جدار الغرفة (قصة قصيرة)

بقلم: سارة الليثي

     أرسم صوراً لي وابني على الجدار، أسمعهم يتهامسون خلفي أنني فقدت عقلي، تنتابني لوثة هياج حادة إثر سماعي لما يهذون به، يهرع إلي اثنان يرتديان الأبيض، يسحباني خارج الغرفة، يحملاني بالقوة لسرير الكهرباء ويقيداني به، كم أكره هذا السرير، يجعلني أرى مراراً وتكراراً ومضات لما حدث، ابني يأتيني بشهادة رسوبه، ليست المرة الأولى ولكن صبري قد نفذ، أتذكر رسوبي المتكرر حتى اضطررت أن أترك مقاعد الدراسة نهائياً تجنباً لمزيد من الفشل، ولكنني فشلت أيضاً في الحصول على عمل.

  أتذكر كيف استمرت سلسلة فشلي المتلاحقة، ومن بينها كان زواجي بأبوه لأثبت للجميع أنني أكثر امرأة فاشلة على سطح الأرض، والآن هو أملي الوحيد لأثبت العكس، لأثبت أنني على الأقل بمقدوري أن أكون أم ناجحة يحصد أولادها المراتب العالية بين أقرانهم، ليس من حقه أن يسرق مني ذلك الأمل الأخير، أنهال عليه ضرباً ممسكة بخناقه ومع كل صرخة تزداد قبضتي قوة، تحاول ابنتي الكبرى تخليصه من يدي، راجية إياي أنها ستساعده لينجح في المرة القادمة.

   تهدأ نوبة غضبي، تتراخى يداي عن رقبته، أخبره أن ينهض ليستذكر دروسه مع أخته، لا ينهض، أهزه بيدي، لا يستجيب، أهدده بحرمانه من اللعب والمصروف، ولكنه لا يبد أي حراك، تنظر لي ابنتي نظرات لا أدرك مغزاها، تجري من أمامي بينما أستمر أنا في محاولة إفاقته، طبيب يأتي، يخبرنا أن الروح إنتقلت لبارئها ….. ظلام …. شرطة، قضبان، محاكمة، مستشفى، كهرباء!

     تتوقف الكهرباء عن رأسي، يسحبني الاثنان مرتديا الأبيض إلى غرفتي، يغلقا الباب علي، أمسك بالطبشور، أرسم صوراً لي وابني على الجدار.

Advertisements

جولة في الكتب: 101 طريقة بسيطة لتكون ناجحاً مع نفسك

لـ/د. دونا واتسون

     أذكر أنني قد قرأت ذلك الكتاب في سنوات مراهقتي ولكنني لا أذكر أين وجدته ولا أين ذهب وهل كان ملكي من الأساس أم كنت قد استعرته من أحد ما، وفي مطلع هذا العام -2018- كنت أتصفح مقالات على الانترنت عن كيفية استقبال العام الجديد ووضع خطط للنجاح في تحقيق الأهداف وما إلى ذلك؛ فوجدت رابط تحميل لهذا الكتاب ولم أكن أذكره، جذبني عنوانه فحملته، ولكن فور بداية قراءتي له تذكرته، لا أذكر انطباعي عنه عندما قرأته منذ سنوات ولكنني عندما قرأته الآن شعرت بامتعاض شديد من محاولات المترجمة المستميتة لأسلمة وسعودة الكتاب الصادر عن دار العبيكان السعودية في نسخته المترجمة بالعربية!

     الكتاب في مجمله يحتوي نصائح جيدة، تدور أغلبها عن تخصيص وقت للراحة وممارسة الهوايات المختلفة والمرح مع العائلة والأصدقاء وتخصيص الوقت لهم، وقد جاءت هذه النقاط في أكثر من طريقة من طرق النجاح المتضمنة في الكتاب والتي يمكنني اجمالهم في النقاط التالية:

  • 71- ثق بنفسك.
  • لا تؤنب نفسك، ولا تلزم نفسك بواجبات تثقل كاهلك ولا تفيدك.
  • 21- 49- استمع لموعظة دينية على ضوء الشموع ولا تشغل بالك بأمر آخر.
  • تحكم في هاتفك ولا تجعله هو من يتحكم بك.
  • كن مفيداً لمن حولك.
  • اصنع كتاب أحلام يتضمن ما تتمناه وتصبو إليه من بينها صوراً ومناظر لأماكن تتمنى زيارتها وكذلك صور لبيتك المثالي.
  • تواصل مع الأرض عن طريق الزراعة والاهتمام بالنباتات.
  • 72- التأمل والتفكر في خلق الله.
  • تذكر أن من له الخيار في حياتك.
  • احضن نفسك وربت عليها واخبرها كم هي رائعة!
  • لا تعقد الأمور ولا تتشاؤم.
  • 53- أستمتع بلحظات من أحلام اليقظة تسترجع فيها الماضي الجميل وذكرياته أو تحلم بما تتمنى في مستقبلك.
  • خير الأمور الوسط، اهتم بصحتك ولكن لا تفرط في حرمان نفسك من كل ما تشتهي من طعام.
  • 99- استرجع أيام طفولتك ومارس ما كنت تمارسه فيها من أنشطة وأمور تراها الآن أنشطة بلهاء!
  • فرق بين الممكن والمستحيل، وما تدرك أن من المستحيل عليك القيام به اتركه جانباً ولا تشغل بالك به.
  • ابتسم وانشر عدوى الإبتسامة.
  • لا تؤجل متعتك إلى حين، إذا ما تبادر إلى ذهنك أمر قد يسعدك ولا يمنعك عنه سوى أنك تخشى وصفك بالحماقة فلتفعله فوراً.
  • كن أنت كما أنت ولا تحاول أن تكون نسخة عن غيرك.
  • 20- 34- 35- 38- 52- 79- 94- خصص وقتاً للعمل وآخر للمتعة والاسترخاء والمرح والضحك ولا تغفل أياً منهما.

22- لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، ولا عمل تلك اللحظة للحظة التالية، لا تؤجل شيئاً على الإطلاق.

23- 29- 30- 31- خصص لنفسك ليلة حرة من كل أسبوع تفعل فيها ما يحلو لك سواء كنت فرداً أو في جماعة.

24- اكتب قدراتك ومواهبك الاجتماعية على ورقة وعلقها في مكان بارز تراه فور استيقاظك من النوم لتذكرك بأنك إنسان رائع متميز.

25- اجعل لنفسك في نهاية كل يوم قائمة تضم ما أنجزته احتفظ بها لتدرك كم أنت ناجح.

26- اصنع بنكاً للأمنيات الصغيرة، ضع فيه بطاقات مدون عليها الأمور الصغيرة التي تود القيام بها ولا تجد وقتاً كافياً، كالاتصال بصديق أو قراءة كتيب أو طهو شيء ما وما إلى ذلك، وزر ذلك الصندوق بين الحين والآخر واسحب أحد البطاقات ونفذ ما دون عليها.

27- تعامل مع الآخرين بلطف ومحبة.

28- بادر باتخاذ الخطوة الأولى.

32- اقتسم وقتك مع شخصاً تحبه واجعله يدرك قيمته في حياتك.

33- الغي كلمة مشاكل من قاموسك، واجعلها تحديات نحو الأفضل.

36- اتقن عملك بالصورة التي ترضاها.

37- احب جسمك كما يبدو.

39- إذا ما صادفك إخفاق ما؛ فتذكر أنك تسقط إلى الأمام، لا إلى الخلف، وسيكون ذلك خير دافع لك لمواصلة الطريق نحو النجاح، واعتبر أن ما حدث تجربة نافعة أخرى وإن كانت مريرة.

40- حافظ على العادات والتقاليد التي تدخل السرور على أحبائك.

41- 93- اشتري هدية لنفسك وذيل البطاقة بإمضاء معجب، واقرأها بصوت عال في مكان عملك لتذكر نفسك والآخرين أن هناك من يهتم بك.

42- سامح نفسك وامض في طريقك قدماً.

43- اعلم أصدقائك أنك تحتاجهم وماذا تحتاج منهم بالظبط؟

44- 48- 65- مارس التمارين الرياضية سواء وحيداً أو مع جماعة ولو فقط المشي.

45- استمتع بقراءة رواية بين الحين والآخر وانغمس فيها.

46- تواصل مع الحيوانات الأليفة.

47- 64- حافظ على تواصلك الدائم مع أصدقائك.

50- اهتم بمظهرك.

51- أنت لست مسئول عن العالم.

54- 74- 84- دلل نفسك.

55- انطلق بسيارتك عبر طريق لم تسلكه من قبل في رحلة طويلة، استرخ، ادر المذياع، استمع إلى شيء من الموسيقى الحالمة، وانس كل ما عدا ذلك.

