأكحل فنزف حتى مات.

  أما سبب إبطال “المنذر” هذه العادة، فقيل أنه خرج يوماً في صيد؛ فهبت ريح عاصفة وانقطع من أصحابه، فلجأ إلى المبيت عند رجل من طيئ يقال له: عمرو بن الأخس، فأكرمه وأحسن إليه ما وسعته الطاقة لما بدا على “المنذر” الرفعة والنعمة- وذلك دون أن يعرفه-، فلما أصبح الرجل إذا بالخيل تطلب “المنذر”، ففزع الرجل ولكن “المنذر” عرفه نفسه وطمأنه، وقال له: أقدم علي أمولك، ولبث الرجل زمناً، ثم ألحت عليه زوجه؛ فخرج قاصداً “المنذر”.

  وصادف في ذلك يوم بؤسه، وأمر “المنذر” بذبحه، فاستنجد به الرجل وقال: أنا الطائي أبو مثواك ليلة الريح وإنما جئت لوفاء وعدك، فأدناه “المنذر” ورحب به، وقال: أوصني بكل أرب لك ووطر، غير أنه لابد من القتل، فقال الطائي: إن لي وصايا وديوناً، وعندي ودائع لا يعلمها أحد غيري، فدعني ألحق بأهلي وأوصيهم بما أريد وأرجع إليك، قال: فمن يكفل بك؟ فسأل الطائي عن أكرم الناس عليه؛ فقيل له: “شريك بن عمير”، وهو ابن عمه وصهره، فتوجه إليه ومدحه بشعر قال فيه:

   يا شريك بن عمير          يا أخا من لا أخا له

   يا شريك بن عمير          اكفل المرء وآله

   ريث أوصي وأؤدي        مال من أودعت ماله

   يا شريك بن عمير          هل من الموت محاله

   فرق له “شريك بن عمير” وكفله، فأجله “النعمان” سنة، وضمنه “شريك” بدمه، فانطلق الطائي إلى سبيله، وأدى ما عليه، ثم عاد إلى “المنذر”، وقد لبس أكفانه وأخذ حنوطه، فلما جاء يوم الأجل دعا “المنذر” بـ”شريك” ليقتله، فطلب أن يمهله اليوم إلى نهايته، ووطن نفسه على القتل وودع أهله، ولكنهم فوجئوا بالطائي مقبلاً عليهم في هيئة المستعد للموت، فاشتد تعجب “المنذر” من أمر الرجلين وقال: ما أدري أيكما أكرم؟ فأخبرني يا طائي ما حملك على الوفاء وأنت تعلم أنك مقتول؟

   قال: خشيت أن يقال ضاع الوفاء بالعهد بين الناس.

   ثم سأل “المنذر” “شريكاً”: وأنت ما دعاك إلى ضمانته وأنت لا تعلم إن كان يفي أم لا؟ فرد: خشيت أن يقال ضاعت المروءة بين الناس.

   فقال “المنذر”: لا بؤس ولا يوم بؤس بعد اليوم خشية أن يقال ضاع الفضل والعفو بين الناس.

   وهناك رواية أخرى تقول إن الطائي رد على سؤال “المنذر” بأن ما حمله على الوفاء هو دينه، فسأله: وما دينك؟ قال: النصرانية.

  ووصف له الدين وتوحيد الله، والإيمان بالبعث والحياة الأخرى فآمن بذلك، وقال: لا بؤس ولا يوم بؤس بعد اليوم، ثم خلع نفسه من الملك وتنسك، وساح في الأرض تاركاً الملك لولده. ولكن يهدم هذه القصة أنه من الثابت قتل “المنذر” في حربه مع “الحارث الغساني” عام 554م، فهو لم يخلع من ملكه زهداً، بل بفعل الموت وحده.

