أغار عليك

أغار عليك من ثيابك

ومن حقائب السفر تلك في يدك

أغار عليك من بطاقات هويتك

ورابطة عنقك وساعة يدك

أغار عليك من تلك الأشياء التي تحملها معك

ترحل بها وتسافر معك

أغار من ذكريات ولحظات تشاركها معك

ذكريات لن أكون أنا بها يوماً معك

لحظات لن أشاركها أبداً معك

أغار عليك من عيناك

إذ ترى غيري في سفرك وترحالك

أغار من كل حواسك

أغار من غيابك

إذ على غير رغبتي مني يأخذك

فأنا أغار عليك

وحقي أن أغار عليك

ألا تشرق شمسي كل يوم من مقلتيك

ألا يحيا نهاري كل صباح بقبلة من شفتيك

فكيف ليدي أن تغادر يوماً يديك؟!

وكيف لعيني أن تستيقظ يوماً دون عينيك

وكيف لقلبي أن يحيا يوماً دون أن يضمه خافقيك

فكيف لي إذاً أن لا أغار عليك؟!

وكيف لي أن أرى شمس غيري تشرق من مقلتيك؟!

وكيف لقلبي أن ينبض دون خافقيك؟!

لذا فأنا أغار عليك

Advertisements

الثقافة هي مؤشر نمو المجتمعات

بقلم: سارة الليثي

    التنمية التي تتخذ من الإنسان غاية لها ينبغي أن تنطوي على بعد ثقافي، والتنمية الثقافية لا تعني الحفاظ على التراث فقط وإنما أيضاً تعني إثراءه وتجديده، حتى يمكن لعملية التنمية أن توفق بين متطلبات التغيير ومتطلبات استمرارية الحياة الثقافية. والثقافة هي المادة التى منها وبها يكون مضمون ومقومات الولاء للمجتمع، فهي قيم وتقاليد وممارسات ونظام متكامل، ويذهب الباحث “ماكدونالد” إلى أن هناك ثلاث ثقافات في المجتمع الجماهيري، هي الثقافة الراقية أو الرفيعة: وتشير إلى العمل الدؤوب الذي تقدمه الموهبة العظيمة والعبقرية.

    والثقافة الراقية تلك هي العمل الذى يحاول أن يصل إلى أقصى درجة من الفن ويصنعه الصفوة الثقافية أو أنها تشرف على صنعه، أما الثقافة الجماهيرية فيشار بها إلى “السلع الثقافية” التي تُنتج فقط من أجل السوق الجماهيري، وهي سلع متماثلة ومتشابهة لأنها تميل إلى إرضاء أذواق جمهور غير متنوع، وأما “الفن الشعبي” فهو الموهبة الطبيعية عند الشخص العادي الذي ينتمي إلى الطبقات الشعبية، ويتم التعبير عنه بالأغاني الشعبية والرسوم البدائية، وما شابه ذلك. ويقول “ردفيلد” أن الثقافة هي مجموعة المفاهيم والمدركات المصطلح عليها فى المجتمع، وهي تنعكس في الفن والفكر والأعمال وتنتقل عن طريق الوراثة والتقليد عبر الأجيال فتكتسب الجماعة صفات وخواص مميزة.

    بينما يرى الدكتور “محمد سيد محمد” أن الثقافة تعبير عن الفكر الإنساني وتنمية لهذا الفكر بمختلف الوسائل المتاحة في المجتمع. ويعرف “كوكهن” الثقافة بأنها أساليب الحياة المختلفة التى توصل إليها الإنسان عبر التاريخ والتي توجد فى وقت معين والتي تكون أساليب إرشاد وتوجيه لسلوك الأفراد فى المجتمع. فالثقافة هي عناصر بناء العقل والشعور لدى أفراد الأمة، من أفكار وعقائد وقيم ومثل عليا عن طريق التربية المستمرة في المدرسة والمجتمع، ويتمثل ذلك في الآداب والعلوم والفنون على تعدد أنواعها وبأوسع معانيها وأشملها.