56- شارك الناس همومك وآلامك.

57- استمع أكثر، وتكلم أقل.

58- تجنب زحمة المرور.

59- استخدم كل حواسك في اكتشاف الطبيعة من حولك.

60- كن سيد وقتك.

61- تعلم أن تقول لا ومتى وكيف تقولها.

62- ما استوعبه فكر الإنسان وآمن به أمكنه تحقيقه، اسقط حدود المحال وتخيل لنفسك ما تشاء.

63- خصص يوماً أو أمسية لك ولشريك حياتك كل أسبوع تقضياها معاً بعيداً عن كل الضغوط وتتعارفا فيها من جديد.

66- 73- حدد أهدافك وأولوياتك.

67- تخلص أولاً بأول من كل ما لا تحتاجه.

68- ضع في نهاية كل يوم قائمة بمهام الغد، وابدأ يومك بمراجعة تلك القائمة، وابدأ في تنفيذها طبقاً لترتيب الأهمية وكلما أنهيت مهمة فعليك بشطبها، فإن تبقى منها شيء فضعه في قائمة اليوم التالي.

69- خصص وقتاً هادئاً في مكان معزول تنجز فيه مهامك بعيداً عن الضغوط.

70- تمتع بالتميز كل يوم ولكن اعلم أن لا أحد يصل للكمال.

75- اعط نفسك وقتاً تكون فيه أكثر استعداداً وتمكناً لمواجهة مشكلاتك.

76- كن من تريد أن تكون، ولا تسمح لمخلوق بأن يقول بأنك غير قادر على شيء ما لأن أحداً لم يقم به من قبل.

77- عش بحماس.

78- تعلم كيف تستقبل المديح وتكيله بالمهارة ذاتها.

80- ارح جسدك من التوتر وتمطع بين الوقت والآخر.

81- تحكم في كمية الأخبار السلبية التي تصلك كل يوم.

82- استمع إلى نصيحة جسدك فهو أدرى منك بما يحتاجه.

83- لا تأبه كثيراً لما ترتكبه من أخطاء غير مقصودة، فنحن جميعاً نرتكب عدداً كبيراً منها كل يوم.

85- اطلق العنان لدموعك.

86- عش حياتك يوم بيوم وثانية بثانية لأن هذا هو ما تملكه وما عدا ذلك فهو في علم الغيب.

87- كلما قررت شيئاً اسأل نفسك: في مدة عشر سنوات، ترى ما الذي سوف يحدثه ذلك من فرق؟ سيساعدك ذلك كثيراً على التخطيط الجيد، ووضع الأمور في نصابها.

88- استثمر الوقت الذي تقضيه في سيارتك في الاستماع إلى محاضرات ودروس مفيدة لتعلم شيء جديد.

89- احمل كتاباً معك دائماً لتقرأه في أوقات فراغك وانتظارك.

90- خذ قسطك من النوم.

91- استمتع بوقت استحمامك.

92- جهز كل مستلزمات غدك قبل النوم.

95- اصرخ واخرج ما بداخلك من احباطات وترسبات، ولا تدعها تتجمع في ذاتك، أو مارس شيئاً من القفز، أو اهبط الدرج واصعده قليلاً لتفرغ ما يعتمل في داخلك.

96- لا تغفل استراحة الغداء أياً كان عملك ومكانه.

97- حاول قدر الإمكان أن لا تحضر معك همومك ومشاغلك المكتبية إلى المنزل، وحاول بالدرجة ذاتها أن لا تحمل همومك المنزلية إلى مقر عملك.

98- احتفظ دائماً ببديل لاحتياجاتك الضرورية كالمفاتيح والعملات والملفات لتجدها فور احتياجك لها.

100- خصص لنفسك ليلة تقضيها في مشاهدة الأفلام القديمة الضاحكة لتخفيف هموم ومشاغل العمل وتوتراته.

101- اخبر من تحبه أنك تحبه.

 

جولة في الكتب: دين الإنسان

لـ/ فراس السواح

     يدور الكتاب حول تفسير الظاهرة الدينية للإنسان وتطورها عبر مراحله التاريخية المختلفة ومراحل تطوره ونضجه العقلي، يبدأ بمحاولة تعريف الدين ومكانته لدى البشر، ثم يفرق ما بين نوعين من الدين وهو الدين الفردي والدين الجمعي، ففي الدين الفردي يكون المعتقد الديني خاصاً بالفرد وحده ولا يحاول اشراك جماعته معه لاعتقاد نفس الدين، ولكن عندما يتحول الفرد لداعية لهذا الدين ويتبعه أفراد آخرين يتحول الدين من دين فردي لدين جمعي، وتلا ذلك ظهور المؤسسة الدينية متمثلة في المعابد ودور العبادة لترعى الدين الجمعي وتخصص كهنة لاقامة الطقوس الدينية.

    وحدد المكونات الأساسية للدين المتمثلة في المعتقد والطقس والأسطورة، حيث يعتقد الإنسان في إله ما، يقيم له الطقوس لعبادته، وينشئ له الأساطير الدالة على مدى قوته وقدرته، وهناك مكونات ثانوية تتمثل في الأخلاق والشرائع، ولكنها ليست أساسية حيث أن هناك أديان قامت بدون أخلاق أو شرائع تعود إليها كالديانات الإغريقية حيث كان الآلهة أنفسهم يفتقرون إلى الأخلاق اللازمة وترك الأمر لتقييم البشر، كما فرق الكاتب ما بين دين القوم والدين الشمولي، فدين القوم يقوم على ايمان مجموعة من الأفراد قد تكون قبيلة أو مجتمع ما بدين معين ولكنهم لا يسعون لفرضه والدعوة إليه عبر العالم، أما الدين الشمولي فهو الذي يسعى لتوطيد حكمه عبر العالم.

    وقد تمثل للأديان الشمولية بمحاولات كل من اخناتون بنشر دعوته لعبادة اله الشمس آتون، وكذا ايلاجابال في روما ودعوته لعبادة اله الشمس السوري، وأيضاً ماني ودعوته لديانته المانوية، ثم تناول بداية ظهور الدين في تاريخ البشرية منذ ظهور الإنسان على الأرض فيما سمي بعصر الباليوليت، وما وجد من آثار لهذا العصر متمثلاً في فن الكهوف وطرق الدفن، تلا ذلك عصر النيوليت وبداية ظهور تقديس هيئات متمثلة لحيوانات وبشر مع نفي عبادة الحيوان أو البشر ذاته ولكنه كان عنصر تمثيلي للقوة المسيطرة ليس إلا.

    وتطرق أيضاً إلى فكرة الطوطم أو التمائم التي أتخذت لبعض الشعوب شارحاً اياها من خلال شعب الهنود الحمر والأستراليين بشكل خاص لانتشار تلك الفكرة لديهم، كما فرق بين السحر والدين على الرغم من وجود بعض الطقوس التي قد تكون متشابهة بين الاثنين، ثم تناول ببعض من الشرح فلسفة ديانات الشرق الأقصى كالكامي والشينتو في اليابان والتاوية في الصين والهندوسية والجاينية والبوذية في الهند، منتقلاً بعد ذلك لظاهرة التصوف الاسلامي مقارناً بينها وبين أفكار النيرفانا وفلسفة التصوف الهندي.

    وفي الباب الأخير تناول الظاهرة الدينية بشكل علمي من منظوره من الناحية الفيزيائية، حقيقة الأمر لم أفهم شيئاً مطلقاً من هذا الجزء ولم أفهم ما علاقته بالأمر، فقد استمتعت بقراءة الكتاب وأضاف لمعلوماتي معلومات قيمة جداً في تاريخ الأديان وكيفية ظهورها في المجتمعات المختلفة، فعلى الرغم من قراءتي واطلاعي على العديد من الأساطير الدينية لشعوب العالم ولكني لم أكن أعرف منشأ التفكير في تلك الأمور وقد ساعدني هذا الكتاب كثيراً في الربط بين الأمور والديانات المختلفة وتفسير معتقدات الشعوب.

    ومن المفترض أن الباب الأخير يفسر ذلك بشكل علمي ولكن لم يصلني المغزى ولم يضف لي شيئاً وشعرت أنه جزء زائد على الكتاب، ربما يستطيع فهمه من يدرس الفيزياء ويستطيع تفسير علاقته بموضوع الكتاب أما أنا فلا.

طلع الكاتب اللي جواك: الكتابة علاج وشفاء

بقلم: سارة الليثي

الكتابة هي مهارة وموهبة يمكن لأي أحد أن يكتسبها بالتدريب والمران، وفي دول الغرب المتقدم يستخدموا الكتابة كعلاج مع كثير من الأمراض منها: الأمراض النفسية والسرطان وعلاج الإدمان، ففي مقال نشرته البروفيسورة “كونستانس سكارف” في مجلة (Ending addiction for good) قالت إن كتابة الشخص عن نفسه وعن تجاربه الخاصة لمدة 15 دقيقة يومياً تحسّن وتقي من اضطرابات المزاج (الاكتئاب مثلاً) وتحسن من الصحة الجسدية بعد التعرض لسكتة قلبية كما أنها تقلل من حاجتك لزيارة الطبيب وتحسّن الذاكرة.