أطفالنا والقراءة

 

    القراءة هي سبيل التطور والنهضة، وشعب لا يقرأ لن يقيم لنفسه وجوداً في ذلك العالم الذي أصبح العلم هو سمته الأساسية، ونحن أمة اقرأ بالأساس فعار علينا أن لا نقرأ وأن لا نربي أطفالنا على حب القراءة والعلم، وأن تصبح القراءة روتيناً أساسياً في حياتهم يقبلون عليها بشغف، وفي اليوم العالمي للطفل ما من شيء قد يفتقده أطفالنا على مختلف مستوياتهم المادية والاجتماعية بقدر القراءة والمعرفة، فإذا كان هناك ثمة شيء مشترك بين طفل أسرة غنية وطفل أسرة فقيرة هي افتقار الطفلين للمعرفة والثقافة واهتمامهم بسطحيات الأمور في الحياة.

    ولحث أطفالنا على القراءة يجب علينا أن نقرأ لهم باستمرار قصص ممتعة تجذبهم، لابد أن نقرأ عليهم ما يفضلون هم قرائته لا ما نرى نحن أنه من المفيد قرائته لهم أو من الضروري معرفتهم به. وترجع أهمية قراءة ما يفضلونه هم أن لا يتحول الأمر إلى واجب ثقيل تستثقله نفوسهم وينفرون منه فيما بعد، حيث يجب علينا أن نجعل القراءة أمراً مثيراً للاهتمام بالنسبة لهم، وذلك قد يكون من خلال عدة وسائل كتمثيل القصة المقروءة أثناء قرائتها وتغيير نبرات الصوت لتتناسب مع شخصيات القصة المختلفة وما إلى ذلك من وسائل.

     وأذكر أنني في طفولتي كانت أمي في فترة تناولنا للغداء يومياً تقص علي “حدوتة أبلة فضيلة” التي تذاع في الراديو أثناء تواجدي بالمدرسة. كانت أمي تقص “الحدوتة” بأسلوب ممتع للغاية مما شوقني للاستماع إلى البرنامج بنفسي ظناً مني أن القصة ستكون أكثر امتاعاً عندما أستمع إليها من مصدرها الأصلي، ولكن خُيب ظني عندما أستمعت لها بنفسي ذات يوم حيث اكتشفت أن أمي تضيف الكثير للقصة وتجعلها أقرب إلى ذهني وذاتي حيث تستغل معرفتها بما أفضله وما أكرهه ويومياتي الخاصة لتضيف جانباً منها للقصة مما يجعلني أشعر أنها قصتي الخاصة وأنها مرتبطة بي بشكل ما.

    هذا الأسلوب حببني كثيراً لعالم القص والقراءة، جعلني فيما بعد متشوقة لخوض هذا المجال وحدي، أقرأ جل ما يمكنني الوصول إليه. ما أود قوله هاهنا أن أسلوبكم في القراءة لأطفالكم وحده هو القادر على ترغيب أطفالكم في القراءة أو تنفيرهم منها تماماً، والأمر عائد إليكم، وقد قال العالم الكبير “ألبرت آينشتاين” ذات مرة: “إذا أردتم لأطفالكم أن يكونوا أذكياء، فاقرؤوا لهم حكايات خيالية أكثر”.

اعرف كاتبك: الجاحظ

    الجاحظ هو أبو عثمان بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني، لقب بالجاحظ لجحوظ عينيه، وكان قصير القامة دميم الوجه، لكنه كان خفيف الروح حسن العشرة ظريف النكات، يتهافت الناس إلى الاستمتاع بنوادره. وقد ولد الجاحظ في البصرة بالعراق عام 159هـ 776م، في خلافة المهدي ثالث الخلفاء العباسيين، ونشأ فقيراً يتيماً مما حال دون تفرغه للعلم، فكان يبيع السمك والخبز بالنهار ويعمل في دكاكين الوراقين في الليل فكان يقرأ منها ما يستطيع قراءته، وكان ميالاً إلى التنقل والترحال باستمرار بين العراق ومصر والشام، ويدون انطباعته بأسلوب فكه رشيق.

