في ذكرى مولدي

  في مثل هذا اليوم (الاثنين 3 ديسمبر 1990م) جئت إلى الدنيا، وفيما يبدو أنني لم أكن أرغب في القدوم فقد كنت أعرف أنها أشد ظلمة من رحم أمي، وأنه لن يوجد مكان آخر أشعر فيه بذلك الأمان الذي كنت أنعم به في رحم أمي؛ فأمي تخبرني أنني ولدت في الأسبوع الثالث من الشهر العاشر للحمل دون أن تأتيها آلام المخاض؛ فقد كانت في زيارة دورية عادية للطبيب ولا تشعر بأي من ألام الولادة ولكن الطبيب هو من أصر حينها على أن يقوم بعملية التوليد نظراً لطول مدة الحمل.

    كنت متشبثة برحم أمي ولا أود الخروج منه لظلمة هذه الحياة، حاولوا معي بشتى الطرق والتي كانت آخرها سحبي بالشفاط (Gift)، وتطلبت عملية اخراجي من رحم أمي ما يقرب من نصف يوم، وعندما ولدت لم أتفاعل مع العالم الخارجي، لم أبكي ولم أصدر صوتاً، حتى أن أمي ظنت أنني ولدت ميتة، ولكنني فقط كنت معترضة على اخراجهم لي رغماً عن ارادتي، لم أكن أريد أن أولد وكفى، ألا يعد هذا سبباً منطقياً ليتركونني وشأني؟! ولكن كان للطب رأي آخر.

    رأى الطبيب أنني أعاني نقصاً في الأكسجين وذلك هو سبب ازرقاق جسدي؛ فطمأن أمي وأعلمها بحالتي ووضعني في الحضّانة لإمدادي بالأكسجين، وما لبثت أن أصبحت في حالة طبيعية ويخبرونني أنني كنت طفلة جميلة ولكنها عنيدة أيضاً، ولم لا؟! فمنذ أول لحظة لي في تلك الحياة بل ربما قبلها أيضاً، قررت أن أعاند تلك الحياة، ولا زلت إلى اليوم أعاندها فأغلبها مرة وتغلبني مرات ولكنها أبداً لن تكسرني!

Advertisements

من ذكريات ثورة يناير: مليونية الفرصة الأخيرة

في خضم الدعوات للنزول إلى الشارع احتجاجاً على سياسات الانقلاب العسكري أحببت أن أشارككم تلك الذكريات من عام 2011 في الفترة ما بعد ثورة يناير:

 

    ذهبت إلى ميدان التحرير في مليونية الفرصة الأخيرة؛ لأطالب مع الثوار بتنفيذ مطالب ثورة 25 يناير التي لم ينفذ منها شيء، وتسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة ومحاسبة مبارك والحكومة الفاسدة وقتلة الثوار، كان الميدان مليئاً بالثوار الشرفاء الذين جاءوا لممارسة حقهم المشروع في التظاهر وإبداء رأيهم بحرية في البقعة الوحيدة من مصر التي نالت استقلالها ولا سلطة عليها إلا لإرادة الثوار الحرة، جاءت آلاف مؤلفة من كل بقاع مصر؛ للتعبير عن رأيهم بحرية، ورغبتهم في نيل حياة كريمة على أرض وطنهم مصر وهذا أبسط حقوقهم!

  كان للميدان ميثاق وقوانين متعارف عليها بين الثوار تمنع أي دعاية حزبية أو لمرشحي الانتخابات سواء البرلمانية أو الرئاسية في الميدان، والإصرار على المحافظة على سلمية الثورة وعدم الانسياق وراء أي صدامات أو استفزازات، وعدم تخوين أي فصيل أو شخصية عامة شاركت في الثورة في حالة عدم نزولها الميدان الآن، والتركيز على المطالب المتفق عليها بين جميع التيارات من سرعة تسليم السلطة لحكومة مدنية منتخبة ومحاكمة المخلوع والفاسدين وقتلة الثوار وترك المطالب المختلف عليها جانباً الآن.