   ومن بين الدراسات أيضاً حول هذا الموضوع دراسة أجراها الباحثان “كارين بايكي، وكاي ويلهيلك”، والتي أفادت بأن الكتابة التعبيرية تنفع بشكل كبير في أوقات الضغط والتوتر والحزن والغضب، وأن الكتابة عن حدث مؤلم حصل في الماضي يحسّن من الصحة النفسية والجسدية التي تسبب الألم بتدهورها، كما أن دمج الكتابة التعبيرية في الخطة العلاجية يعطي مفعول الدواء نفسه. والمذهل أن هذا العلاج قد أفاد بالفعل مع حالات كثيرة ونالوا الشفاء، والعلاج بالكتابة يكون من خلال أن يكتب المريض أي شيء يريده يعبر به عن مكنونات نفسه ويُخرج كل ما في داخله على الورق بأي صورة شاء سواء شعر أو خواطر أو قصص او مذكرات أو أي بأي شكل يهواه!

     لذا فقد فكرت لماذا ننتظر أن نكون مدمنين أو مرضى نفسيين أو مرضى سرطان -لا قدر الله- لكي نكتب؟! أوليس الوقاية خير من العلاج؟! لذا فليبدأ كل شخص من الآن أن يكتب ويخرج كل ما يعتمل في داخله على الورق: احباطاته نجاحاته فرحه حزنه سعادته تعاسته حبه كرهه، كل شيء نستطيع أن نخرجه على الورق ونشاركه مع غيرنا أو نشاركه مع الورق والقلم فقط، فالكتمان هو الذي يسبب الأمراض، والكتابة تشفينا منها، فالكتابة حياة وخلود.

   يقول الكاتب طالب الرفاعي عن الكتابة: أكتب لأن الكتابة هي النافذة الكبيرة المُشرعة أمامي. أكتب لأنني تعودت أن أرى في الكتابة فسحة تمكّنني من الهروب إلى الحرية والحلم والأمل.. أكتب لكي أستطيع أن أبقى متوازناً في معيشتي اليومية، ولأن الكتابة تقدّم لي السلوى والعزاء والأمان في لحظة إنسانية عاصفة يخيّم عليها القتل والدمار واللاعدالة.. أكتب، لأن الكتابة أصبحت هاجساً يستبيحني ويطاردني ليلَ نهار، وفي أحايين كثيرة يفسد عليّ أيّ متعة أعيشها.. أكتب لأن هناك في داخلي الكثير الذي يدفعني لأن أصرخ، موقناً أن الكتابة هي الصرخة الأبقى، والأعلى، وهي الصرخة الماكرة التي تستطيع أن تحمل أكثر من نبرة، وأكثر من كلمة في الصوت نفسه.

  ولكن القدرة على الكتابة الأدبية الراقية لا تنمو تلقائياً، وإن كان يسهل تنميتها كأي موهبة ومهارة لدى الإنسان إن أراد صدقاً تنميتها، وهذا يقودنا إلى التفريق بين نوعين من الكتابة:

  • الكتابة اليومية المعتادة التي يكتسبها الانسان بصورة طبيعية لتيسير أموره الحياتية، وهي تشبه القدرة على المشي والتفكير غير أنها تحتاج لمن يعلمك إياها في البداية بخلاف المشي والتفكير الذي يكون فطرياً.
  • الكتابة الأدبية التي تتطلب تعليماً منظماً هادفاً ومراناً مستمراً حتى يمكن أن تبلغ أقصى مدى لها، وهذا النوع يشبه القدرة على تسلق الجبال أو السباحة الإيقاعية وغيرها من المهارات التي تتطلب تدريباً وتعليماً مميزاً.

      وعليه فإن الكتابة الأدبية ليست مجرد قدرة طبيعية ترافق النمو الطبيعي للإنسان، ولكن يمكن تنميتها واكتسابها لكل انسان عن طريق المعرفة بأدوات ومهارات الكتابة والقراءة المستمرة في مختلف المجالات. في عام 1979، وفي عمر الثمانين بدأت “جيسي بي براون” تكتب قصة حياتها. كتبت حكايات عن ماضيها، عن جدتها وعمتها كلارا التي كانت تمضغ التبغ ويمكنها أن تُسدّد بصقات بحجم كريات الزجاج. في كل صباح كانت تتوجه إلى مطبخ شقتها حيث ربّت ثمانية أبناء. تجلس إلى طاولة المطبخ ثم تشرع في الكتابة مستعينة بدفاتر القص واللصق القديمة والرسائل والصور الفوتوغرافية.

    ويوماً بعد يوم، وأسبوعاً بعد أسبوع، كتبت بخط يدها قصة حياتها، مسجلةً الأحداث المفصلية: المواليد، الوفيات، زيجة واحدة، ثلاثة حروب، فيضان واحد، جنباً إلى جنب مع الأشياء التي أشعلتْ خيالها، مثل المرة الأولى التي رأت فيها لورانس ويلك. وبعد أن أتمت حكي أحداث حياتها، بدأت تكتب عن العالم الذي لم تتحدث عنه قط من قبل، عن مشاعرها وأفكارها. طبعت الكلية المحلية لها كتاباتها بعنوان حياة جيسي بي براون من الميلاد حتى سن الثمانين، في ثلاثين نسخة فقط تم توزيعها على الأسرة والأصدقاء.

    أما الآن فإن العالم كله بمقدوره قراءة كتابها ذي المئتي وثمانية صفحة، بعنوان Any Given Day  أي يوم متاح: حياة وأزمنة جيسي بي براون فوفوكس: ذكريات لأمريكا القرن العشرين [مطبوعات دار بروكس، 1997]. ومنذ أن كتبتْ كتاب مذكراتها الأول، أنجزت جيسي لي كتابين آخرين، أشهرهما هو ثرثرات جدة حول هذا وذاك Granny’s Ramblings of This and That Two، وتمت طباعته في 1993. في ذلك العام كتبت رسالة إلى المعلم الذي شجّعها على حكي قصتها، قائلة: “شكراً لك كل الشكر لأنك لم تفقد الأمل فيّ. أنا لستُ كاتبة، غير أن مجهودي الضئيل صنع اختلافاً هائلاً في حياتي”.

     لقد حكت جيسي بي قصتها. واشترتْ وارنر [شركة الإنتاج السينمائي] قصتها مقابل مليون دولاراً. (القصة من كتاب “كيف تكتب رواية في 100 يوم أو أقل” للكاتب “جون كوين”)، فحياة كل شخص يمكن أن تكون قصة متفردة لا شبيه لها مهما ظننا أن حياتنا عادية لا شيء مثير فيها، فيكفي ما يتخلل حياتنا من مشاعر صادقة واحباطات ونجاحات لتصنع قصة متكاملة جاذبة، وقصة “جيسي بي” هي تأكيد واضح على جوهر وفكرة مبادرة #طلع_الكاتب_اللي_جواك، فهي توضح بشدة كيف أن شخص ما لم يكن له أي علاقة بالكتابة يوماً ولم يتمتع بالموهبة الفذة من قبل بل وفي نهايات العمر أيضاً -كما يقولون-، يستطيع أن يبدع ويكون كاتباً فذاً فقط إذا أراد ذلك.

    فالكتابة لا تتوقف عند سن معين ولا مرحلة معينة، فهي تتجاوز كل الحدود والعوائق والظروف المختلفة، وكل انسان منا له قصته الخاصة التي يمكنه البدء منها، فكل حياة على تلك الأرض بها من الأحداث والمشاعر ما يصلح للكتابة عنه سواء شعراً أو خاطرةً أو قصصياً، فقط فلنمسك القلم ونبدأ. فالكتابة تساعدنا على تخطي أنواع مختلفة من المصاعب، ليس فقط للتعبير عن ذواتنا وإنما هي أيضاً تقضي على خوفنا الدائم من ارتكاب الأخطاء، ففي الكتابة ندرب عقولنا على التفكير لاختيار الكلمات الملائمة، وهذا يساعدنا بشكل تلقائي عند التحدث مع الآخرين، حيث يكون المخ قد تدرب كثيراً على اختيار الكلمات الملائمة لكل حديث ولكل موقف.

