حياة زائفة (قصة قصيرة)

%d8%ba%d9%8a%d8%b1-%d9%85%d8%b4%d9%88%d8%b1

    كانت في لقاء تلفزيوني لأحد البرامج تتحدث عن نجاحها وانجازاتها عندما باغتها أحد الحضور بسؤالها عن عائلتها ودورهم في ما وصلت إليه، وجمت للحظة، ولكن ما لبثت ان تماسكت نفسها وعلت وجهها ابتسامة زائفة وفي عينيها نظرة فخر كاذب لتجيب تلك الإجابة المعتادة بأنهم كان لهم دور كبير في نجاحها وكانوا نعم الأهل لها وساندوها كثيراً في طريقها للنجاح.

    بعد انتهاء البرنامج أدارت سيارتها لتنطلق بها في الشوارع هائمة على وجهها تحاول أن تداري دموعها عن الجميع وهي تتذكر كيف ساندها أهلها كثيراً وكانوا سبباً في نجاحها، حقاً فلولا ما فعلوه معها يومها ما كانت وصلت لما وصلت له اليوم وما كانت حققت شيئاً في حياتها، لازالت تذكر ذلك اليوم الذي بدأ منه كل شيء بأدق تفاصيله، كانت تجلس معه يتبادلا أطراف الحديث ويتضاحكا معاً، كان ذاك أخيها الوحيد الذي لا تملك سواه في هذه الدنيا.

    كان رفيق صباها ومصب أسرارها، فشل أبواها في أن يلدا لها أخوة أشقاء فكان هو أخيها الوحيد، ولم لا؟! أليس أبواهما اخوة؟! فما الضير في أن يكونا أخوة هما أيضاً ولو حملت بهما أرحاماً مختلفة؟! كان بالنسبة لها هو أخيها الحقيقي، كانت تهرول إليه في كل مرة يضايقها أحد ما ليكون هو سندها الذي يحميها ويدافع عنها ويأتي لها بحقها، كم تشاجر كثيراً لأجلها، ضرب وضُرب، وكانت هي أيضاً تدافع عنه في كل مكان وتقف كسيف حاد لكل من تسول له نفسه أن يأتي على ذكره بكلمة سوء واحدة في حضورها.

    حتى الآن لا تستطيع تصديق ما حدث ذلك اليوم، فجأة تحول أخوها الوحيد الذي كان يحميها ويدافع عنها إلى ذئب يود نهش لحمها وتمزيق شرفها! فوجئت بيده تمتد بين طيات ملابسها لتصل إلى ثديها، لم تكد تفيق من صدمتها حتى وجدته قد انقض على شفتيها يحاول تمزيقها بشفتيه، لم تعي بنفسها إلا وهي تنهال براحة كفها على وجهه تصفعه بكل ما أوتيت من قوة، ولكن بدلاً من أن يفيق ويسترد رشده بعد تلك الصفعة المدوية زاد جنونه.

    لم تشعر إلا وهو ينهال عليها ضرباً ويمزق ما تصل إليه يديه من ملابسها محاولاً تجريدها منها، حاولت هي بدورها ردعه ولكنها كانت أضعف كثيراً من أن تتغلب عليه. تمنت أن يسمع أحد صراخها ويأتي لإنقاذها، ولكنه كان يعي جيداً أن ما من أحد في الجوار ولن يغيثها أحد من تحت يديه، وقضى وطره منها وكان له ما أراد، ولكن ما لم يكن في حسبانه أن تأتي عائلتهما في ذلك الوقت بالتحديد ويروهما في ذلك الوضع.

    فور أن رأت أبوها هرولت لترتمي باكية في حضنه، ظناً منها أن ذاك الحضن سيحميها مما أصابها وسيكون هو درع وقايتها، ولكنها فوجئت به ينهال عليها صفعاً متهماً إياها بأنها جلبت له العار وفرطت في شرفها وشرفه. كانت مذهولة لما تسمع، لم تستطع تصديق أذنيها، أيتهمها هي بالعار وتلطيخ شرفه؟! ماذا فعلت هي؟ وماذا كان من الواجب عليها أن تفعل؟ كيف كانت ستحمي ذاك الشرف المزعوم ومن كان عليه حمايته هو من هتكه؟!

    اجتمعوا ليصدروا قراراً بشأنها، كان قرارهم هو تزويجها لمن اغتصب شرفها حتى يتجنبوا عار الفضيحة! رفضت وصرخت، لم تراه يوماً زوجاً، كان دائماً أخيها، وهل يتزوج الاخوة؟! واليوم صار مغتصبها، اليوم تحتقره وتكرهه كما لم تكره أحداً من قبل فكيف لها أن تتزوجه؟! لم يعبأ أحد لتوسلاتها وصراخها بل اجتمعوا عليها معاً، أخبروها أن تحمد الله أنه قد وافق على الزواج منها بدلاً من أن تواجه المجتمع بعارها أو يقتلوها هم قبلاً.