    وقد تولى الجاحظ ديوان الرسائل للخليفة المأمون، ولعل الميزة الرئيسية التي تفرد بها الجاحظ بين الكتاب في عصره، هي اتخاذه المجتمع مادة لقلمه، وتميز نتاجه الأدبي بأنه أفضل وأصدق مرآة لعصره حيث عايش كل فئات الشعب واحتك بالحكام والأمراء. وقد تميز الجاحظ بثقافته الموسوعية بحيث كتب في موضوعات شتى مثل العلم والأدب والسياسة والدين والفلسفة، وقد وصل عدد كتبه إلى 360 كتاب في شتى العلوم والمعارف، ومن أهم كتبه: الحيوان، والبخلاء، والبيان والتبيين، ورسالة التربيع والتدوير، والمحاسن والأضداد، والبرصان والعرجان، والتاج في أخلاق الملوك، والآمل والمأمول، والتبصرة في التجارة، والبغال، وفضل السودان على البيضان، وكتاب خلق القرآن، وكتاب أخلاق الشطار، وغيرها، وكذلك له العديد من الرسائل التي حقق بعضاً منها الدكتور “عبد السلام هارون” وطبعت في كتاب تحت عنوان “رسائل الجاحظ”.

    وكان للجاحظ أرائه واجتهاداته الفقهية والسياسية حيث كان يؤمن باعمال العقل في كل شيء، وقد رفض الجاحظ بشدة القول بأن سب الولاة فتنة ولعنهم بدعة، وعجب من أن الذين يقولون بذلك الرأي مجمعون على لعن من قتل مؤمناً متعمداً، ثم إذا كان القاتل سلطاناً ظالماً لم يستحلوا سبه ولا لعنه ولا خلعه، وإن أخاف العلماء وأجاع الفقراء وظلم الضعفاء، فكان يرى ضرورة الخروج على الإمام الظالم في حالة وجود إمام عادل، مع الثقة في القدرة على خلع الظالم وإحلال العادل محله، دون إحداث أضرار أكثر مما يتوقع جلبه من المنافع.

    وكان الجاحظ يؤكد أن العقل الصحيح أساس من أسس التشريع. وكان أسلوبه في الكتابة يتميز بأنه سهل واضح فيه عذوبة وفكاهة واستطراد بلا ملل، وفيه موسوعية ونظر ثاقب وإيمان بالعقل لا يتزعزع. وقد أصيب الجاحظ في أواخر حياته بشلل أقعده عن الحركة ولكنه لم يقعده عن طلب العلم والقراءة وحب الكتب والكتابة، حيث مات الجاحظ وهو يطالع بعض الكتب المحببة إليه، فوقع عليه صف من الكتب أرداه ميتاً، فمات الجاحظ مدفوناً بالكتب، مخلفاً وراءه كتباً وأفكاراً مازالت خالدة حتى الآن.

   وكانت وفاته عام 255هـ الموافق 868م عن عمر يناهز التسعين عاماً وذلك في خلافة المهتدي بالله، فعاصر بذلك 12 خليفة عباسياً هم: المهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي بالله. وقد عاش الجاحظ في القرن الذي كانت فيه الثقافة العربية في ذروة ازدهارها.

القراءة والكتابة

  لا أحب أبداً أن أحكم على أي كتاب أو فيلم في بدايته، ومن ثم اتوقف عن استكماله بناءاً على هذا الحكم المبدئي، حتى لو لم ينل اعجابي اصر على  استكماله للنهاية، ثم أحكم حكم نهائي، وفي أحيان كتيرة يكون حكمي المبدئي خاطئ حيث لا تتبلور فكرة الكاتب في بداية العمل أو يخفق في اختيار بداية مشوقة تحفز المتابع لاستكمال العمل على الرغم من تناوله لقضية هامة ثم يستدرك هذا الخطأ في منتصف العمل، وإذا كان انطباعي المبدئي عن العمل صحيحاً فإنني أستفيد على الأقل بالتعرف على الفكر السائد بالنسبة للفئة صاحبة العمل وطبيعة تفكيرهم والقضايا المهتمين بها وكيفية تعبيرهم عنها!