    كذلك فإننا نشعر بالراحة بصورة أكبر عندما نكتب، فلا يوجد شخص ينتظر إجابة، ولا يوجد خوف من الفهم الخاطئ أو عدم القدرة على التعبير بشكل جيد عن ما نشعر به. ولذا فالكتابة تعطينا شعور أكبر بالحرية، كما أنها توفر لنا مزيداً من الوقت للبوح بكل ما نريده أكثر من التحدث مع الآخرين، وهذا يساعدنا على أن نرى كل شيء واضحاً أمامنا، ومن ثم نستطيع تحسين أخطائنا والتعلم منها. الكتابة ليست فقط قصص وروايات وأشعار مكتوبة بشكل احترافي بغرض الكسب المادي، بل هي في المقام الأول تعبير عن الذات.

    أكتب عن نفسك لتستطيع أن تكتب عن الآخرين، وأكتب عن نفسك لتعرفها أكثر، لتساعدها على تجاوز مشكلاتها، وتخطي كل ما يقابلها. أكتب لتساعد نفسك، أكتب لتنقذ نفسك، أكتب لتحيا. نصيحة أخيرة: خصصوا خمس دقائق في يومكم للكتابة، اكتبوا عن أحداث اليوم، صفوا مشاكم خلال اليوم، أو علقوا على حدث أو موقف ما أثار انتباهكم، اكتبوا بأي طريقة، مذكرات- وصف تفصيلي- خواطر- شعر- قصة، لا تهتموا باللغة في هذه المرحلة، فقط اخرجوا كل ما تفكرون فيه وتشعروا به على الورق. فالكتابة تساعد على تفريغ الشحنات السلبية وزيادة الثقة بالنفس ورفع مستوى الرضاء الذاتي.

 

 

جولة في الكتب: مأساة الحلاج

لـ/ صلاح عبد الصبور

       المسرحية من فن المسرح الشعري، تدور حول الحسين بن منصور الحلاج الذي كان منتمياً لمذهب الصوفية، ولكنه خالف مذهبهم العام بتجنب الناس والانفراد بالعبادة وحب الله وانخرط مع الناس يطلعهم على مذهبه في التوحد مع الذات الإلهية ويدعوهم إلى الثورة على الظلم مما أودى بحياته في النهاية بعد محاكمته والصاق تهمة الكفر والزندقة به.

    لست على دراية تامة بالفكر الصوفي بشكل عام أو بمذهب منصور الحلاج بشكل خاص، خاصة مع ما نسب إليه واتهم به من كفر وإلحاد، فأحتاج لأن أقرأ ما كتبه هو بنفسه لأكون رأيي الخاص عن شخصه، ولكن على أي حال لا أعتقد أن هذه المسرحية تؤرخ لحياة الحلاج بشكل خاص بقدر ما تسقط ما حدث منذ قرون مع الحلاج بما يحدث إلى الآن سواء في زمن المسرحية التي كتبت منذ أكثر من أربعين عاماً أو الآن فعلاً بعد أربعين عاماً من كتابتها!

     يسقط “صلاح عبد الصبور” الضوء على رعب الحكام الدائم من حرية الرأي والتعبير، وكيف ينكلون دائماً بمن يخالفهم الرأي مستترين بستار الدين تارة ومصلحة الرعية تارة آخرى، وكيف يسعون حثيثاً لتشويه صورة كل من يحاول توعية الشعب بحقوقه وحريته، يقال أن المسرحية كتبت اعتراضاً على نظام عبد الناصر وما تضمنه من ظلم وتنكيل بكل من خالف آراء الاشتراكية والقومية التي دعى لها عبد الناصر، وكأن لسان حال كل حاكم باطش: “مأريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”!

     وبعد أكثر من أربعين عاماً من زوال حكم عبد الناصر، وبعد سبع سنوات من قيام ما كنا نظنها ثورة، لازلنا نعيش نفس الظلم والكبت والتنكيل، لازال كل من يبوح برأي مخالف لما يراه الحاكم يكون مصيره غياهب السجون ومقاصل الإعدام، لازلنا نحيا نفس الديكتاتورية التي جثمت على أنفاسنا منذ أكثر من ستين عاماً وما فتئت تبرح واقعنا لتظل تغتال أحلامنا وحياتنا!

جولة في الكتب: رحلة إلى مصر (الوادي وسيناء)

لـ/ نيكوس كازانتزاكيس

     هو كتاب في أدب الرحلات لرحلة قام بها الأديب اليوناني “نيكوس كازنتراكيس” مبعوثاً كمراسل صحفي لاحدى الصحف اليونانية عام 1927، سجل خلالها ملاحظاته وانطباعاته الشخصية عن مصر خلال الرحلة كما هو مفترض، ولكن كما ذكرت مقدمة الناشر؛ فيبدو أن الكاتب قد اعتمد على الخرافات والأساطير أكثر من الحقيقة، ولم يكلف نفسه عناء البحث عن تاريخ تلك البلد التي يتعرض لها بالدراسة، كما أن طبيعته الروائية التخيلية جعلته يضيف مشاهدات من خياله للواقع كأنه رآها!

   ففي الجزء الذي تحدث فيه عن الأهرامات ذكر نصاً: “انه وقت الظهيرة، انه ساعة السحر والفتنة، الساعة التي تظهر فيها ابنة تشوبيس من الهرم الأكبر، وتظل تطوف في خيال الفلاحين وتنادي عليهم. لقد استنفذ والدها كل ثروة مصر من أجل بناء الهرم الأكبر، وحين لم يتبق لديه شيء، باع ابنته للغرباء، ومن كل رجل كان عليها أن تأخذ حجراً كهدية”، فمن هو تشوبيس ذاك ومن هي ابنته؟! فالهرم الأكبر هو هرم خوفو وهذا أمر معروف للعالم أجمع؛ فمن أين أتى بتلك الخرافة وما مصدرها؟!

    ويبدو أنه مصراً على اظهار المصريين بمظهر الفسوق والفجور، فعندما تحدث عن الدلتا وسجل مشاهداته قال: “كانت البائعات الجوالات يقمن بحسر الحجاب عن وجوههن إلى النصف، ويقمن بالتدليل على بضائعهن بأصوات خفيضة: كحل أسود للعيون، وحناء لصبغ الأظافر، وزيت الطيب من بغداد، وماء الزهر، والمسك، والبخور، وكل تلك البضائع التي تقود إلى الغواية والخطيئة”، فما علاقة تلك البضائع بالغواية والخطيئة؟! حتى وإن كانت تستخدم في تزين النساء للرجال فهو ليس بالضرورة غواية أو خطيئة مدام في إطاره الطبيعي، بل هو أمر ضروري لاستمرار الحياة بشكل سوي!

     ولا زال مصراً على التأكيد على انتشار الفسوق في مصر، فعلى الرغم من انتشار بيوت الدعارة في كل دول العالم في ذلك الوقت –وإلى الحين- إلا إنه يحدثنا عن تلك المنطقة التي كانت موجودة في مصر وقتها وكأنها شيئاً تنفرد به مصر تفرداً لفسوقها وفجورها واستعبادها للنساء، وكيف أنه غادر هذا المكان باكياً يعتصر قلبه الألم لما رآه! وقد ذكر في غير ذلك الموضع نصاً “الفسق، الفجور، العبودية، القوة، كلها تنمو بشكل متسق مؤتلف في هذه التربة الندية الدافئة الخصبة المحاطة بهذه الصحراء المرعبة”.

    ولا أدري سبب اصراره على هذه النقطة تحديداً في أكثر من موضع؟! كما ظهرت نزعته الروائية الخيالية الجامحة في موقف ذكر أنه رآه في مصر العليا أي الصعيد، حيث ذكر: “في أحد المخازن الصغيرة كان هناك طفل رضيع ميت، تُرك مرمياً في ذلك المكان القذر، فوالداه ما يزالان يعملان في أحد الحقول، الرجل يحرث الأرض، والمرأة تتبعه لتلقي البذار خلفه، فيوم العمل لم ينته بعد، وهما ينتظران حلول الظلام كي يتمكنا من دفن ابنهما”، هذا لا يمكن أن يحدث في مصر في أي عصر كان!

    لن يترك أبوين طفلهما نافقاً في العراء ليستكملا عملهما كأن شيئاً لم يكن حتى يدفناه بعد انتهاء أوقات العمل! حتى وإن كان صاحب العمل متزمتاً وقاسياً لأقصى درجة، وهدد بطردهما إن تأخر العمل، سيجدا الكثيرين ممن يتطوعون للقيام بعملهما بدلاً منهما احتراماً لحزنهما على ابنهما واكراماً له بالسعي لدفنه، ربما أراد الكاتب أن يثبت وجهة نظره في القهر الذي يتعرض له المصريون ويقبلون به في صمت حتى وإن اضطر إلى الكذب والتدليس، ربما كان مقبولاً منه ذلك لو أنه بصدد كتابة عمل روائي؛ فهو حر وخياله، أما أن يعرض خياله على أنه حقيقة واقعة فهذا غير مقبول.