      والثقافة هي وسيلة وأسلوب يلجأ إليهما المثقف إسهاماً منه في تجميل حياة الآخرين، والدين ليس نقيضاً للفكر والثقافة، وإذا كانت الثقافة تعمل على تحرير الإنسان من سلطة الجهل فإن الدين يعمل على تحرير الإنسان والثقافة معاً من مخالب الجهل والاغتراب ومن كل ما من شأنه تدمير إنسانية الإنسان. وصدق رسول الله (صلى الله عليه وسلم) القائل: “إن من البيان لسحراً، ومن الشعر لحكمة”، والذى توج الشعر ببردته الطاهرة، وتوج البيان بأحاديثه الشريفة. وتضم المكونات الثقافية جميع الجوانب المادية وغير المادية في مجتمع من المجتمعات كالمؤسسات الاجتماعية وأنماط السلوك وعادات الناس وآمالهم والأفكار والمعتقدات والقيم وأدوات الإنتاج ولغة التفاهم ووسائل الاتصال بين أفراد الجماعة.

    ومن ثم فإن الثقافة تتناول جميع الجوانب الفكرية والنفسية والخلقية والسلوكية المكونة في النهاية لشخصية الفرد وهويته الثقافية الكبرى العامة (القومية) والتي تميزه عن الأمم الأخرى. فهي قاعدة أساس لبناء الحضارة في أي مجتمع إنساني، حيث تسهم في تشكيل أفراد المجتمع، وعلى هذا فإن العنصر الأساسي في تنمية المجتمعات والدال على درجة رقيها وتحضرها هو ما وصلت إليه ثقافتها ومقدار توحد شعوبها تحت لواء هذه الثقافات وحرصهم عليها وعدم تنكرهم لها. على عكس ما يظن البعض أن الاندماج في حضارة الغرب وثقافاتهم والتخلي عن ثقافتنا هو دليل التحضر.

    فالغرب لم ينهض إلا بعد أن كون ثقافته الخاصة، وما اندماجنا في ثقافته إلا دليل على تبعيتنا لا تقدمنا وتحضرنا. فلكي ننهض بمجتمعاتنا لابد لنا من التمسك بثقافتنا وهويتنا والحرص على تفردها وأن تكون هي أساس البناء لا أن نهدمها لنستورد بناءاً آخر لا ينتمي إلينا ولا ننتمي إليه ليس له أساسات في أرضنا فينهدم على رؤوسنا!

قطعة سكر (قصة قصيرة)

   عاهدت نفسها مراراً أن لا تقع ثانية في نفس الخطأ، عاهدت قلبها أن لا تؤلمه بتلك الطريقة البشعة ثانيةً، لازالت تذكر تلك الأوقات عندما كانت معه، لم يكن لها من وجود في تلك الحياة سوى أن يكون مقترناً بوجوده، كانت تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه، كانت كالدمية بين يديه وهو من يملك كافة خيوطها يحركها كيف يشاء وقتما شاء، كانت كقطعة سكر ذابت في فنجان شاي فلم يعد لها وجود، هي قطعاً تضيف مذاقاً حلواً للشاي ولكنها في سبيل ذلك تختفي عن الوجود ولا يذكرها أحد، بينما يظل الشاي باقياً لآخر رشفة في الفنجان.

   وعندما تذوب في فنجان الشاي فهي لا تستطيع الانفصال مرة أخرى، تظل مرتبطة بوجوده للنهاية ولا يكون لها أي هوية خاصة، كذلك كانت هي، كانت كقطعة السكر تلك، ذائبة في حبه ولا وجود لها سوى ما يقترن بوجوده. لولا آدميتها التي حباها الله بها، لولا أنها لم تكن مجرد قطعة سكر فعلاً، لما أستطاعت الفكاك من وجوده، ولكن ذلك الفكاك –أو أنه ذلك الذوبان- كلفها كثيراً، فقد أمضت سنوات غالية من عمرها تضمد جراحها وتكفكف دموعها وحدها بينما مضى هو في حياته غير عابئاً بشيء كأنها لم تكن يوماً هنا!