   وقد قال “عباس العقاد” في هذا الصدد: “ليس هناك كتاباً أقرأه و لا أستفيد منه شيئاً جديداً، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، أني تعلمت شيئاً جديداً هو ما هي التفاهة؟ و كيف يكتب الكتاب التافهون؟ و فيم يفكرون؟”.

الفرزدق شاعر النقائض

 

   هو “همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية الدارمي التميمي” والفرزدق لقب أطلق عليه لجهامة وجهه وغلظته ومعناها الرغيف، وكنيته أبو فراس. ولد بالبصرة في أواخر خلافة “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه في سنة عشرين هجرياً تقريباً ونشأ بباديتها لقبيلة بني تميم، وكانت البصرة وقتها مسرحاً لكثير من الأحداث والحركات السياسية كما كانت تموج بالعلم والفكر والأدب والشعر، وكان أبوه وأجداده في ذروة الشرف والسيادة، وقد اشتهر جده “صعصعة” بأنه كان ممن فدى الموءودات في الجاهلية، ونهى عن قتلهن، وأنه أحد الذين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم في وفد تميم للدخول في الإسلام.

    وقد نبغ الفرزدق في الشعر منذ صغره، فيقول عن نفسه: “كنت أهاجي شعراء قومي وأنا غلام”، فقد ورث الشعر عن جده “صعصعة” وأيضاً كان خاله الشاعر “العلاء بن قرظة”، وكان الفرزدق رحالاً ينتقل من موضع لآخر، ويكره الاقامة الطويلة بمحل، فتنقل ما بين البصرة والكوفة والمدينة وأرض البلقاء بالشام، وكانت أخلاقه تتسم بالعصبية والغلظة وكان حاد اللسان محباً للخصومات، وأكبر دليل على ذلك هو المعركة الهجائية التي دارت بينه وبين “جرير” و”الأخطل” مما جعله يحشد لها كل طاقاته الشعرية.

    وقد استمر الهجاء بين جرير والفرزدق أربعين عاماً حتى توفي الفرزدق ورثاه جرير، ويقال أن جرير والفرزدق كانا صديقين حميمين إلا في الشعر، فكان الناس يرونهم يمشون في الأسواق مع بعضهم البعض ولكن عندما يأتي الشعر فكل منهم له طريقته وعداوته للآخر. كما كان الفرزدق أيضاً محباً للحياة ومتعها.. وقد تزوج كثيراً، وتوفي في نهاية المطاف بالبصرة سنة 114 هـ الموافق 732م عن عمر يناهز 72 عاماً بعد أن خلد في التاريخ ديواناً شعرياً ضخماً.

       عد اللغويون ديوان الفرزدق الشعري أحد مصادر اللغة، ومن هنا دارت أشعاره في كتب اللغويين والنحاة حتى قالوا: “لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث العربية”، ومن نماذج شعره أن قدم الخليفة الأموي “هشام بن عبد الملك بن مروان” للحج برفقة حاشيته وقد كان معهم الفرزدق وكان البيت الحرام مكتظاً بالحجيج في تلك السنة ولم يفسح له المجال للطواف فجلب له متكأ ينتظر دوره وعندما قدم الامام “زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب” انشقت له صفوف الناس حتى ادرك الحجر الأسود.