   أمام إصرارها على الرفض ألقوا بها حبيسة جدران حجرتها ومنعوا عنها الطعام حتى ترضخ، ولأول مرة في حياتها تتخذ قراراً يخصها، قررت أن تتركهم ورائها، أن تقطع كل ما يربطها بهم بعد أن قطعوا عنها حبال انسانيتها وتعاملوا معها على أنها شيء مجرد من المشاعر عليه أن يطيع دون أن يفكر أو يشعر، لم يكن بالقرار السهل، قررت أن تهرب من ذلك الجحيم ولكن الطريق جد وعر، فهي لا يمكنها الخروج من غرفتها والسبيل الوحيد المتاح أمامها هو النافذة.

   لم يفكر أحد من عائلتها في أن يسد عليها نافذة غرفتها، فلم يعتقد أي منهم أنها قد تواتيها مثل تلك الفكرة المجنونة، أن تهرب من نافذة الدور الخامس، ان احتمالات فقدانها لتوازنها لتسقط كجثة يتضرج منها الدماء أعلى كثيراً من أي احتمال لنجاتها، ولكن هروبها من ذلك الجحيم كان أقوى من أي خسارة، فلا مانع لديها لو أن هروبها يعني موتها، فالله رحيم ولكن هؤلاء القوم لن يرحموها مادامت بينهم.

     عزمت أمرها وانتظرت حتى نام الجميع، فتحت نافذتها وتسلقت السور، قفزت من السور لتقف على الظهر الخارجي لمكيف غرفتها الذي لولا ضآلة حجمها لما تحمل وزنها وسقط بها إلى الشارع لتمتزج قطع لحمها بحديده المتهالك، ولكن حمداً لله لم يحدث أياً من ذلك، تحاملت على نفسها وحاولت عدم النظر لما قد يكون أسفل قدميها، جلست على ظهر المكيف الخارجي وحاولت مد ساقيها لتتعانق مع درابزين السلم محاولة تثبيتها على هذا الوضع لتستطع الميل بباقي جسدها.

    استطاعت بالفعل تثبيت ساقيها لينزلق جسدها في الهواء حتى تجد نفسها تجلس متماسكة على الدرابزين، لم تكد تصدق أنها نجحت ونفذت منهم، أفتر ثغرها عن ابتسامة واسعة حملت كل معاني النصر، قفزت من على الدرابزين وانطلقت تعدو بكل قوتها فوق درجات السلم هبوطاً حتى وصلت إلى الشارع؛ لتشعر أنها أخيراً قد هربت من ذلك الجحيم، لولا صديقتها التي لجأت اليها ذلك اليوم وآوتها في منزلها ربما كان مصيرها اليوم كفتيات الشارع اللواتي تقرأ عنهن في أخبار الحوادث كل يوم.

    لقد فتحت صديقتها لها منزلها ولم تتهرب منها كما قد يفعل الكثيرون خوفاً من المشاكل والفضائح وسوء السمعة إلى آخره من تلك المسميات اللاتي يطلقونها على الضحايا من أمثالها ليساوونها بفتيات الهوى على قارعة الطريق، ولكن صديقتها لم تفتح لها باب بيتها فحسب بل فتحت لها أبواب الحياة، أهلتها لمواجهة حياة جديدة تكون هي فيها سند ذاتها لا تنتظر يد العون من أحد، وقد قررت أن تنتهز تلك الفرصة لتكون شخصاً آخر غير تلك الفتاة الخانعة التي استطاع شخص آخر دهسها وتدميرها في لحظة واحدة دون أن تستطيع حماية نفسها.

    لم تكتف بالوظيفة التي وفرتها لها صديقتها -والتي يكتفي بها وبدخلها العديد من الذكور- قررت أن تعلم نفسها وتعوض ما فاتها، أتقنت عدة لغات وارتقت في وظائفها حتى جاوز دخلها الشهري عشرات الآلاف، لتفتتح بعد سنوات قليلة شركتها الخاصة وتصبح أصغر سيدة أعمال في البلاد –تلك البلاد التي لا يوجد بها سوى عدد ضئيل من سيدات الأعمال واللاتي إن وجدن فهن في الغالب وريثات لتلك الأعمال ولسن مؤسسات لها-، اليوم هي قد تخطت كل الحواجز وأضحت أخبارها تحتل المراتب الأولى في الصحف والتلفزيون.

