عال شامخ

بقلم: سارة الليثي

وقف “محمد” ينظر الى المارة والطرقات والبيوت والمباني الشاهقة، فقد اعتاد منذ مولده هذا المشهد.. يرى الناس بينما لا يراه أحد.. و تنهد بحسرة، فقد كان فيما مضى يرى حياته سعيدة مبهجة.. أما الآن، بعد أن كبر والتحق بالمدرسة؛ فقد عرف حقيقة الأمر.. فهو لا يسكن في مكان فسيح وعال كما قالت أمه وكذلك والده، إنما هو يسكن في سطح منزل متهالك قديم، وان كان هذا السطح يطل على بيوت شاهقة وعمائر فاخرة.. والآن و بعد أن أصبح له زملاء وأصدقاء يسكنون في هذه العمائر؛ فقد عرف حقيقة أمره..

عندها دخلت عليه أمه، ولمحت الحزن في عينيه؛ فقالت له بابتسامة مشرقة: ألم أقل لك أنك من هذا المكان ترى الدنيا كلها بينما لا يراك إنسان؟.. فأنت عال لا يرتقي اليك أحد.. فنظر اليها في حزن، وأطرق رأسه، وقال في نفسه: أي علو هذا؟! ياليتني كنت أسكن إحدى هذه العمائر الفاخرة؛ حينها كان سيحترمني زملائي، ويسعوا لمصادقتي كما يفعلوا مع من يسكنون تلك العمائر. قالت أمه في نفسها: ياليتك تفهم كلامي، وتسعى إلى العلا الحقيقي؛ فليس العلا بالنقود، وفخامة المسكن، وإنما بالقناعة والرضا والأخلاق الحميدة والنجاح في الحياة.

أحتضنته أمه ثم تركته وذهبت تعد الطعام، بينما جلس “محمد” وحيداً يفكر في “عمرو” زميله في المدرسة الذي يسعى دائماً لإغاظته بما معه من نقود، وأنه يعيش في منزل أجمل وأرقى من منزله. فقد كان “محمد” متفوق في دراسته بينما “عمرو” بليد ودائماً درجاته سيئة هذا إذا لم يرسب تماماً، ولذلك كان يكره “محمد”؛ لأن جميع أساتذته يحبونه ويشجعونه بينما يوبخونه هو على انحدار مستواه الدائم، وعدم انتباهه لدراسته حتى والديه كانا دائماً ما يحفزانه ليكون كزميله “محمد”.

ولكن “محمد” لصغر سنه لم يكن ينتبه لتلك المزايا التي يمتلكها و يتمناها أي شخص آخر. وبمرور الأيام كبر “محمد” والتحق بالثانوية العامة، ولم تكن ظروف والديه المادية تسمح بأن يأخذ دروس خصوصية، بينما كان “عمرو” يأخذ دروس في جميع المواد، ويفخر دائماً بأنه يأتي إليه أفضل الأساتذة، ولذلك فهو واثق من نجاحه وأنه سيكون الأفضل بين زملاءه ولكنه لم يكن يستذكر دروسه ولم يسعى لتحقيق ذلك النجاح الذي يصبو اليه. بينما كان “محمد” يستذكر دروسه أولاً بأول ويسعى إلى النجاح والتفوق بكل ما أوتي من قوة، فكان يأتي ترتيبه الأول بين زملاءه دائماً.

وفي نتيجة الثانوية العامة كان الأول على الجمهورية، وتفوق على جميع أقرانه، والتحق بأفضل الكليات، وفي يوم تكريمه تذكر جملة والدته: “أنت عال لا يرتقي إليك أحد”.. فعرف معناها، وأيقن أن العلا ليس بالنقود، وإنما العلا يأتي من داخل الإنسان الذي يسعى إليه بدأب واجتهاد وبهما يمكن أن يحصل على كل ما يريده.