    فأدب الرحلات ليس أدباً خيالياً إنما هو توثيق للواقع كاليوميات والمذكرات، ربما يقبل فيه بالتأويل الخاطئ ولكن ليس السرد الكاذب! كان هناك أيضاً بعض الملاحظات السلبية له على الشعب المصري، جرحتني كمصرية، ولكنها حقيقية فلا أستطيع لومه عليها، كوصفه للشعب المصري بالخنوع والاستكانة للظلم وعدم اعتراضه على جبروت الحكام والثورة عليهم على مر العصور، بينما أعجبني في الكتاب تحليله للعرب والمسلمين والشرقيين عموماً قبل الحرب وبعدها، وكيف أثرت الحرب على توجهاتهم نحو الاستعمار وتعاملهم معه خاصة بعد أن تعرفوا على جيوش تلك الدول الاستعمارية عن قرب خلال الحرب ومعرفة سياساتهم وطرقهم الدفاعية وأسلحتهم.

      طريقة تقسيم الكتاب لفصول في كل فصل يتناول فيه موضوع منفصل، كانت طريقة موفقة ومناسبة لتركيز الكلام وعدم تشتيت الانتباه في مواضيع متعددة في نفس الوقت، وفي فصل النيل تحدث عن النيل وكأنه يستشعر أنه سينحسر يوماً ما لتغرق الصحراء الأرض الخضراء، استشعرت في هذا الجزء حاضرنا الحالي وخوفنا المترقب جراء بناء سد النهضة في أثيوبيا الذي قد يؤدي إلى نقصان حصتنا من النيل بشدة، وفي الفصل الخاص بسيناء اعتمد على النظرة اليهودية لسيناء على أنها مهبط ومحط رسالتهم وتضمن الكثير من الأساطير اليهودية، وعلى الرغم من مخالفتها لمعتقداتي الدينية والوطنية بطبيعة الحال إلا إنه كان أكثر جزء استمتعت بقراءته.

    انتهى الكتاب برسالة لسيدة تدعى “مونتينا” لا أعلم من هي ولم يوجه لها رسالة في الكتاب؟! ولكن تلك الرسالة تضمت ملخصاً لما ورد في الكتاب.

سيما حياة (قصة قصيرة)

    عادت حياة من السينما مع جدتها، تلك الفتاة ذات الأربعة عشر عاماً كانت أول مرة لها تدخل سينما في حياتها، لطالما تمنت أن تشاهد الأفلام في السينما كرفيقاتها وتذهب معهن لمشاهدة تلك الأفلام، ولكن أهلها دائماً ما كانوا يقفون لأمنياتها تلك بالمرصاد، فهم يرون أن السينما تلك رجس من عمل الشيطان، ولا يجوز لفتاة محترمة أن تطئها، ولولا أن جدتها أصرت على اصطحابها لما سمحوا لها أبداً أن تدخلها في حياتها.

   حسناً ربما يكونوا محقين في رأيهم، فما أن أظلمت القاعة وبدأ الفيلم حتى رأت شاباً وفتاة في الصفوف الخلفية وقد انصهرا في عناق وقبلات ملتهبة، ولكن حقيقة الأمر أن تلك الأفعال ليست حصراً على السينما فقط، فهي ترى مثل تلك المشاهد كثيراً في المناطق الهادئة على طريق الكورنيش ذهاباً وإياباً لمدرستها؛ فهل يكن من المنطقي أن تتوقف عن السير في الشارع لأن هناك من يقومون بمثل تلك الأفعال الخارجة؟!

    عادة لا تجد أي اجابات منطقية لأسألتها لذا فقد ققرت التوقف عن التساؤل والاكتفاء بما تناله من تلك الحياة دون تساؤل، واليوم سعادتها تطغي على أي تساؤل، فقد تحققت أمنيتها أخيراً، ستذهب لمدرستها لأول مرة لتحكي لرفيقاتها فيلماً شاهدته في السينما، فلطالما حكوا لها عن ما شاهدوه من أفلام ولم تكن تجد اجابة عندما يسألوها لما لا تشاهد أفلاماً حديثة في السينما مثلهن؟! لا زالت تذكر كيف سخروا منها في طفولتها عندما أتت بكل فخر تحكي لهم أنها شاهدت العرض الأول لفيلم “إسماعيلية رايح جاي” في أجازة العيد، ذلك الفيلم الذي كانوا قد شاهدوه جميعاً منذ ما يزيد عن عام في السينما، لتأتي هي الآن بكل بلاهة تريد أن تقص أحداثه عليهم!

   اليوم ستستطيع أن تعلنها لهم بكل فخر أنها شاهدت فيلماً جديداً قد لا يكونوا هم شاهدوه بعد، ولن تكتفي بذلك فقط بل ستقلد بطلة الفيلم أيضاً وستحظى بقصة حب مثلها، ولم لا؟! وماذا ينقصها هي حتى تعيش تلك السعادة مثلها؟! فقط ما كان يحيرها مع من ستعيش قصة الحب تلك؟ فكرت كثيراً ولكنها اكتشفت أنها لا تعرف أي من الجنس الآخر خارج نطاق عائلتها، فمنذ نعومة أظافرها وهي تتلقى تعليمها في مدارس خاصة للفتيات فقط ولا تذهب لمكان آخر سوى المدرسة، لذا فقد قررت أن تختار واحداً من أبناء عمومتها.

   علي، نعم فليكن علي، ولم لا؟ فوالدته دائماً ما تلاحقها كلما رأتها بأنها عروس ابنها المنتظرة، إذن فليكن هو حبيبها المختار، ولتتحول تلك الكلمات الممازحة لحقيقة واقعة، فلن تجد أنسب منه، ولكنه كان قد صرح سابقاً أنه يريد زوجة مطيعة لا تراجعه في أي قرار وتدور حياتها في فلك حياته هو فقط! حسناً فليكن، وماذا في ذلك؟! ألم تتخلى بطلة الفيلم عن وظيفتها المرموقة وطموحها لأجل حبيبها حتى لا تكون أرفع منزلة منه مما يثير حفيظته وحتى لا يشعر بالضآلة بجوارها؟!

    وما أحلامها وحياتها هي مقارنة بما كانت تحظى به بطلة الفيلم؟! أوليس الحب أسمى من أي طموح وآمال؟! أوليس الحب هو الهدف الأسمى لتلك الحياة ولأجله فقط تحيا المرأة؟! فهذا هو ما تعلمته من الأفلام الرومانسية التي تشاهدها ليل نهار على شاشة التلفاز، لابد للفتاة أن تتخلى عن كل حياتها السابقة فور أن تحب وترتبط بشخص ما لتصبح حياته هي حياتها وأحلامه هي أحلامها، لتكون جزءاً من حياته ويصبح هو كل حياتها، وبذلك تصل إلى المثالية وتحظى برضا المجتمع واستحسان الجميع.

    لذا فقد قررت أن تسير على هذا الدرب لتكون ابنة وزوجة وأم مثالية، ستضحي دائماً وتعطي بدون حساب، فهذا هو ما خلقت لأجله، وبذلك ستثبت جدارتها واستحقاقها لتلك الحياة، وأنها تقوم بدورها على أكمل وجه. ارتاحت لقرارتها وخطة حياتها التي وضعتها للتو، وعرفت كيف ستسير في حياتها نحو المستقبل، أمسكت بهاتفها الجوال لترسل له رسالة نصية من كلمة واحدة “بحبك”، وارتمت بجسدها على الفراش لتخلد إلى النوم، فقد أصابها الارهاق الشديد من أثر التفكير والتخطيط، لذا فلتنم الآن لتبدأ حياتها من الغد كما تتمناها!

مبادرة طلع الكاتب اللي جواك في برنامج الملكة

أعزائي المتابعين وكل مهتم بمجال الثقافة والأدب والكتابة

لقد تم ترشيحي مؤخراً للمشاركة في برنامج الملكة بمبادرتي #طلع_الكاتب_اللي_جواك، ستؤهلني المشاركة في البرنامج لتمثيل مصر على مستوى الوطن العربي إن شاء الله.