   لا تعرف إذا ما كانت أخبارها تصل لوالديها أم لا؟ وما هي ردة فعلهم عما وصلت اليه؟ هل لازالوا يرونها مصدر عار وفضيحة أم تسرب إليهم بعض الشعور بالفخر لما حققته؟ رغم كل ما فعلوه معها وبها لازالت تشعر بالاشتياق إليهم، فهل يشتاقون لها يوماً أم أنهم سعداء بتخلصهم منها ومن عارها؟ فجأة توقفت بسيارتها لتجد نفسها أمام منزل والديها الذي طالما حامت حوله العديد من المرات طوال تلك السنوات المنصرمة ولكن هذه المرة ولأول مرة تفكر جدياً بأن تنزل عن سيارتها وتخطو بضع خطوات للأمام.

   بضع خطوات قد تعيد وصل ما انقطع أو تقطع آخر أمل، ولكنها لا تزال حائرة إذا ما كان الأمر يستحق تلك الخطوات أم لا؟!

الغريين

download

   كان ملوك الحيرة مشهورين بمجالس شرابهم ولهوهم التي ينادمهم خلالها الشعراء، وكان لـ”المنذر بن ماء السماء” -أحد ملوك الحيرة- نديمان حبيبان إلى نفسه يقال لأحدهما “خالد بن فضلة”، والآخر “عمرو بن مسعود”، فثمل “المنذر” وصحبه يوماً، وبلغ به الشراب حداً جعله لا يعقل؛ فذكر شعراً وطلب منهما إكماله؛ فأتيا بما لم يرضه، وقيل بل راجعاه في رأي رآه؛ فأمر حرسه بقتلهما، فحفروا لهما حفيرتين بظاهر الكوفة ودفنوهما أحياء، فلما أصبح “المنذر” وقد نسى ما كان من أمره استدعاهما؛ فأخبره الحرس بما كان.

   حزن “المنذر” حزناً بالغاً، واتخذ قراراً غريباً بالغ الشذوذ –وربما كانت آراؤه في سكره أعقل من هذا الرأي الذي اتخذه في صحوه- فأمر بأن يبنى على قبريهما صومعتين عرفتا باسم “الغريين”، ثم أخذته عزة الملك؛ فأصدر أمراً ألا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما، واتخذ لنفسه يومين، أطلق على أحدهما يوم النعيم وعلى الآخر يوم البؤس، أما يوم النعيم فكان يحسن فيه إلى أول عابر بين الصومعتين ويهبه ويعطيه عطاء باذخاً، أما يوم البؤس فكان يقتل فيه أول من يعبر بين الغريين كائناً من كان، وبالغاً ما بلغ من قدر ومنزلة، ثم يطلي الصومعتين بدمه.

   وبالغ البعض فذكر أنه لو عبر حيوان وحشي هذا المكان في هذا اليوم أرسل وراءه الخيل حتى تصطاده، ثم يذبحه، وكذلك لو كان طائر هو أول من يجتاز فضاء المكان فيرسل وراءه الجوارح حتى تصطاده، ولا ينجو من الذبح واستخدام دمه طلاء. وقد مر الشاعر “عبيد بن الأبرص” بين الصومعتين في يوم بؤسه، فسأل “المنذر” نديمه: من هذا الشقي؟ فقال له: هذا “عبيد بن الأبرص”، وكان قد وفد عليه قبل ذلك فمدحه ووصله فاستدعاه، فقال له نديمه: أبيت اللعن اتركه، فإن عنده من حسن القريض أفضل مما تدرك من قتله، مع أنه من رؤساء قومه، وأهل النجدة والشأن فيهم فاسمع منه، وادعه إلى مدحك، فإن سمعت ما يعجبك وإلا كان قتله هيناً عليك.

  قال “المنذر”: فإذا نزلنا فادع به. فنزل “المنذر” فطعم وشرب، وبينه وبين الناس حجاب بحيث لا يراهم ولا يرونه، فدعا بـ”عبيد” من وراء الستر، ثم سأله رديفه:  ما ترى يا أخا أسد؟

  قال: أرى الحوايا عليها المنايا.

  والحوايا جمع حوية وهو ما يوضع على ظهر البعير، والمعنى أن الموت قد يأتي الشجاع وهو على سرجه.

  فقال الملك: أقلت شيئاً؟ فقال: حال الجريض دون القريض.

   الجريض هو غصص الموت التي منعته من قول الشعر.

  فقال “المنذر”: أنشدني من قولك (أفقر من أهله محلوب).