  كانت الشعارات والهتافات التي تتردد في الميدان هي: “يا نجيب حقهم يا نموت زيهم”، “يا أهالينا انضموا لينا الكرامة ليكوا ولينا”، “يسقط يسقط حكم العسكر.. إحنا الشعب الخط الأحمر”، “الشعب يريد إسقاط المشير”، كما ترددت شعارات الثورة مرة أخرى من أمثال: “مش هنمشي هو يمشي”، “اللي مبيفهمش عربي ارحل يعني امشي”. كان هناك مجموعة من الشباب يحملون لافتات مقلوبة مكتوب عليها: “نحب جيشنا نعم ولكن لا للمجلس العسكري”، وعندما يلفت أحد نظرهم إلى أن الورق مقلوب يقولون له: “اعدل البلد عشان الصورة تتعدل ما البلد كلها حالها مقلوب“.

  كان هناك عائلة تتكون من أم وأب وطفلان صغيران، لأول مرة يشاركون في المظاهرات يعدون أنفسهم من الأغلبية الصامتة، رفع كل منهم لافتة مكتوب عليها: “نحن من الأغلبية الصامتة ونؤيد الثوار حتى يسقط المشير”، وعند سؤالهم عن سبب نزولهم هذه المرة، قالوا: “إن الأغلبية الصامتة تتخذ ذريعة دائماً لبقاء الأنظمة الفاسدة، فأيام مبارك كانوا يقولون أن من في التحرير هم مليونين أو ثلاثة لا يمثلون 85 مليون مصري ونفس الكلام أيضاً يقال الآن؛ لذا قررنا النزول للتعبير عن أن الأغلبية الصامتة صمتها ليس موافقة على تلك الأنظمة الفاسدة وحتى لا تتخذ ذريعة في بقاء الفساد وقتل إخواننا في ميدان التحرير وسفك دماءهم“.

   ومن بعض الطرائف في الميدان أحد الشباب الذي كان يحمل لافتة كتب عليها: “بيقولوا المجلس العسكري خط أحمر… ما بلاش فلسفة ويقولوا إنه فودافون على طول”. وكان شباب الألتراس يحتفلون في الميدان- كعادتهم في مباريات الكرة- بالشماريخ واطلاق الهتافات بطريقة غنائية واستخدام الطبول والدفوف. وعند خروجي من الميدان صادفت أحد الشباب كان يوزع إستيكرز للمناداة بإجراء الانتخابات في موعدها مع استمرار الاعتصام في التحرير؛ لأنها السبيل الوحيد لإقامة الديمقراطية وأولى خطوات التخلص من المجلس العسكري وبناء الدولة المدنية.

   غادرت الميدان بعد العشاء وأنا أتمنى أن تكون هذه آخر مرة نلجأ فيها للميدان، وأن تقوم دولة الحرية والعدالة على أرض بلدنا الحبيب مصر، أن يعم السلام والمساواة أرجاء الوطن، ويشعر كل فرد فينا أن هذا الوطن ملكه وأنه سيداً في وطنه، ولا نحتاج يوماً أن نعود لذلك الميدان سوى لزيارته وتذكر أيام تلك الثورة المجيدة والفخر بها، وحمد الله أنها قامت لنحصل على تلك الحياة الكريمة؛ فهل سيتحقق ذلك؟!

أنا والقلم

 

    منذ طفولتي كان القلم رفيقي الدائم، لم يكن يترك أصابعي ولو للحظات، أذكر أنني في طفولتي كنت أحياناً أدخل الحمام بصحبة قلمي، وكم حدثت من مشاجرات بيني وبين المعلمات في المدرسة بسبب قلمي، ومنها أنني ذات مرة وأنا في المرحلة الابتدائية –لا أتذكر أي صف- طلبت منا المعلمة –أذكر أن اسمها كان نجوى وأعتقد أنها كانت معلمة الرياضيات- أن نترك القلم لنستمع إلى شرحها؛ ففهمت المغزى بأن نركز في شرحها ولا نستمر في الكتابة؛ فتوقفت عن الكتابة ولكن ظللت ممسكة بالقلم بين أصابعي.

رأت احدى زميلاتي في الصف –لا أذكر من هي ولكني أذكر أنها كانت تجلس خلفي تماماً- أنني أخالف أوامر المعلمة وواجبها يحتم عليها أن تخبر معلمتها بهذه المخالفة الجسيمة، فما كان منها إلا أن صرخت بأعلى صوتها منبهة المعلمة أنني لا أزال ممسكة بالقلم بين أصابعي، لم أتصور للحظة أن المعلمة ستأخذها على محمل الجد إذ أنني نفذت ما كانت ترمي إليه من الانتباه لشرحها وعدم الانشغال عنها بالكتابة. ولكن يبدو أنني كنت مخطئة، فإذا بها تهجم علي لتأخذ مني قلمي.