   لقد احتاجت لسنوات حتى تعيد بناء ذاتها ويكون لها كياناً مستقلاً غير ذاك الذي ذاب وانمحى، اعتقدت أنها تخلصت منه ومن ضعفها، وعاهدت نفسها أن لا تكرر الخطأ، ولكنها كانت واهمة، فالخطأ لم يكن منه بل هو خطأها هي، وهي لا تزال كما هي، فتاة رقيقة حالمة تسلم كل أسلحتها أمام الحب، وتعطي كل شيء بدون مقابل، فهي في الحب لا يؤمن قلبها بالحلول الوسط، فهو إما أن يحب فيعطي كل شيء، أو لا يحب فلا يعطي شيء.

    وهاهي مرة أخرى تقع في الحب لتجد نفسها لم تتعلم شيء البتة، لتجد نفسها تخلف كل وعودها وتكرر نفس أخطائها، الفرق فقط أنها تعلم كيف ستكون النهاية!

جولة في الكتب: بتول (رواية)

لـ/ علاء أحمد

     بقدر ما هي رواية ناعمة وبسيطة بقدر ما هي مؤلمة وموجعة، تدور هذه الرواية حول بطلتها الملائكية “بتول” منذ أن حملت أمها بها، النصف الأول من الرواية هو حياة هادئة سعيدة لطفلة ومراهقة تنعم بحب والديها ورعايتهم رغم فقرهم المادي، ثم تنعم بحب طاهر بريء يتوج بالخطوبة والاستعداد للزواج، ولكن كما يقال: لا تعطينا الدنيا السعادة إلا لتسلبها منا عنوة، وهذا هو كان حال “بتول”، لم تلبث سعادتها أن تكتمل حتى فقدت والدها المحب، تلا ذلك اكتشافها لاصابتها بمرض الإيدز جراء نقل دم من عملية قديمة.

    وهنا تنتصف الرواية ليبدأ نصف آخر يحمل قدراً كبيراً من الحزن والمعاناة، كم تألمت لحال “بتول” ومعاناتها مع مجتمع قرر أن يعين نفسه إلهاً يطلق الأحكام جزافاً كما يشاء وفقاً لهواه دون مراعاة لأي ظروف، فالله جل علاه يسامح من يخطئ ويتوب ولكن مجتمعنا ذاك قد قرر أن يحكم بالخطيئة على من لم يقترفها يوماً وأيضاً لا يقبل منه توبة، في هذا الجزء ينتقل بنا الكاتب إلى عالم المتعايشين مع مرض الإيدز وما يعانونه من المجتمع بالإضافة إلى مرضهم ومعاناتهم حتى مع الأطباء الذين يلجأون إليهم!

    تمتع الكاتب بلغة شاعرية رائقة تنساب بسلاسة متناسقة مع أحداث الرواية وشخصية البطلة الملائكية ورومانسيتها، وعلى الرغم من أنني من أنصار كتابة الحوار بالعامية في القصص والروايات لما يضفيه من واقعية على الأحداث، ولكن في هذه الرواية كان حوار الفصحى ممتعاً للغاية ومفرداته تمتعت بلغة شاعرية جميلة ربما كنا نُحرم منها لو كُتب الحوار بالعامية، المأخذ الوحيد الذي قد آخذه على الكاتب، وليس الكاتب فقط بل ربما كل الكتاب الجدد وأنا منهم، فعندما نكتب حدثاً أو مشهداً نعمد إلى الكثير من التوضيح والتوجيه للقارئ ليفهم ما نلمح إليه.

    أعتقد أن هذا ليس دور الكاتب، فعلى القارئ أن يُعمل عقله أيضاً مع النص الذي يقرأه ويفهم من السرد ما يصبو الكاتب إليه، أو يأوله وفقاً لقدرته على الفهم، وإلا تحول النص الأدبي الفني إلى عمل وعظي، وهذا ليس دور الأديب -الكاتب الروائي أو القصصي-، وإنما قد يكون دور الكاتب في مقالاته أو رجل الدين على منبره.