 فقال:

    أفقر من أهله عبيد        فليس يبدي ولا يعيد

  قال: قل في مديحاً يسير في العرب- قال: أما والصبار في ما عجل فلا- قال: نطلقك ونحسن إليك. قال: أما وأنا أسير في يديك فلا، قال: نردك إلى أهلك ونلتزم رفدك. قال:أما على شرط المدح فلا.

  فقرر “المنذر” قتله، ولما كان ديمقراطياً عتيداً فقد خيره أي قتلة يشتهي أيفصده من الأبجل أم من الأكحل أم من الوريد- فقال “عبيد”:

     خيرتني بين سحابات عاد            فردت من ذلك شر المراد

  ثم قال له: أيها الملك روني من الخمر حتى إذا استرخت أعصابي فشأنك وما تريد، فسقاه الخمر حتى ثمل، ثم قطع له الأكحل فنزف حتى مات.

  أما سبب إبطال “المنذر” هذه العادة، فقيل أنه خرج يوماً في صيد؛ فهبت ريح عاصفة وانقطع من أصحابه، فلجأ إلى المبيت عند رجل من طيئ يقال له: عمرو بن الأخس، فأكرمه وأحسن إليه ما وسعته الطاقة لما بدا على “المنذر” الرفعة والنعمة- وذلك دون أن يعرفه-، فلما أصبح الرجل إذا بالخيل تطلب “المنذر”، ففزع الرجل ولكن “المنذر” عرفه نفسه وطمأنه، وقال له: أقدم علي أمولك، ولبث الرجل زمناً، ثم ألحت عليه زوجه؛ فخرج قاصداً “المنذر”.

  وصادف في ذلك يوم بؤسه، وأمر “المنذر” بذبحه، فاستنجد به الرجل وقال: أنا الطائي أبو مثواك ليلة الريح وإنما جئت لوفاء وعدك، فأدناه “المنذر” ورحب به، وقال: أوصني بكل أرب لك ووطر، غير أنه لابد من القتل، فقال الطائي: إن لي وصايا وديوناً، وعندي ودائع لا يعلمها أحد غيري، فدعني ألحق بأهلي وأوصيهم بما أريد وأرجع إليك، قال: فمن يكفل بك؟ فسأل الطائي عن أكرم الناس عليه؛ فقيل له: “شريك بن عمير”، وهو ابن عمه وصهره، فتوجه إليه ومدحه بشعر قال فيه:

   يا شريك بن عمير          يا أخا من لا أخا له

   يا شريك بن عمير          اكفل المرء وآله

   ريث أوصي وأؤدي        مال من أودعت ماله

   يا شريك بن عمير          هل من الموت محاله

   فرق له “شريك بن عمير” وكفله، فأجله “النعمان” سنة، وضمنه “شريك” بدمه، فانطلق الطائي إلى سبيله، وأدى ما عليه، ثم عاد إلى “المنذر”، وقد لبس أكفانه وأخذ حنوطه، فلما جاء يوم الأجل دعا “المنذر” بـ”شريك” ليقتله، فطلب أن يمهله اليوم إلى نهايته، ووطن نفسه على القتل وودع أهله، ولكنهم فوجئوا بالطائي مقبلاً عليهم في هيئة المستعد للموت، فاشتد تعجب “المنذر” من أمر الرجلين وقال: ما أدري أيكما أكرم؟ فأخبرني يا طائي ما حملك على الوفاء وأنت تعلم أنك مقتول؟

   قال: خشيت أن يقال ضاع الوفاء بالعهد بين الناس.

   ثم سأل “المنذر” “شريكاً”: وأنت ما دعاك إلى ضمانته وأنت لا تعلم إن كان يفي أم لا؟ فرد: خشيت أن يقال ضاعت المروءة بين الناس.

   فقال “المنذر”: لا بؤس ولا يوم بؤس بعد اليوم خشية أن يقال ضاع الفضل والعفو بين الناس.

   وهناك رواية أخرى تقول إن الطائي رد على سؤال “المنذر” بأن ما حمله على الوفاء هو دينه، فسأله: وما دينك؟ قال: النصرانية.

  ووصف له الدين وتوحيد الله، والإيمان بالبعث والحياة الأخرى فآمن بذلك، وقال: لا بؤس ولا يوم بؤس بعد اليوم، ثم خلع نفسه من الملك وتنسك، وساح في الأرض تاركاً الملك لولده. ولكن يهدم هذه القصة أنه من الثابت قتل “المنذر” في حربه مع “الحارث الغساني” عام 554م، فهو لم يخلع من ملكه زهداً، بل بفعل الموت وحده.