فما كان مني إلا أن أدافع عنه بحياتي فأخبأته تحت المنضدة (الديسك) حتى لا تصل إليه–ظناً مني أنني سأربح بهذه الطريقة- ولكن يبدو أن تلك المعلمة أصرت أن تساوي عقلها بعقل طفلة في أوائل عمرها، فإذا بها تأخذ حافظة أقلامي (المقلمة) كاملة بما تحتويه من كل أنواع الأقلام والألوان؛ فما كان مني إلا أني انفجرت باكية بطريقة أضاعت عليها ماتبقى من الحصة، واضطررنا في النهاية اللجوء إلى مديرة المدرسة –أبلة فاطمة العزيزة إلى قلبي والتي طالما أنهكتها بمشاكلي وتأخري الدائم على الحصة الأولى- والاحتكام إليها.

فجعت الأخيرة بطريقة بكائي المستميت كمن فقد غالياً أو عزيزاً لا يمكنه تعويضه، حاولت تهدئتي وأنتهى الموقف لصالحي بالطبع حيث أعادت لي كنزي الثمين، وإلى يومنا هذا لا أستطيع تفسير تصرفي وانهياري الفظيع هذا؛ فبالتأكيد كان يمكنني استرجاع حافظة أقلامي تلك بسهولة إذا ما أشتكيت للمديرة دون بكاء أو عن طريق والدتي وفي أسوأ الظروف كان سيشتري والدي لي غيرها، ولكن يبدو أن تعلقي بأقلامي الخاصة كان أقوى من أي منطق، فأنا لا أتخلى عن قلمي حتى آخر نقطة حبر أو رصاص به.

وفي فترة ما كنت أحتفظ بأقلامي الفارغة، ولكن الأمر خرج عن السيطرة حيث لم أجد مكاناً أحتفظ بهم فيه فيما بعد مما اضطرني أن أتخلى عن هذه الفكرة المجنونة وأحتفظ فقط بالأقلام غريبة الشكل والهدايا التي تستحق الاحتفاظ بها، وقد ظل تعلقي بالقلم هذا قائماً حتى تخرجي من الجامعة، فقد كتبت به كل أبحاثي وملخصاتي وقصصي وأشعاري التي أشتركت بها في مسابقات عدة ونلت عنها جوائز مختلفة، فقد شاركني قلمي كل تلك اللحظات السعيدة بل كان هو السبب فيها.

ولكن بعد تخرجي من الجامعة وحصولي على أول جهاز كمبيوتر محمول خاص بي، عرفت طريقي إلى لوحة المفاتيح الإلكترونية ومن ثم فقدت تواصلي مع القلم، كان لا يفارق يدي ذات يوم، والآن أصبحت أمضي الشهور دون أن أخط به حرفاً، فقدت تواصلي مع كلماتي عندما كنت استنشق عبيرها مع رائحة الحبر على الورق، ساء خطي كثيراً حتى فقدت القدرة على فك طلاسمه، كم خسرنا بتلك التكنولوجيا!

سكة سفر

  عدت إلى أسيوط بعد غياب دام أكثر من سبع شهور كدت فيهم أن أنسى ملامح طريق السفر، فلم أمكث هذه المدة من قبل في مكان واحد دون سفر، فيما عدا السنوات الأربع التي قضيناها في اليابان خارج مصر،  فمنذ طفولتي ونحن نقضي فترة الدراسة في أسيوط وفترة الأجازة ما بين القاهرة واسكندرية، ولا تطول أي منهما لتلك المدة، وفي الفترة الأخيرة كثر ترددنا على القاهرة منذ أن التحق أخي بمعهد الهندسة في العاشر من رمضان.

فقد صاحب ذلك أيضاً تخرجي من الكلية وتفرغي التام فلا شيء يُلزمني بالتواجد في فترات معينة في أسيوط، وتلا ذلك مرض جدتي وعدم قدرتها جسدياً على الاعتناء بأمور أخي الذي يمكث معها للدراسة،  وذلك ما اضطرنا للمكوث تلك المدة الطويلة مؤخراً، وأخيراً قررنا العودة بعد أن أطمأننا على وجود من يعتني بأمورهما معاً، وكالعادة عدنا بالسيارة، وعلى الرغم من أن السيارة تتيح لي الاستمتاع بأكثر قدر من المناظر الخارجية على جانبي الطريق أكثر من القطار خاصة بعد غياب الشمس حيث يصبح من المستحيل رؤية شيء خارج نوافذ القطار، إلا إنني أشتاق كثيراً للسفر بالقطار.