أيا حباً

أيا قمراً منيراً في سمائي

أيا بدراً بادياً في حياتي

أيا صاحباً في حلي وترحالي

أيا روحاً تهيم في أجوائي

أيا شوقاً يجتاح كياني

أيا حباً يزلزل أوصاري

كم لك بقلبي من أحلام

كم لك بعقلي من طموحات

كم تمنيتك فارساً لأحلامي

كم حلمت بك شريكاً لحياتي

حبيبي قد وهبتك أحلامي

فلا تخذل دفقات فؤادي

 

جولة في الكتب: شراع من أوراق الشجر (رواية)

لـ/ أحمد غريب

   أعشق ذلك النوع من الخيال الذي يقتحم عوالم لم نعشها يوماً ويرسم شخوصاً لم نقابلهم في حياتنا، أدعي أنه قد يكون من السهل كتابة رواية أو قصة تدور أحداثها في بيئة معاصرة بشخوص قد نقابلهم يومياً في حياتنا، فقصص كهذه تكون مستمدة من واقعنا مع تصرف أدبي لكاتبها، ولكن أن يرسم الكاتب بيئة مغايرة تماماً لم نعشها يوماً وأحداث وشخصيات لا يقابلها أحد في حياته لتكون منبعاً لإلهامه، فهذا ما أدعوه بالإبداع!

    تدور الرواية في عالمين على خطين متوازيين، عالم معاصر حيث بعثة كشفية أثرية تبحث في تاريخ جزيرة معزولة، وعالم بدائي قديم هو تاريخ تلك الجزيرة المعزولة التي لا يستطيع العلماء فك طلاسمها، تصوير تلك الحياة البدائية التي كانت قائمة على الجزيرة يوماً ما، كان تصويراً موفقاً إلى حد كبير، وينم عن قدرة الكاتب على معايشة وتقمص ظروف وأحداث قصته، في نظري العيب الوحيد في الرواية هو كثرة اعتماد الأسلوب الوعظي والإرشادي من الكاتب أثناء السرد.

    ففي كثير من المواقف –خاصة في العصر البدائي- كان يتوقف الكاتب عن السرد ليشرح الموقف ويقارنه بحياتنا المعاصرة ويبدي وجهة نظره ورأيه الشخصي، بينما أعتقد أن هذا دور القارئ أن يستنبط هوالمقصود والهدف من السرد فليس هذا دور الراوي، فالرواية أو القصة هي عمل فني كاللوحة، لا يتوقف الفنان عند الرسم ليشرح لما رسم هذا الشكل في هذا المكان وما المقصود من ذلك، بل ينهي عمله كاملاً كما يرتأيه ويترك تأويله للجمهور كل يراه حسبما شاء.

    ولكن بالطبع هذا لا ينفي جودة العمل (الرواية)، وأنه ينبئ عن كاتب واعد سيكون له مستقبل باهر بإذن الله، على أن يستثمر خياله الخصب –الذي نحن في أمس الحاجة إليه في زمن توقفنا فيه عن الخيال والتفكير واكتفينا بأن ندور في حلقات مفرغة حول ما نعرفه بالفعل خوفاً من اقتحام المجهول والخروج عن دائرة الأمان-، وفي انتظار المزيد من الأعمال التي تتفوق على هذا العمل إن شاء الله.

جولة في الكتب: أوجاع ساكنة

لـ/ الشيماء جمعة مراد

حصلت على هذه المجموعة القصصية من كاتبتها، وتتنوع قصصها بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، وقد وفقت في اختيار عنوانها، فكل قصة في هذه المجموعة تعبر عن وجعاً ما، تتنوع هذه الأوجاع ما بين: جحود الأبناء، واهمال الآباء، العنوسة، فقد القيم والثوابت، تخلي الحبيب، الخطيئة، تحطم الأحلام، الحب غير المتكافئ، ضياع سنوات العمر، المعاناة من العادات والتقاليد البالية، خرافات البسطاء التي تقودهم إلى الهلاك، الغربة، والموت بكل أشكاله: موت الأبناء، الزوج، والنفس، وحتى الأوجاع القومية: غزو العراق وما صحبه من مجازر وجرائم، مأساة شعب فلسطين المهجر، وجدت مكانها بين تلك الأوجاع الساكنة!