ذاكرة القلب

download

 

    التقت عيناهما على حين غرة باحدى الكافيهات على النيل، كان كل منهما يجلس وحيداً، كانت تلك هي المرة الأولى التي يراها فيها ولكنها لم تكن مرتها الأولى، لقد عاشت معه قصة حب طويلة لم يرى أحداً مثيلاً لها، كان الجميع يحسدهم على ذاك الحب، وقد أصابته عين الحسد في مقتل.

    أفاق يوماً بعد حادثاً مروعاً فلم يعرفها، أنكر حقيقة وجودها في حياته ومسح كل ذكرياتهما معاً.

    آثرت الرحيل بما بقى لها من ذكريات وهي تثق أن صدق حبها سيعيده إليها يوماً ما، وها هو اليوم أمامها، تعلن نظراته أن إذا كانت ذاكرة العقل قد محت وجودها إلا إن ذاكرة القلب تأبى فقدانها.

   منذ ان تلاقت أعينهما شعر بوخز في قلبه لم يعلم له تفسيراً، شعر أن نظرتها تخترق قلبه وأن قلبه ذاك ملكاً لها منذ بدء الخليقة.

   التقط وردتها المفضلة من شجرتهما -التي زرعاها معاً يوماً على ضفاف النيل لتحميهما من حرارة الشمس وتمنحهما عطراً فواحاً وهما يجلسان في هذا الكافيه كل صباح ليشربا قهوتهما الصباحية معاً-.

    توجه إليها متوجساً وفي يده الوردة ليقدمها لها، خفق قلبها بشدة حتى خيل إليها أن الجالسين حولها يسمعون دقاته، قبلت وردته بعد أن أحمرت وجنتاها خجلاً وفرحاً وعشقاً، لتبدأ فصول قصتهما من جديد في نفس المكان الذي شهدها سابقاً.

بنت من الصعيد

11846099_1080097882017516_1527207887_n

 

    ككل صباح ذهبت صباح إلى جامعتها مفعمة بالنشاط والحيوية، تحمل معها أحلامها بمستقبلها الباهر الذي تنتظر تحقيقه بفارغ الصبر، لم تكن تعي أن هذا المستقبل يتم وأده في ذات اللحظة بيد أقرب الناس إليها بينما تتلقى هي محاضراتها بسعادة وأمل.

   عادت إلى منزلها في نهاية يومها الدراسي لتنفرد بها والدتها لتزف إليها هذا الخبر السار: جالك عريس يا بت، كبرتي وبقيتي عروسة، كانت أمها تتوقع أن تحمر وجنتي ابنتها خجلاً وتنظر للأرض وعلى وجهها ابتسامة عريضة تدل على فرحتها الغامرة، ولكنها ببساطة قالت لها: بس أنا لسة بدرس ولسة قدامي حجات كتير عايزة أعملها قبل ما أفكر في موضوع الجواز ده!

   صدمت أمها من جوابها ولكنها ردت عليها قائلة: وهم يعني اللي درسوا خدوا ايه من دراستهم البنت ملهاش غير بيتها وجوزها في الآخر ولا انت عايزة تعنسيلنا وتعديلنا للأبد؟!

  • يا ماما الجواز ده رزق ومكتوب لكل واحد محدش بياخد غير اللي مكتوب له.
  • وأهو رزقك جالك لحد عندك هتتبتري عليه عشان تتحرمي منه!
  • أنا لا بتبتر ولا حاجة أنا كل اللي بقوله اني لسة صغيرة وعايزة أكمل دراستي الأول!
  • صغيرة مين ده أنا لما كنت في سنك كنت مخلفاكي انت واخواتك وإن كان على دراستك ابقي كمليها في بيت جوزك إن وافق.
  • يعني ايه إن وافق؟! يعني أنا ممكن كمان مكملش دراستي أصلاً؟!
  • بقولك ايه يا بت انت متخوتيش دماغي العريس جاي بالليل هو وأهله عشان يشوفوكي خليكي محترمة كدة وتطلعي بأدبك تقابليهم بدل ما أقول لأبوكي وانت عارفة هيعمل فيكي ايه ساعتها.