منذ أن اشترى أبي السيارة بعد عودتنا من اليابان في عام 2004 لم أركب القطار سوى مرة واحدة عندما ذهبت في رحلة فتيات للاسكندرية وأنا في الصف الثاني الثانوي. أذكر أنني في طفولتي كنت طفلة مشاغبة جداً، فعند ركوبنا للقطار كنت دائماً ما أتشاجر مع أخي الصغير للجلوس بجانب نافذة القطار لأشاهد الطريق والمناطق الزراعية، وعندما يسير القطار كنت انطلق في العربة التي نركبها ذهاباً وإياباً واتعرف على جميع الركاب أياً كانت أعمارهم وافتح معهم أبواب الحوار في شتى المواضيع المختلفة.

وما كان يمنعني من الخروج من العربة التي نركبها والانطلاق في باقي القطار هو خوفي الدائم من الأرضية الفاصلة المتحركة بين العربات حيث كنت أخشى أن أسقط بين طرفيها وافرم تحت القطار. وبسبب هذا الخوف كنت أخشى حتى دخول الحمام حيث كان يقع بين كل عربتين، فإذا ما اضطررت لدخول الحمام كنت أبكي لأبي حتى يحملني ويمر بي على تلك الأرضية دون أن أسير أنا عليها. وحقيقة لا أعلم كيف كانت تواتيني الجرأة حينها للتعرف على هؤلاء الركاب الذين أراهم لأول مرة في حياتي.

لا أتذكر كيف كنت أبدأ الحوار مع أي منهم وفيما كنت أتكلم معهم، ولكني أذكر أنني تعرفت على ركاب عديدين وقتها من بلاد مختلفة. وأغلب الركاب الذين تعرفت عليهم كانوا شباب صغار في السن يسافرون وحدهم، وأذكر تحديداً امرأة تعرفت عليها ذات مرة واكتشفت أنها تعمل مفتشة بالتربية والتعليم وقريبة لاحدى صديقاتي في المدرسة، وجاءت للتفتيش علينا في المدرسة بعد تلك الواقعة وكنت فخورة وسط صديقاتي بمعرفتي المسبقة لها. ومرة واحدة فقط تعرفت فيها على فتاة من عمري وانطلقنا معاً للعب داخل القطار، ولكنني لم أراها مرة ثانية في حياتي ولا أذكر اسمها!

عندما أتذكر تلك المواقف الآن أتمنى لو كنت ظللت بتلك الجرأة التي كانت تجعلني أقتحم الأماكن والناس بسهولة دون خوف أو تردد. لا أستطيع أن أتذكر كيف كنت أجرؤ على ذلك وبماذا كنت أشعر وقتها وكيف لم أكن أخاف وأتردد لحظة وكيف كنت أبدأ حواراتي تلك مع الناس، فعلى الرغم من أنني لازلت أعد نفسي جريئة إلى حد ما في أفكاري وآرائي وربما في أسلوب حواري مع من أعرفهم إلا أنني أصبحت افتقد تلك الجرأة التي تجعلني أبدأ الحوار مع أشخاص أقابلهم للمرة الأولى إلا إذا كان هناك ضرورة ملحة لذلك وفي إطار موضوع معين كأن يكون حوار صحفي في إطار عملي وأيضاً يكون ذلك مصاحباً بحالة توتر وتردد شديد حتى لو لم تبدو للآخرين ولكني أشعر بها في داخلي.

عدت إلى أسيوط الآن بمشاعر متضاربة ما بين الحنين إليها والرغبة في الفرار منها، فعلى الرغم من أن أسيوط هي محل ميلادي وموطن تعليمي إلا أنني لا أرى لي أي مستقبل مهني بها، دائماً ما أحلم بالاستقرار في القاهرة والحصول على عمل بها وتسلق سلم الصحافة والاعلام هناك حتى لو كان الطريق شاقاً فعلى الأقل هناك طريق، ولكن هنا في أسيوط لا توجد أي طرق، فجميع الجرائد الأقليمية التي تصدر بها لا يقرؤها أحد ومن يكتبون بها إما أنهم يستغلونها في الحصول على المال من خلال الإعلانات لتوزيعها مجاناً على المصالح الحكومية أو لتكون نقطة تذكر في سيرتهم المهنية عند التقدم للعمل في صحيفة كبيرة يوماً ما.