   ثارت حفيظة “هشام بن عبد الملك” عندما رأى هذا واغاظه ما فعله الحجيج لعلي بن الحسين فسأل هشام بن عبد الملك من هَذا؟ فأجابه الفرزدق هذه القصيدة وهي من اروع ماقاله الفرزدق:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم *** هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها: *** إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت *** عن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته *** ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم 
يغضي حياء ويغضى من مهابته *** فما يكلم الاّ حين يبتسم
من جده دان فضل الأنبياء له *** وفضل أمته دانت له الأمم
ينشق نور الهدى عن نور غرته *** كالشمس ينجاب عن اشراقها الظلم
مشتقة من رسول الله نبعته *** طابت عناصره والخيم والشيم
هذا ابن فاطمة ان كنت جاهله *** بجدّه أنبياء الله قد ختموا
الله شرفه قدماً وفضله *** جرى بذاك له في لوحه القلم
فليس قولك: من هذا؟ بضائره *** العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عمّ نفعهما *** يستوكفان ولا يعروهما العدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره *** يزينه اثنان: حسن الخلق والكرم
حمال أثقال أقوام إذا فدحوا *** حلو الشمائل تجلو عنده نعم
لا يخلف الوعد ميمون نقيبته *** رحب الفناء أريب حين يعتزم
ما قال لا قطّ الاّ في تشهده *** لولا التشهد كانت لاؤه نعم
عمّ البرية بالإحسان فانقلعت *** عنه الغيابة والاملاق والعدم
من معشر حبّهم دين، وبغضهم *** كفر وقربهم منجى ومعتصم
ان عد أهل التقى كانوا أئمتهم *** أو قيل: من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم *** ولا يدانيهم قوم وان كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت *** والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
لا ينقص العسر بسطاً من اكفهم *** سيّان ذلك ان أثروا وان عدموا
يستدفع السوء والبلوى بحبهم *** يستزاد به الإحسان والنعم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم *** في كل بدء ومختوم به الكلم
يأبي لهم أن يحل الذم ساحتهم *** خير كريم وأيد بالندى هضم
أي الخلائق ليست في رقابهم *** لأوّلية هذا أوله نعم 
من يعرف الله يعرف أوّلية ذا *** والدين من بيت هذا ناله الأمم

رسالة إلى زوج

  كثيراً ما احتاج فقط لحضن دافئ يضمني، لقلب يحتويني، يحتوي عصبيتي الزائدة، يحتوي خروجي عن السيطرة لسبب تافه قد تكون له جذوراً مخفية في داخلي، يتفهم تلك التراكمات، يزيح عن قلبي الغبار، يلتقط بيديه الآمال، يزرع لأجلي الأحلام.

    زوجي الحبيب: تنتابني أحياناً نوبات عصبية قد تراها أنت غير مبررة ولأسباب تافهة، ولكنني غالباً ما أكون في حاجة لاهتمامك، في اشتياق لحضنك، للشعور بحبك، فقط احتضني وستجد كل عصبيتي قد ذهبت أدراج الرياح، طمأنني بوجودك، لا تطفئ النار بالنار فهذا لا يجدي في العلاقات، اطفئها بحبك واهتمامك ووجودك.

     زوجي الحبيب: إروني بحبك عندما افتقده، ولا تجعلني افتقده من الأساس، وستجدني في المقابل إلى جوارك دائماً لأخفف عنك متاعب الحياة بحبي، لأكون إلى جوارك في مصاعب الحياة ورحلة العمر.

 

من ذكريات ثورة يناير: مليونية الفرصة الأخيرة

في خضم الدعوات للنزول إلى الشارع احتجاجاً على سياسات الانقلاب العسكري أحببت أن أشارككم تلك الذكريات من عام 2011 في الفترة ما بعد ثورة يناير:

 

    ذهبت إلى ميدان التحرير في مليونية الفرصة الأخيرة؛ لأطالب مع الثوار بتنفيذ مطالب ثورة 25 يناير التي لم ينفذ منها شيء، وتسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة ومحاسبة مبارك والحكومة الفاسدة وقتلة الثوار، كان الميدان مليئاً بالثوار الشرفاء الذين جاءوا لممارسة حقهم المشروع في التظاهر وإبداء رأيهم بحرية في البقعة الوحيدة من مصر التي نالت استقلالها ولا سلطة عليها إلا لإرادة الثوار الحرة، جاءت آلاف مؤلفة من كل بقاع مصر؛ للتعبير عن رأيهم بحرية، ورغبتهم في نيل حياة كريمة على أرض وطنهم مصر وهذا أبسط حقوقهم!