    مر بخاطر صباح في هذه اللحظة كل ذكرياتها السيئة مع أبوها، كيف أنه كان يود حرمانها من دخول الجامعة من الأساس لولا تدخل أخيها الأكبر الذي أقنعه بالعدول عن رأيه وأن التعليم مهم لها حتى تحظى بفرص زواج أفضل، لم يكن هذا رأي أخيها الحقيقي حول التعليم ولكنه كان يدرك أن والدهم لن يقتنع ويرضى سوى بهذه الطريقة، قررت أن تلجأ لأخيها أيضاً هذه المرة لعله يستطيع مساندتها، ولكنه أخبرها أن حججه قد نفذت فقد كان يتحجج دائماً بفرصة الزواج الأفضل ليحصل لها على بعض الحقوق والمميزات ولكن هذه المرة قد أتى ذلك الزواج الذي كانوا بانتظاره فبماذا سيقنعهم؟

   أخبرها أن الحل الوحيد الذي قد يخرجها من هذا المأزق هو أن تتطيعهم ولتلتقي بهذا العريس فقد يكون هو نقطة الأمل التي تمنحها حياة أفضل ويوافق على استكمال دراستها وتحقيقها لأحلامها، تمنت ذلك ولكن أتظل أحلامها كلها معلقة برجل إن شاء حققها وإن شاء في لحظة دمرها؟! لما يكون مستقبلها بيد شخص آخر غيرها؟! لما عليها أن تقبل أن تدر حياتها في فلك شخص آخر؟! رجل لا تعرف عنه شيئاً أصبح بين ليلة وضحاها هو الآمر الناهي في حياتها وعليها أن تطيع وترضى!

    أسئلة كلها دارت في ذهن صباح لازالت تبحث لها عن اجابة حتى اليوم بعد أن تزوجت وأنجبت ولم يكن لها الخيار حتى في أسماء من أنجبتهم، واليوم أتى زوجها بعريس لابنتهم وهي لازالت بعد أيضاً طالبة في الجامعة تحلم بمستقبل وطموحات مشرقة تعرف صباح جيداً أنه سيتم وأدها، ولكنها لأول مرة أخذت قرارها، لن تدع ابنتها تحيا مآساتها، لن ترى ابنتها تذرف الدموع أمامها وتقنع نفسها كذباً أنها دموع الفرح، لم تقاتل لأجل نفسها يوماً ولكنها اليوم ستقاتل –ولو الدنيا بأسرها- لأجل ابنتها.

أشجار التوت

%d8%a3%d8%b4%d8%ac%d8%a7%d8%b1-%d8%a7%d9%84%d8%aa%d9%88%d8%aa

   كبرت تلك الطفلة التي كانت تلعب كل صباح مع صديقها تحت أشجار التوت، كانا يتسلقان الأشجار ويهزا فروعها لتتساقط عنها حبات التوت الشهية التي يتلذذا بطعمها.

   كبرت تلك الطفلة لترى صديقها يوارى الثرى مع أحلامه التي أغرقها بحر اليأس، قتلوه باهمالهم وجبروتهم وقتلوا معه المئات والآلاف غير عابئين، بعد أن قتلوا أشجار التوت لترتفع مكانها حجارة صماء.

   لم يتبقى لديها سوى بضع حبات التوت التي احتفظت بهم من ذكريات طفولتها الضائعة، أودعتهم باستسلام قبر صديقها علهم يؤنسوا وحشته!

شرقي

%d8%b4%d8%b1%d9%82%d9%8a

جرس الهاتف المحمول

جنة: ألو…ازيك يا حبيبي؟

آدم: وحشتيني جداً يا روحي.

جنة: أنت أكتر يا عمري.

آدم: ايه رأيك نروح السينما النهاردة؟ في فيلم تحفة هيعجبك أوي.

جنة: بابا وماما مش هيوافقوا.

آدم: ليه احنا مش مخطوبين وهنتجوز قريب إن شاء الله؟!

جنة: إن شاء الله بس بابا وماما مش هيوافقوا نخرج وحدنا قبل ما نتجوز.

آدم: خلاص تعالي من غير ما تقوليلهم.

جنة: إزاي؟

آدم: قولي لهم إنك خارجة مع واحدة صاحبتك.

جنة: اكذب عليهم؟!

آدم: وايه يعني؟

جنة: لا مقدرش، متعودتش اكذب على بابا وماما واعمل حاجة من وراهم.

آدم: لا هتقدري، هستناكي الساعة ستة قدام السينما إذا ماجتيش هحضر الفيلم مع أي واحدة تانية، أنت حرة، مع السلامة.

  أخذت “جنة” تفكر فهي لا تريد اغضاب حبيبها وكذلك هي لم تعتد الكذب على أمها، ولكنها أيضاً تود الخروج معه، ولم تجد بد من أن تنفذ ما قاله لها، ادعت لأمها أنها سوف تذهب  للسينما مع صديقاتها وذهبت إليه.

آدم: قولتيلهم ايه في البيت؟

جنة: زي ما قلت لي.

آدم: كذبتي عليهم؟!

