دموع الأمل (قصة قصيرة)

    أفقت من غيبوبتي أحاول استرجاع ذكريات ذلك اليوم الذي أودى بي إلى هنا، لم يكن يوماً عادياً وإن كنا اعتدنا على أيام مشابهة كثيرة، ولكنه كان أشد قسوة، لم يزورني النوم لحظة منذ عدة ليال، أصوات طلقات الرصاص والمدافع تطرق مسامعي ليل نهار ولا تمكنني من التقاط أنفاسي، أمضي أيامي قلقة على أبنتي وجيراني وأقاربي جميعاً، أهاتفهم المرة تلو الآخرى أطمئن أن أحداً منهم لم يصبه شيئ في تلك الغارات، ولو كنت أستطيع لمررت على بيوتهم بيتاً بيتاً أطمئن عليهم بنفسي.

    أخشى خسارة المزيد، يكفيني ما خسرته بالفعل، وإن كان الموت لابد آتياً فليأتيني أولاً ويريحني من ألم الخسارة والفقدان. كانت الغارة هذه المرة أعنف من سابقاتها، تزايد القلق داخلي، هرولت ثانية إلى الهاتف أهاتف كل من أعرفهم من قريب أو بعيد أطمئن عليهم. اطمأننت على الجميع، ما عدا ابنتي، لم ترد على مكالماتي المتكررة، داخلني الرعب، ماذا لو كان أصابها شيء في تلك الغارة؟ ماذا لو أصاب منزلها أحد القذائف؟ هل تكون وجنينها  الآن جثة هامدة تحت الأنقاض؟

    لم أحتمل قلقي أكثر من ذلك، ارتديت عبائتي وحجابي، وانطلقت مهرولة في الشارع إلى بيتها، لم أفكر في سني أو صحتي اللذين لا يسمحان لي بهذا المجهود، كل ما كان يشغل تفكيري آنذاك هو ابنتي وما قد يكون حل بها. في الطريق رأيت شاباً محمولاً على نقالة فقد أطرافه والدم يسيل من جوانحه، ولكنه لا يزال على قيد الحياة، يلهج لسانه بآيات من الذكر الحكيم وهو لا يعي شيئاً مما حوله، دمعت عيناي وأنا لا أدري أذاك ما قد يتمناه المرء أم يخشاه؟!

     كل ما كنت أدركه في تلك اللحظة أنني بالتأكيد لا أريد أن يصيب ابنتي أي مكروه، أريدها سليمة معافاة أمامي، أن أحمل طفلها بين ذراعي، وأرى معه مستقبلاً آخر يدحض فيه تلك الوحشية وذلك العدوان. أسرعت في مشيتي حتى وصلت بيتها، كان الوضع جيداً مقارنة بما رأيته على طول الطريق، إذاً ماذا أصابها حتى لا تجيب هاتفها؟! هل يعقل أن تكون خارج البيت وقد أصيبت مع من أصيبوا في الشوارع؟! أكلت سلالم الدرج صعوداً لأطرق الباب بعنف ولكن لا مجيب.

    فجأة سمعت صرخات مكتومة من الداخل، طرقت الباب على الجيران طالبة العون منهم، لم يجدوا طريقة لفتح الباب سوى كسره، هرعت إلى الداخل أبحث عن ابنتي، كانت بخير، ولكنها تعاني آلام المخاض وحيدة في المنزل. ساعدنا الجيران في الذهاب إلى المستشفى، ولكن في طريقنا فاجأتنا غارة جديدة؛ فإذا بصاروخ يسقط بيننا لنتناثر على جنبات الطريق، آخر ما رأته عيناي قبل أن أغيب عن الوعي، كان لون ابنتي الذي تحول للأسود. الآن أفيق ليخبرني الطبيب أن أحتسب ابنتي شهيدة.

    يضع الطبيب بين يدي كتلة لحم حمراء طالباً مني أحمد الله أن من علي بمعجزة بقاء حفيدي على قيد الحياة لم يمسسه سوء على الرغم من احتراق والدته، أتأمل بين دموعي عينيه الصغيرتين اللتين لا تدركان شيئاً من مرارة الواقع الذي نحياه آملة أن تحملا لي الأمل في المستقبل.

سارة الليثي

 

رابط تحميل قصتي #دموع_الأمل الحائزة على المركز الأول في مسابقة #القصة_القصيرة من #وزارة_الثقافة على مستوى #إقليم_وسط_الصعيد_الثقافي
أتمنى لكم قراءة ممتعة
وفي انتظار آرائكم وتعليقاتكم المثمرة
https://www.file-up.org/eihcrtyaj94t

#قصص_قصيرة #قصة_قصيرة
#طلع_الكاتب_اللي_جواك
#سارة_الليثي

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s