  كان للميدان ميثاق وقوانين متعارف عليها بين الثوار تمنع أي دعاية حزبية أو لمرشحي الانتخابات سواء البرلمانية أو الرئاسية في الميدان، والإصرار على المحافظة على سلمية الثورة وعدم الانسياق وراء أي صدامات أو استفزازات، وعدم تخوين أي فصيل أو شخصية عامة شاركت في الثورة في حالة عدم نزولها الميدان الآن، والتركيز على المطالب المتفق عليها بين جميع التيارات من سرعة تسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة ومحاكمة المخلوع والفاسدين وقتلة الثوار وترك المطالب المختلف عليها جانباً الآن.

  كانت الشعارات والهتافات التي تتردد في الميدان هي: “يا نجيب حقهم يا نموت زيهم”، “يا أهالينا انضموا لينا الكرامة ليكوا ولينا”، “يسقط يسقط حكم العسكر.. إحنا الشعب الخط الأحمر”، “الشعب يريد إسقاط المشير”، كما ترددت شعارات الثورة مرة أخرى من أمثال: “مش هنمشي هو يمشي”، “اللي مبيفهمش عربي ارحل يعني امشي”. كان هناك مجموعة من الشباب يحملون لافتات مقلوبة مكتوب عليها: “نحب جيشنا نعم ولكن لا للمجلس العسكري”، وعندما يلفت أحد نظرهم إلى أن الورق مقلوب يقولون له: “اعدل البلد عشان الصورة تتعدل ما البلد كلها حالها مقلوب“.

  كان هناك عائلة تتكون من أم وأب وطفلان صغيران، لأول مرة يشاركون في المظاهرات يعدون أنفسهم من الأغلبية الصامتة، رفع كل منهم لافتة مكتوب عليها: “نحن من الأغلبية الصامتة ونؤيد الثوار حتى يسقط المشير”، وعند سؤالهم عن سبب نزولهم هذه المرة، قالوا: “إن الأغلبية الصامتة تتخذ ذريعة دائماً لبقاء الأنظمة الفاسدة، فأيام مبارك كانوا يقولون أن من في التحرير هم مليونين أو ثلاثة لا يمثلون 85 مليون مصري ونفس الكلام أيضاً يقال الآن؛ لذا قررنا النزول للتعبير عن أن الأغلبية الصامتة صمتها ليس موافقة على تلك الأنظمة الفاسدة وحتى لا تتخذ ذريعة في بقاء الفساد وقتل إخواننا في ميدان التحرير وسفك دماءهم“.

   ومن بعض الطرائف في الميدان أحد الشباب الذي كان يحمل لافتة كتب عليها: “بيقولوا المجلس العسكري خط أحمر… ما بلاش فلسفة ويقولوا إنه فودافون على طول”. وكان شباب الألتراس يحتفلون في الميدان- كعادتهم في مباريات الكرة- بالشماريخ واطلاق الهتافات بطريقة غنائية واستخدام الطبول والدفوف. وعند خروجي من الميدان صادفت أحد الشباب كان يوزع إستيكرز للمناداة بإجراء الانتخابات في موعدها مع استمرار الاعتصام في التحرير؛ لأنها السبيل الوحيد لإقامة الديمقراطية وأولى خطوات التخلص من المجلس العسكري وبناء الدولة المدنية.

   غادرت الميدان بعد العشاء وأنا أتمنى أن تكون هذه آخر مرة نلجأ فيها للميدان، وأن تقوم دولة الحرية والعدالة على أرض بلدنا الحبيب مصر، أن يعم السلام والمساواة أرجاء الوطن، ويشعر كل فرد فينا أن هذا الوطن ملكه وأنه سيداً في وطنه، ولا نحتاج يوماً أن نعود لذلك الميدان سوى لزيارته وتذكر أيام تلك الثورة المجيدة والفخر بها، وحمد الله أنها قامت لنحصل على تلك الحياة الكريمة؛ فهل سيتحقق ذلك؟!