جنة: ايوة وضميري بيأنبني جداً بس عشان تعرف أنا بحبك أد ايه.

آدم: مش اكتر مني يا حبيبتي وأنا طلبت منك نخرج مع بعض وحدنا عشان بحبك وعايز أخرج معاكي ونقضي وقت مع بعض وحدنا من غير عزول معانا.

 وتكرر الموقف كثيراً، واعتادت “جنة” أن تكذب على والديها؛ لتخرج مع خطيبها إلى أن تزوجا، وبعد فترة قصيرة من زواجهما:

جنة: حبيبي أنا هخرج بكرة مع صحباتي.

آدم: لا مفيش خروج.

جنة: ليه؟!

آدم: وأنا ايه اللي يضمن لي انك هتخرجي فعلاً مع صحباتك؟

جنة باستغراب: يعني ايه؟!

آدم: انت مش كنت بتقولي لأمك وأبوكي انك خارجة مع صحباتك وتخرجي معايا؟

جنة: أنت اللي طلبت مني كدة!

آدم: ويمكن حد تاني يطلب منك كدة دلوقتي أو على الأقل يمكن تروحي أماكن أنا مش عايزك تروحيها.

جنة: انت بتشك فيا؟!

آدم: أنا مبثقش فيكي، اللي تكذب على أهلها تقدر تكذب على جوزها.

جنة: انت اللي طلبت مني ده، أنا عملت كدة عشانك!

آدم: لو مكنتيش سمعتي كلامي ساعتها ورفضتي كنت قدرتك واحترمتك ووثقت فيكي من غير شك.

جنة: واتجوزتني ليه مدام بتشك فيا ومبتحترمنيش؟!

آدم: لاني ارتبطت بكلمة مع أبوكي يوم ما خطبتك وأنا رجل بحافظ على كلمتي وإن كانت على رقبتي واعرف كويس ازاي احافظ على بيتي واتحكم في مراتي.

جنة: إذا كان ارتباطك بكلمتك مع أبويا هو اللي غصبك على جوازك مني؛ فأنا بحلك من الارتباط ده.

آدم: قصدك ايه؟

جنة: طلقني.

آدم: إذا طلقتك انت الوحيدة اللي هتخسر، هتاخدي لقب مطلقة ومش هتقدري تتجوزي تاني بسهولة خصوصاً ان طلاقنا هيبقى بعد فترة قصيرة من الجواز يعني الناس كلها هتتكلم عليكي وهيعيبوا فيكي انت مش فيا.

جنة: أي خسارة في الدنيا أهون عندي من أني أعيش معاك تحت سقف واحد بعد النهاردة، مش هخسر أكتر من اللي خسرته…طلقني.

آدم: أنت طالق.

تلات سنين جواز

images

 

تصحى رحمة من نومها فتلاقي جنبها كوباية قرفة بالعسل دافية؛ فتسأل جوزها –اللي كان بيربط جرافتته قدام المراية عشان ينزل شغله-: ايه ده يا حبيبي؟

  • دي ليكي يا حبيبتي، صوتك مش عاجبني من امبارح وشكلك داخلة على دور برد؛ فلازم نلحقه من الأول.

تبتسم ابتسامة خجولة وتقوله: تسلم يا حبيبي.

يميل عليها ويبوسها قبل ما يروح شغله: مع السلامة يا حبيبتي، خدي بالك من نفسك.

  • وانت كمان خد بالك من نفسك.

يروح محمد على شغله وتفضل هي قاعدة في السرير بتشرب كوباية القرفة اللي عملهالها وتسرح في حياتهم مع بعض، فات تلات سنين على جوازهم ولسة بيهتم بيها كأنها عروسته الجديدة، لسة بيحبها زي أول يوم شافها فيه، كل أهله وقرايبه بيقولوا انها سحراله، بس اللي مش قادرين يفهموه انه انسان طبيعي بيتصرف على طبيعته واللي بيحس بيه بيعمله مبيكبتش مشاعره جواه عشان خايف من كلامهم ولا عشان يثبت لحد انه كدة راجل ومبيتأثرش بالعواطف والمشاعر أصل دي ملهاش دعوة بالرجولة خالص أساساً!

بس حبه واهتمامه ده خلاها تتعلق بيه أكتر، وتحاول تسعده زي ما بيسعدها، معاه كل يوم بتحس أنها عروسة جديدة، لسة فاكرة كلام أهلها ليها قبل الجواز أنها لازم تنسى أحلامها وطموحاتها الكبيرة عشان البنت ملهاش في الآخرغير بيت جوزها ومفيش راجل هيرضى ان مراته يبقى ليها حياة خاصة وأحلام وطموح بتسعى له غير بيتها وعيالها وخدمته، بس هي كانت واثقة انها هتلاقي الراجل اللي يقدرها لحد ما فعلاً قابلته، أول مرة قابلته فيها كان في خناقة في الشارع.