ولكن هنا في أسيوط أيضاً كل ذكرياتي جيدها وسيئها وليس لي أي ذكريات في القاهرة خارج منزل جدتي ، هنا مكاني الخاص الذي أملكه ولا يستطيع أحد سلبه مني، هنا أصدقاء العمر الذين أفتقدهم في كل مرة أسافر فيها، هنا كل مكان وكل شارع لي ذكرى فيه، هنا قصص طفولتي ومراهقتي وشبابي، هنا نبض قلبي للمرة الأولى وجرح أيضاً للمرة الأولى، هنا كل شيء حلو وسيء في الوقت ذاته وأنا أحمل الوفاء لذكرياتي السيئة كما أحن لذكرياتي السعيدة لذا دائماً ما أحن لتلك المدينة.

مهما ابتعدت عن تلك المدينة تشدني إليها ثانية وكأنها لعنة ترافق حياتي لا أستطيع التخلص منها ولا أستطيع القبول بها للأبد ونسيان أحلامي ودفنها في واقعها المحبط.

رحلتي مع الكتابة

 

منذ نعومة أظافري عشقت الورقة والقلم؛ فقبل حتى أن أتعلم الكتابة كنت أمسك بالقلم لأنقش على الورق أي شخابيط لا معنى لها، وفور أن تعلمت الحروف الأبجدية كنت أكتبها على الورق ليل نهار وأكون بها كلمات بسيطة، وخطوة بخطوة أصبحت أجيد القراءة والكتابة؛ فبدأت أكتب قصص أطفال كتلك التي يرويها لي أبي التي تحكي عن الحيوانات وماشابه، وأيضاً بعض الأشعار الطفولية، وأذكر أن أول ما كتبته شعراً كان عن مقتل الشهيد الفلسطيني “محمد الدرة” وأنا في الصف الرابع الابتدائي.

كنت أيضاً حريصة على كتابة يومياتي يوماً بيوم أسجل كل مشاعري وما يدور بخاطري تجاه الأحداث اليومية التي أتعرض لها أو أعاصرها، كنت أتسابق مع رفاقي وزملاء صفي في موضوعات التعبير والانشاء المختلفة التي تختبرنا فيها معلمتنا، كنت -ولا زلت- أعشق اللغة العربية والتعرف على مفرداتها وتراكيبها واتقان قواعدها ولغوياتها؛ حتى انني قررت حينها أن أعمل كمعلمة لغة عربية في كبري، ولكن تدريجياً وجدت أن الكتابة أوسع وأشمل من أن أحصرها في مهنة التدريس، وأني من خلالها يمكنني التأثير والوصول إلى الآلاف والملايين وبث الأفكار والقيم التي أرغب في نشرها والارتقاء والدفاع عن لغتي العربية التي أعشقها.

وذلك بخلاف العدد المحدود من الأطفال الذين يمكنني التأثير فيهم من خلال التدريس والذين قد لا يسمح سنهم الصغير بأن يعوا ما أريد أيصاله لهم، لذا قررت دراسة الاعلام، وطوال فترة دراستي الثانوية كنت دائمة الاشتراك في أنشطة الصحافة والإذاعة المدرسية ومسابقات الأبحاث والمقالات حتى حصلت على المركز الأول على مستوى الجمهورية في مسابقة الابداع الفلسفي من خلال بحث عن الإمام محمد عبده، ومنذ سنتي الأولى في الجامعة حرصت على الانطلاق والتدريب في مختلف الصحف الإقليمية المتوافرة في محافظتي محل إقامتي ودراستي أسيوط.

وبعد تخرجي من الجامعة شرعت أراسل شتى الصحف والمواقع الالكترونية، وأنشأت لنفسي مدونات شخصية على مختلف مواقع التدوين وصفحة فيس بوك لنشر كتاباتي، التي أحاول الاشتراك بها في مسابقات عدة للتأليف في مجالات القصص القصيرة وشعر الفصحى والعامية والتي أربح أحياناً في معظمها، ولازلت أحاول أن أتعلم في كل يوم كل جديد تطاله يداي في عالم الكتابة، وأن أنمي قراءاتي في كافة المجالات لأغذي عقلي بكل جديد يمكنني الكتابة عنه والاستفادة منه، وأن أقرأ لكل كاتب وأحضر كافة النقاشات والتدريبات في عالم الكتابة، ولازلت أرى أن أمامي الطريق طويل.