   تهدف مبادرة #طلع_الكاتب_اللي_جواك إلى تشجيع الناس على القراءة والكتابة للتعبير عن ذواتهم واخراج طاقاتهم ومشاعرهم المكبوتة من خلال الكتابة، وتوعية الناس بفوائد القراءة والكتابة ليس فقط على المستوى المعرفي والثقافي وإنما أيضاً على المستوى الصحي والعلاجي. فقد ثبت بالتجريب فوائد القراءة والكتابة العلاجية للعديد من الأمراض، كالأمراض النفسية والإدمان وعلاج السرطان وكذلك إصلاح وتقويم المساجين والأحداث ورفع الروح المعنوية للمسنين وردهم للحياة، ففي الخارج ودول العالم المتقدم تُعتمد القراءة والكتابة كوسيلة علاجية في كل المستشفيات ومصحات التأهيل النفسي وقد أتت بثمارها بالفعل وفقاً لشهادات العديد من المرضى سواء مرضى السرطان أو المرضى النفسيين الذين تم شفائهم بعد أن أطلقوا العنان لأنفسهم في التعبير عن كل ما يمرون به ويؤرقهم من خلال الكتابة، وقراءة العديد من الأعمال الأدبية التي تتناول مشاكلهم وأمراضهم بنحو إيجابي مما أعطاهم دفعة أمل وقدرة على الشفاء.

    والفئة المستهدفة من المبادرة ليست المرضى فقط وانما كل انسان، فكما نقول دائماً ان الوقاية خير من العلاج، فلم ننتظر أن نمرض بمرض ما حتى نبدأ العلاج بالكتابة أو القراءة ما دام العلاج في متناول أيدينا بكل سهولة، فإن أغلب الأمراض التي تنتابنا سواء كانت نفسية أو جسدية هي غالباً ما تكون بتأثير الحالة النفسية السيئة التي نمر بها، والتي غالباً ما تتفاقم نتيجة كبت المشاعر وعدم البوح بها، ولكن الكتابة تتيح لنا أن نعبر عن كل ما بداخلنا دون خوف، فليس شرطاً أن يطلع أحد على ما نكتب، فنحن فقط نكتب لنعبر عن ما بداخلنا.

    سأكون شاكرة وممتنة لكم إن قمتم بدعمي في برنامج الملكة حتى تتاح لي فرصة الفوز. يشارك في البرنامج حوالي ستون مرشحة من كافة أرجاء الوطن العربي، وسيتم إذاعة البرنامج على محطات التلفاز العربية، ومن المتوقع تلقي التغطية الإعلامية لحجم مشاهدة يتراوح بين 2 مليون إلى 3 مليون مشاهد.

يمكن دعم مشاركتي ومبادرتي في البرنامج من خلال الوسائل الموضحة أدناه أو كلها:

  • مشاركة حلقتي في البرنامج على صفحاتكم على السوشيال ميديا

https://www.facebook.com/ArabWomenOfficial/videos/778449042340322/

  • التصويت لمبادرتي #طلع_الكاتب_اللي_جواك على الموقع الإلكتروني للبرنامج من خلال الرابط التالي:

https://goo.gl/JFhv3v

  • تصوير فيديو قصير لإعلان دعمكم للمبادرة يشمل تعريف بشخصكم ورأيكم في المبادرة وأهدافها.

    إن كنتم مهتمين بدعمي برجاء التواصل معي عبر صفحتي الشخصية

    شكراً جزيلاً على وقتكم واهتمامكم

    تقبلوا خالص التحية،

سارة الليثي

عمارة حسن فتحي في مركز الجزيرة للفنون

كتبت: سارة الليثي

     نظم مركز الجزيرة للفنون بالقاهرة أول أمس الثلاثاء في السابعة مساءاً ندوة لمناقشة كتاب الأعمال الكاملة لحسن فتحي في ذكرى رحيله الثامنة والعشرين، أدار الندوة المهندس المعماري “عمرو رؤوف”، ودارت الندوة حول أهمية نظريات شيخ المعماريين “حسن فتحي” في حل مشاكل العشوائيات ومساكن الفقراء والريف بتوفير مساكن آدمية لهم، وكيف أن نظرياته تلك التي وضعها لخدمة الفقراء والارتقاء بالمظهر الحضاري لمصر صارت تستخدم في بناء منازل الأغنياء والمنتجعات والقرى السياحية وتجاهلت سكان العشوائيات والمقابر ليظلوا يعانون في مساكنهم الغير آدمية وتتآكلهم الأمراض نتيجة للبناء الغير صحي.

     وتطرقت الندوة إلى أهمية التخطيط للأمر برمته عند انشاء مثل هذه المساكن؛ فلا يكفي أن تنشئ الدولة قرية ما لسكان العشوائيات أو المقابر بتطبيق تلك النظريات المعمارية ولكن لا تؤهل تلك القرى للسكن فيها بتوصيل المرافق اللازمة وانشاء خطوط مواصلات عامة ذات كلفة منخفضة مع مراعاة أسعار الايجارات للسكان في تلك المناطق وإلا فما جداوهم للانتقال إليها إذا كان ذلك سيكلفهم ما لا يطيقونه مادياً حينها سيفضلون البقاء في عشوائياتهم حفاظاً على مصادرهم المادية ولقمة عيشهم.

    وأشار المهندس “عمرو رؤوف” أن هذا ما حدث بالفعل في عدة مشروعات أقامتها الدولة لنقل سكان العشوائيات لمبان وقرى جديدة فما كان منهم إلا أن رفضوا الانتقال لبعدها عن أماكن عملهم وكلفة وسائل النقل والإيجار العالية التي ستأتي على كل مصادرهم المادية ولا تبقي لهم شيئاً يقتاتون منه، وأن على الدولة الامتثال في ذلك بما فعله البارون إمبان منذ قرن من الزمان حين أسس حي مصر الجديدة فأنشأ له خطوط المواصلات اللازمة قبل انشاء الحي نفسه.

     وأضاف أن الدولة الآن تنشئ المدن الجديدة دون ربطها بالمدن القائمة بخطوط نقل ومواصلات ومرافق حيوية مما يجعل المواطنين يعزفون عن السكن فيها، ويتعلل المسئولون بارتباط المواطن المصري بشريط وادي النيل والدلتا الضيق والسكن حوله منذ قديم الزمان وأن هذا هو سبب عزوفهم عن سكنى المدن الجديدة، على الرغم من أن نفس المصري الذي يتحدثون عنه لو وجد مصدر رزق أفضل في أقصى الأرض سيذهب إليه عائماً في بحور الظلمات مع احتماليات عدم نجاته المتوقعة؛ فكيف لن يبرح وادي النيل والدلتا لو وجد فرص أفضل للحياة والسكن والعمل في المدن الجديدة؟!

    وفي نهاية الندوة تم فتح باب المناقشة والتفاعل للحضور، وقد شهدت الندوة حضوراً للمهندسين من كافة التخصصات والمهتمين بالشأن المعماري والبيئي، والذين ابدوا اعجابهم بفكر شيخ المعماريين “حسن فتحي” وأفكاره التي تناسب تطورات الزمن في كل حين.

رحلة طموح (قصة قصيرة)

  استيقظت “سمية” من نومها كعادتها كل صباح على صوت “أم كلثوم” تشدو:

يا صباح الخير ياللي معانا

الكروان غنى وصحانا

والشمس طالعة وضحاها

   اعتادت منذ طفولتها أن تستيقظ كل صباح على ذلك الصوت الشجي منطلقاً من مذياع قهوة عم “صابر” المجاورة لمنزلهم، وكانت إذا ما طرأ طارئ على عم “صابر” ولم يفتح القهوة يوماً أو تأخر عن موعده، لا تستطيع الاستيقاظ بسهولة، وتُجهد أمها حتى توقظها لتذهب إلى المدرسة، مما اضطر أمها أن تضع لها مذياعاً خاصاً في غرفتها لتوقظها به كل صباح على أغنية “أم كلثوم”، وهاهي الآن بعد أعوام طويلة لازالت عندما تريد أن تستيقظ في الصباح لابد أن تضبط منبه هاتفها الجوال بأغنية “أم كلثوم” لتستطيع الإستيقاظ.

  • اطفي الهباب ده!

    صرخت بها “عبير” زميلتها في الغرفة بنزل الفتيات، وقطعت عليها حبل ذكرياتها؛ فأغلقت رنين المنبه، في البداية كانا يتشجاران كثيراً حول هذا الموضوع خاصة أن “سمية” كانت تعدها إهانة لا تغتفر لصوت “أم كلثوم”، وعلى الرغم من أن “عبير” ذوقها لا يتعدى “أوكا وأورتيجا” إلا أنها لم تكن تقصد أي إهانة لأي أحد، ولكن إصرار “سمية” على أن تضع تلك الأغنية نغمة للمنبه الذي يوقظها في السابعة صباحاً بل واستمتاعها بالاستماع إليها لمدة دقيقة كاملة حتى يتوقف المنبه تلقائياً هو ما كان يثير أعصاب “عبير” التي تود استكمال نومها بأمان دون إزعاج.

  استغرق منهما وقتاً طويلاً حتى يستطيعا فهم بعضهما البعض وتكوين صداقة بينهما على الرغم من اختلاف أذواقهما، ولكن بالرغم من ذلك ظلت “سمية” على اصرارها بوضع تلك الأغنية نغمة منبهها الصباحي، ولكنها لم تعد تتشاجر مع “عبير” عندما تصيح بها طالبة منها اغلاق ذلك المنبه.