   تميزت بعض قصص المجموعة بلغتها الشعرية وتصويراتها البليغة وقدرتها على وصف المشاعر والأحاسيس، بينما قصص آخرى عابها –من وجهة نظري- الاقتضاب المبالغ فيه، وكثرة الجمل الفعلية التقريرية التي لا تلامس الشعور، أعلم أن هذا أيضاً أسلوباً قصصياً ومدرسة في كتابة القصة القصيرة، ولكني لا أحبذه، فأنا أميل أكثر للغة الشعرية في القصة ووصف الحالة الشعورية أكثر من الخبرية، في مجمل الأمر كانت مجموعة قصصية مميزة وأرشحها بشدة لمحبي النهايات الحزينة، فكل القصص كانت ذات نهايات حزينة وهذا أيضاً يتوافق مع عنوانها “أوجاع ساكنة”!

جولة في الكتب: عداء الطائرة الورقية

 لـ/ خالد حسيني

  قبل أن أقرأ هذه الرواية لم أكن أعرف عن أفغانستان سوى الحرب السوفيتية وحركة طالبان وتنظيم القاعدة، كنت أعتقد أن ذلك المكان كان دائماً في حروب، وأن كل الأفغان يعيشون في أفغانستان يتناحرون معاً ومع القوى الخارجية وفقط لا شيء آخر، لم أكن أدرك أنها كانت دولة مستقلة ذات يوم، كان الناس فيها يحيون حياة طبيعية كباقي الشعوب، كانت دولة مدنية عصرية في وقتها، الرواية تحكي عن أفغانستان ما قبل الحرب وبعدها من خلال بطل الرواية “أمير”.

    تبدأ أحداث الرواية في الستينيات حيث كان “أمير” طفلاً مدللاً لأب من أهم أغنياء كابول وأم متوفية كانت أستاذة جامعية في الأدب والشعر، يحيا “أمير” في منزله مع أبوه الذي لا يجد منه الحنان والعطف المعنوي ويظن أنه يعاقبه على موت أمه أثناء انجابه، وفي المنزل أيضاً خادمهم الوفي “علي” وابنه “حسان” الذي يصغره بعام واحد، يعيش “أمير” طوال طفولته صراعاً داخلياً بين إذا ما كان “حسان” صديقه أم خادمه، بشكل ما يخون “أمير” “حسان” ويفترقا.

     خلال تلك الأحداث الشخصية لا تستقر أفغانستان على حال، تسقط الملكية وتُعلن الجمهورية، ومن بعدها يدخل الاتحاد السوفيتي وتتحول أفغانستان إلى بلد حرب، مما يضطر أبو “أمير” للهروب إلى أمريكا دون أن يستطيع أخذ شيء من ثروته معه، وما استطاع الهروب به أنفقه في رحلة الهروب، فيعيشا حياة الفقر في أمريكا، وبعد أن كان من أهم أثرياء كابول، يعمل في محطة وقود ويبيع الخردة في سوق الخردة كل سبت، هناك من يظنون أن الكاتب أسهب في الجزء الخاص بحياة “أمير” ووالده في أمريكا.

    لكن أعتقد أن الهدف من هذا الجزء هو ابراز حياة الأفغان الذين هربوا من الحرب في بلاد منفاهم، وليس فقط التركيز على أفغانستان قبل وبعد الحرب، وإلا كان من الممكن أن يكتب عن حياة شخص ممن بقوا في أفغانستان وليس من هربوا منها، في الرواية “أمير” يعود إلى أفغانستان لينقذ ابن “حسان” بعد أن يعلم أن طالبان قتلت والديه وأودع في أحد ملاجئ الأيتام والتي هي أسوأ ما يكون في أفغانستان، يفجع بالدمار الذي يراه في مدينته كابول وما حل بحيه ومنزله.

   المنزل الذي كان درة كابول، لا تنقطع عنه الأضواء والحفلات ليل نهار، أصبح منزلاً تسكنه الأشباح، تحطمت نوافذه وجدرانه وعشش الخراب في جنباته، حديقته التي كانت تشع بأشكال وألوان من الزهور والنباتات أصبحت جرداء لا حياة فيها، التقى أحد المتسولين في حيه القديم ودار بينهما حوار أفصح له فيه عن هويته ليكتشف أن ذاك المتسول كان أستاذاً جامعياً في جامعة كابول زميلاً لأمه في الستينيات، يصل لابن “حسان” بعد عناء ويستطيع انقاذه واخراجه من أفغانستان بعد أن كاد يفقد حياته في سبيل ذلك.