  خرجت “سمية” من غرفتها متوجهة إلى المطبخ؛ لترى ماذا تعد الفتيات للفطور وتساعدهم فيه.

  • هتعملوا ايه على الفطار النهاردة؟
  • هنعمل ايه يعني؟ كالعادة بيض وفول وجبنة.
  • عايزين أي مساعدة؟
  • ليه هو حضرتك مستنية نحضر احنا الأكل ونجيهولك لحد عندك وانت قاعدة ملكة في مكانك؟!
  • طب أعمل ايه يعني؟
  • اعملي اللي تعمليه، على الأقل تقدري تغسلي المواعين وتطلعي الطباق برة على الترابيزة!

  ذهبت “سمية” لغسل الصحون في حوض المطبخ، وهي متألمة من طريقة كلام تلك الفتاة معها، ولكنها اعتادت على ذلك واصبحت لا تشكو لأحد من أحد، ولماذا تشكو إذا كان لا أحد يسمعها من الأساس، كل منهن لديها مشاكلها وإحباطاتها التي تفرغها على من حولها، وما من واحدة منهن لديها الاستعداد لتتحمل هموم ومشكلات الأخرى فما بها يكفيها بل ويفيض إذا ما وجدت أحد تفيض له ولكن لا أحد لهن!

  انتهت الفتيات من اعداد الإفطار وجلسن جميعاً يتناولن الإفطار معاً وهن يتبادلن الحديث والنكات، وبعد أن انتهين من تناول الإفطار ذهبت كل منهن إلى عملها كالمعتاد، وتوجهت “سمية” إلى دار الأوبرا لتزاول تدريباتها المعتادة مع الكورس. لقد أتت إلى القاهرة منذ عامان على أمل أنها ستصبح مطربة مشهورة ولكن للأسف مضى عامان كاملان وهي لا تزال عند نقطة البداية لم تتحرك شبراً واحداً منها، كانت تظن أن صوتها سيفرش لها طريقاً من الورود لتسيره بمنتهى السهولة.

  ولكنها اكتشفت الحقيقة المرة: لم يعد الصوت الشجي هو السبيل للغناء بل أضحت هناك سبل عديدة لم يعد من ضمنها إطلاقاً روعة الصوت من عدمه، ولتصل إلى تلك الحقيقة صدمت مرات عديدة على أبواب المنتجين الموسيقيين والملحنين الذين كان سؤالهم دائماً عن حجم التنازلات الأخلاقية التي هي على استعداد لتقديمها لهم ليفتحوا لها أبواب المجد والشهرة، ولم يسألها أحد يوماً عن مدى روعة صوتها الذي تسعى لإيصاله للجمهور، بل لم يحاول أحداً منهم أن يستمع إلى صوتها ولو مرة واحدة من الأساس.

  كانت أحياناً كثيرة يتسلل اليأس إلى نفسها وتتسائل عن جدوى بقائها في القاهرة وتضحيتها بأهلها ورضاهم عنها لتجري وراء حلم كالسراب؛ فقد حاربت العالم كله لأجل ذاك الحلم الذي كلما خيل إليها أنها اقتربت منه تجده كالسراب، أبعد ما يكون عنها، لقد أحبت الغناء العربي الأصيل منذ نعومة أظافرها، كانت تمضي أغلب أوقاتها تستمع إلى غناء “أم كلثوم” و”عبد الوهاب” و”فيروز” و”نجاة الصغيرة” و”فريد الأطرش” و”أسمهان” و”عبد الحليم حافظ” و”صباح”، ولكن “أم كلثوم” بالنسبة لها كانت القامة والهرم الذي لا تظن أنه سيتكرر يوماً ما.

    كانت عائلتها تجتمع يومياً في الثانية عشرة مساءاً جوار المذياع ليستمعوا إلى احدى حفلات “أم كلثوم” على إذاعة الأغاني ويسترجعوا معها الذكريات، كانت دائماً ما تستمع من والديها عن ذكرياتهما مع حفلات “أم كلثوم” عندما كانا صغاراً، فقد حضر كلاً منهما عدة حفلات مع أهله وقتها، كانت عائلاتهما تسافر خصيصاً إلى القاهرة في الخميس الأول من كل شهر لحضور حفلة “أم كلثوم”، ونادراً ما فاتهم احدى حفلاتها، وكثيراً ما اكتشفا أنهما حضرا نفس الحفلة وتضاحكا على ذلك وظنا أنهما قد تلاقيا في صغرهما.

   كانت تجلس بين والديها تستمع إلى “أم كلثوم” وإلى ذكرياتهما معها قبل أن تخلد إلى النوم؛ فكان آخر ما يطرق سمعها وأول ما تستيقظ على سماعه يومياً هو صوت “أم كلثوم”، كانت تتباهى بين زميلاتها في المدرسة بحبها لـ”أم كلثوم” في الوقت الذي كانت لا تطيق الواحدة منهن الجلوس ساعة كاملة وربما أكثر للاستماع إلى احدى أغاني “أم كلثوم”، وكانت دائماً ما تجد التشجيع من أهلها ومعلميها عندما تتبارى في الحفلات المدرسية أو العائلية بتقليد “أم كلثوم” وغناء بعض من أغانيها.

  ولكن عندما كبرت وصرحت بحبها للغناء ورغبتها في امتهانه والالتحاق بمعهد الموسيقى العربية في القاهرة لدراسته فوجئت برفض عارم وهجوم شديد لتكتشف بين ليلة وضحاها أن الغناء حرام، لم إذاً لم يكن حراماً عندما كانوا يجتمعون يومياً لسماع أغاني “أم كلثوم” في الإذاعة؟! لم لم يكن حراماً عندما كانوا يذهبون لحضور حفلات “أم كلثوم” مع أهاليهم ويسافرون خصيصاً ويقطعون المسافات الطويلة لحضورها؟! لم لم يكن حراماً عندما كانوا يتباهون بجمال صوتها وحفظها لكل أغاني “أم كلثوم”؟!

    لم لم يكن حراماً عندما كانوا يطلبون منها في كل حفلة أو اجتماع عائلي أن تغني لهم مما غنت “أم كلثوم”؟! أفجأة أصبح الغناء حراماً؟! وكيف يكون الغناء حراماً وقد خلق الله الكون يغني؟! أليس الله هو من خلق الطيور بأصواتها المختلفة تشكل لحناً غنائياً رائعاً؟! أليس صوت هدير المياة وارتطامها بالصخور وصوت الأمطار وقت هطولها تحيى الأرض البور يعزف نوتة موسيقية ربانية رائعة؟! أوليس صوت الرياح وهي تداعب أغصان الشجر تشكل معزوفة لحنية غاية في الطرب؟!

    ألم يكن نبي الله “داوود” يترنم بتسابيحه وابتهالاته لله بما عُرِف إلى الآن بمزامير داوود، وكانت تجتمع الإنس والجن بل والحيوانات لتطرب من ترانيمه؟! ألا يتبارى مقرئوا القرآن في إبراز أصواتهم والتغني بآيات الله؟! أولم يحثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ذلك قائلاً في صحيح البخاري: “ليس منا من لم يتغن بالقرآن”؟! فكيف بعد ذلك كله يحرمون الغناء ما لم يتفحش بقول أو يحض على حرام؟! وقد كان للغناء طوال العصور مكانة عالية في الدولة الإسلامية.

    لقد كان للمغنيين والموسيقيين والشعراء منزلة رفيعة عند خلفاء المسلمين في كل العهود، بل إن الموسيقى الحالية تعتمد في كثير منها على القواعد والنظريات التي وضعها علماء الإسلام في الموسيقى أمثال: “الفارابي” و”زرياب” و”أبو الفرج الأصفهاني” و”الكندي” و”الموصلي”، والذين يعدوا هم واضعوا علم الموسيقى في الأساس، فكيف إذاً صارت الموسيقى والغناء حراماً بعد قرون من رحيلهم؟! أسئلة كثيرة لم تجد لها جواباً شافياً عندهم، فقط ما وجدته كان التعنت والرفض القاطع لامتهانها الغناء وكأن الغناء سيجلب لهم العار ويفقدهم هيبتهم في المجتمع.

    ولأنها كانت لا تزال صغيرة حينها لا تمتلك قرارها بيدها ولا تستطيع حزم أمرها بنفسها، حاولت الوصول معهم لحل وسطي يرضيها ويرضيهم؛ فاقترحت عليهم دراسة الموسيقى بكلية التربية النوعية في محافظتهم بصعيد مصر؛ فوافقوا ظناً منهم أن هذا قد يشبع حبها للموسيقى والغناء وأن عملها كمدرسة بعد التخرج سيلهيها عن حلمها في الغناء، وقنعت هي مؤقتاً بهذا ظناً منها أنها خلال فترة دراستها بالكلية ستستطيع اقناعهم بحلمها عندما تصقل موهبتها بالدراسة ويرون بأعينهم تفوقها، ولكن آمالها تلك تحطمت على صخرة الواقع!