    تنتهي الرواية بتبني “أمير” لـ”سوهراب” ابن “حسان” ليحيا معه في أمريكا، ويطيرون معاً الطائرات الورقية كما كان يفعل مع أبوه في طفولتهما. إلى جانب أهمية الرواية كمصدر للتعرف على أفغانستان المجهولة لدى أغلب سكان العالم الذين لا يعرفوا عنها شيئاً سوى الحرب وحركة طالبان، إلا أن الرواية أيضاً مفعمة بالمشاعر الانسانية والمواقف الحياتية الراقية، ففيها صداقة الطفولة ومشاعر الأبوة والبنوة، مشاعر الفقد والحنين، الندم والألم، الثقة والخيانة، وأيضاً مشاعر الحب، لا أعتقد أن هناك رواية أخرى حوت بين جنباتها كل هذا الكم من المشاعر الإنسانية.

    تتركني الرواية ولدي فضول كبير للتعرف أكثر على أفغانستان وتاريخها وأسباب وصولها إلى تلك الحالة المذرية، ولا بد لي من قراءات آخرى عنها، ليس فقط روايات وإنما أيضاً قراءة في التاريخ، فربما لو لم ننتبه لوصلنا يوماً إلى نفس الحال!

جولة في الكتب: رواية زينب

للدكتور محمد حسين هيكل

  حصلت على تلك الرواية من معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2008 تقريباً، كنت وقتها فتاة مراهقة في الثامنة عشر أو التاسعة عشر من عمري، أمضيت قرابة الشهرين أقرأ فيها والملل يعتريني على أمل أن أصل لأي مغزى أو هدف من الرواية ولكن لم يحدث، لم يكن هناك من أحداث تذكر في الرواية، فهي تتمحور حول زينب الفلاحة التي تحب ابراهيم كاتب الأنفار ويغازلها حامد ابن مالك الأرض وتتزوج حسن وفقاً للعادات والتقاليد دون أن تملك حق الرفض والاختيار.

    تفشل زينب في أن تحب زوجها وتمضي حياتها القصيرة تتوق لابراهيم حتى تمرض بالسل وتموت وهي تلهج باسمه، هذا هو ملخص أحداث الرواية وكل ما تحتويه بين صفحاتها المائتان هو حشو لا طائل منه ولا هدف، لم تستهويني الرواية وقتها وظلت طوال تلك السنون مركونة بين أرفف مكتبتي، حتى تم اقتراحها للمناقشة في نادي الكتاب بقصر ثقافة أسيوط، فأعدت الاطلاع عليها سريعاً مع تذكري لرأيي فيها وقتها، لم يختلف رأيي في الرواية ولكن اختلفت نظرتي للأمور.

   كمجرد رواية وعمل فني فهي غير ممتعة ولا تلفت الانتباه، ولكن إذا ما أعدنا تقييم الأمور وفقاً لظروف وزمن كتابة الرواية، فلابد أن نذكر أنها أول رواية مصرية لم يسبقها عمل فني ولم يكن هناك من روائيين وذوق عام للفن يتمثل الكاتب خطاهم، فيعتبر الدكتور محمد حسين هيكل هو أول من كتب الرواية في مصر، كما ان طبيعة الزمن والأحداث في ذلك العصر، وهو أوائل القرن الماضي، كانت الأحداث بطيئة والحياة تمر ببطء وملل، لم تكن الحياة في سرعة حياتنا الآن، ولم يكن اليوم مكثفاً بالأحداث كأيامنا تلك.

    من الظلم مقارنة الرواية التي كتبت منذ أكثر من قرن من الزمان بتلك الروايات التي تكتب الآن، ففي عصرها كانت عملاً فذاً، ولكن أيضاً هذا لا يعني أننا سنستطيع الاستمتاع بها رغماً عنا، لذا لا أنصح بها لمن يقرأ بهدف المتعة أو التسلية لأنه لن يحظى بأي منهما من خلال قراءة هذه الرواية، ولكن قد تكون مفيدة لمن يدرس أمور الكتابة أو يهتم بها فتساعده على الاطلاع على أنواع وأساليب الكتابة القديمة وكيف كتبت أول رواية ويتعرف أكثر على تاريخ الكتابة.