   بعد تخرجها عرض عليها أحد أساتذتها السفر إلى القاهرة للتدريب في الأوبرا لتصقل موهبتها وتجد طريقاً لها، كادت أن تطير من الفرح عندما عرض عليها ذلك، ولكن عندما أخبرت والديها بذلك أسودت الدنيا في وجهها، فلقد خيروها بينهم وبين المضي قدماً في تحقيق حلمها، لم تشفع لها دموعها وتوسلاتها، فلم يكن أمامها إلا أن تختار أن تسير وحدها على الطريق دون دعم أو دعوة طيبة تذلل لها الصعاب، حتى إن حبيبها الذي وهبته قلبها لم يستطع تفهمها، لم يقدر موهبتها ولم يمنحها حقها في الحلم.

    فقد خيرها هو أيضاً ما بين حلمها وبين زواجهما، لقد رأى أن وقوفها على المسرح للغناء انتقاصاً لرجولته واهانةً لكرامته، أخبرها أنه لم يكن يناقشها من قبل ظناً منه أنها ستنضج يوماً ما وتتخلى عن تلك الأحلام الطفولية وتعي أن هناك مسئوليات من المنتظر منها القيام بها، آلمها أنها أحبت يوماً رجلاً أنانياً بقدره، لا يرى فيها سوى تابعة له، تحقق له ما يصبو إليه من أحلام، وليس من حقها أن تحلم لنفسها بشيء، ويكفيها فخراً أن يكون هو راضياً عنها!

  لم يشجعها أحد البتة في تحقيق أحلامها، حتى صديقاتها رغم تعاطفهن معها إلا أنهن حاولن إثنائها كثيراً عن المضي في طريق حلمها، خوفاً منهن عليها من تبعات ذلك الطريق وتخلي أهلها عنها، إلا أنها أصرت على المضي في طريقها وضحت في سبيله بكل غالي ونفيس، وظنت أنها عندما ستصل إلى هدفها دون أن تضحي بأخلاقها وقيمها ستثبت لأهلها أنها كانت على حق وستجعلهم فخورين بها، ولكن طال الطريق بها ولم تصل لشيء بعد، حتى بدأ اليأس يدب في قلبها.

    كانت تشتاق كثيراً لحضن أمها لترتمي فيه وتشكو لها من قسوة الحياة، كانت كلما رأت رجلاً أو امرأة كبيري السن في الشارع تذكرت والديها وسارعت بمساعدتهما في عبور الشارع أو حمل ما يثقلان بحمله، طالبة منهم دعوة طيبة تهون عليها غربتها عن والديها، وآملة في نفسها أن يكون ذلك سبباً في تليين قلب والديها عليها يوماً ما.

  وذات يوم –ربما كان ذلك يوم حظها- كانت في الأوبرا كالعادة تغني مع الكورس في إحدى الحفلات، وبعد انتهاء اليوم، لم تكن لديها الرغبة في العودة إلى نزل الفتيات في ذلك الوقت؛ دخلت احدى القاعات وظنت نفسها وحدها لا يسمعها أحد فوقفت تغني بإندماج احدى أغنيات “أم كلثوم” الرائعة:

لسة فاكر قلبي يديلك أمان

ولا فاكر كلمة هتعيد اللي كان

ولا نظرة توصل الشوق والحنان

  وبعد أن أنهت الأغنية وجدت من يصفق لها بحرارة؛ فنظرت نحوه فوجدته الملحن والمغني الشهير “محمد يوسف” ولم تدري ماذا تفعل وتسمرت مكانها حتى اقترب منها يسلم عليها محيياً ومعلناً عن إعجابه الشديد وانبهاره بصوتها، سألها: اسمك ايه؟

  • سمية محمد محمود.
  • سومة؟

  أومأت برأسها في خجل فقد كان ذاك اسم الدلع الذي يطلقه عليها والديها تيمناً بـ”أم كلثوم”، وقد سمياها “سمية” حتى يناديها بذلك الاسم، فقد كان من الصعب أن يسمياها “أم كلثوم” في ذلك العصر كان سيبدو اسماً كبيراً لطفلة صغيرة؛ فاختارا لها اسم “سمية” حتى يناديها بـ”سومة”.

  • انت صوتك رائع.
  • لا، أنا كنت بس….
  • ششششششش، بجد انت غنيتي أحسن مني أنا شخصياً!
  • حضرتك بتجاملني أكيد!
  • لا، أنا مبهزرش ولا بجامل في حاجة تخص الغنا والموسيقى، انت نفسك تبقي مغنية مش كدة؟!
  • مين قال كدة؟
  • أنت، نظرة عينك وهي بتبص على صورة “أم كلثوم” على الحيطة وانت بتغني أغنيتها كانت زي نظرة الطفل اللي بيبص للقمر وعايز يلمسه، لدرجة إنك محستيش بوجودي، النظرة دي قالت لي كل حاجة.
  • كل الناس بتبص للقمر ونفسها توصله ايه المميز في كدة؟
  • البداية، كل الناس بتبص للقمر وبتحلم بيه، لكن مش كلهم بيحاولوا فعلاً يوصلوا ليه ويلمسوه بأيديهم، أنت عندك الإرادة اللي تخليكي توصلي بس محتاجة حد يزقك.
  • ايه اللي سمعته في صوتي مسمعهوش حد قبل كدة؟! أنا حاولت كتير بس محدش رضي يديني فرصة!
  • عشان كدة أنا هنا؛ عشان أديكي الفرصة دي.

راجعت خيباتها المتلاحقة في ذهنها فبادرته قائلة بنظرة شك: أنا مش من البنات إياهم.

ضحك قائلاً: وأنا مبقولش الكلام ده لبنات من إياهم.

  • آسفة، لكن على رأي المثل: “اللي اتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي”.
  • تمام يبقى أشوفك بكرة.

 وأعطاها بطاقته، وسلم عليها راحلاً، لم تكن تعي ما حولها من الفرحة، لم تكن تعلم إذا ماكانت تحلم أم أن ما حدث حقيقة، ظلت تنظر طويلاً للبطاقة وهي لا تصدق نفسها، لم تنم ليلتها، وفي الصباح الباكر توجهت إلى مكتبه، كان جاداً حولها، وجدته قد قرر أن يطلقها كمغنية في احتفالات رأس السنة الجديدة، كان قد نظم لها جدولاً حافلاً للتدريب طوال الشهر المتبقي، واختار لها افضل الكلمات ووضع لها أرقى الألحان، أمضت شهراً حافلاً بالتدريبات والتسجيلات وهي لا تزال غير مصدقة لما يحدث.

    بدأت أخبار اطلاقها تستحوذ على معظم الأخبار الفنية، واعلانات ألبومها الغنائي تغرق شاشات التلفاز ومحطات الإذاعة، الكثيرون ينتظرون سماعها بفارغ الصبر، ووصلت أخبارها لأهلها، فوجئوا بها وفوجئوا أنها لا زالت ابنتهم التي ربوها، لم تتنازل عن أخلاقها وقيمها لتصل إلى ما هي عليه، لازالت ببرائتها تلك تكسو وجهها، لم يخدش حيائها شيء، وقبل أول حفل لها فوجئوا بالملحن “محمد يوسف” يطرق بابهم راجياً منهم حضور حفلها الأول؛ فقد كان يعلم جيداً أن ذلك سيعني لها الكثير ويعلم أيضاً أن كبرياء الأب والأم سيمنعهما من اتخاذ تلك الخطوة وحدهما دون أن يخبرهما أحد كم تشتاق لهما ابنتهما وكم تحتاجهما إلى جوارها.

   وقفت أمام المرآة تستعد إلى حفلها الأول، ارتدت أبهى فستان، وعلى الرغم من سعادتها البالغة إلا أنها كانت تغالب دموعها، فكم كانت تتمنى وجود والديها معها في ذلك اليوم، حاولت التماسك لتصعد إلى المسرح وتغني لجمهورها الذي انتظرها بفارغ الصبر، وما إن بدأت فقرتها واعتلت المسرح حتى فوجئت بوالديها يجلسان في مقدمة الصفوف وأعينهما تغرورق بالدموع وهما يصفقان لها بحرارة، لتجد دموعها تنساب رغماً عنها، وتعلن أن أغانيها اليوم مهداة إلى والديها فقط اللذان كان لهما الفضل الأكبر في حبها للغناء الراقي والموسيقى ولولاهما لما وقفت يوماً على ذاك المسرح.