كان بيدافع عن واحدة ميعرفهاش واحد اتحرش بيها، ومصمم يروح بيه القسم، مع ان كل الناس في الشارع كانوا بيغلطوه هو ويقولوا له ان البنت متستاهلش حد يدافع عنها لان هي اللي لابسة محزق وملزق عشان الشباب يعاكسوها ويتحرشوا بيها، الكلام اللي قاله ساعتها عن احترام المرأة واحترام حرية كل انسان وان الغلط ميبررش غلط تاني كل الكلام اللي قاله خلاها انبهرت بيه، عمرها ما قابلت حد بيفكر بالطريقة دي قبل كدة. بعد فترة طويلة من الموقف ده القدر جمعهم في مكان شغل واحد.

أول ما شافته عرفته، وكل يوم كان بيعدي كانت بتكتشف ان فيه كل الصفات اللي تتمناها في شريك حياتها، وكانت شايفة ان من حقها تقول ده ومتضيعش وقتها وعمرها في انها تعد تستنى ان هو اللي يفاتحها الأول، وفعلاً راحت وقالت له بمنتهى الصراحة انها شايفة فيه كل مواصفات الزوج اللي تتمنى تكمل معاه بقية حياتها، قالها انه مكنش عايز يصارحها باعجابه بيها لان لسة قدامه طريق طويل يبني فيه حياته المهنية ويكون نفسه عشان يكون قادر على تكاليف الجواز اللي بقت كل يوم في الطالع.

ساعتها قالت له انها مش عايزة تعيش مع واحد على الجاهز بعد ما يكون حقق كل حاجة في حياته أو يكون أهله هم اللي حققواهاله، انها عايزة تبني حياتها ركن ركن وطوبة طوبة مع الانسان اللي هترتبط بيه وتتجوزه، أعجب بيها أكتر وعرف ان دي نصه التاني اللي هيكمله صح، اتقدملها واتجوزها، أخوها يوم فرحهم قاله دي اختي الوحيدة لو شفت يوم في عينها دموع هتبكي انت بدالها دم، قاله متخفش دي في قلبي وعنيا وعمرها ما هتشوف مني جرح.

لسة فاكرة أول مرة دخلت فيها المطبخ بعد جوازهم، كانت مامتها مدياها لستة نصايح عشان ترضيه بطبختها الأولى بما إن أقصر طريق لقلب الراجل معدته، هي كانت محتاسة ومش عارفة تعمل حاجة، بس هو دخل معاها ووقف يساعدها رغم انه مكنش يعرف أي حاجة عن المطبخ هو كمان، بس أكلوا يومها أحلى بيض أومليت محروق، ومن يومها وهم كل يوم يطلعوا وصفة جديدة من النت ويعكوها سوا لحد ما بقوا أحسن شيفين في المطبخ، وأهلهم بيعزموا نفسهم عندهم مخصوص عشان ياكلوا من ايديهم.

الأكل من ايديهم بيبقى له طعم تاني خالص، مبيكونش مجرد أكل والسلام، بيكون متغمس بيحبهم وسعادتهم بيخلي أي حد يدوقه يدوق طعم السعادة فيه.

وصل محمد شركته اللي بقت أهم شركة دعاية واعلان في البلد، أول حاجة عينه بتقع عليها أول ما يدخل مكتبه صورته هو ورحمة اللي على مكتبه، رحمة اللي لولاها مكنتش الشركة دي هتبقى موجودة أصلاً، كان خايف ان كلامها قبل الجواز يتغير بعده لما تعيش الحياة بجد وتلاقي انها مش عايشة في نفس المستوى والرفاهيات اللي كانت متعودة عليها في بيت أهلها، بس هي كانت قد كلامها، وقفت جنبه وساعدته في كل خطوة، صدقت حلمه وآمنت بيه يمكن أكتر منه هو نفسه.

لما مامتها جات في يوم وقالت لها ان بنت عمها جوزها جاب لها عربية ولازم جوزك يجيب لك زيها عشان متبقيش أقل منها، قالت لها ان فرحتها الحقيقية يوم ما محمد يحقق حلمه ويفتح شركته ويكبروها مع بعض يوم بعد يوم ساعتها يبقوا يجيبوا أسطول عربيات حتى، كانت هي مصدر قوته ودعمه طول الطريق ولسة مكملين مع بعض عشان يحققوا أكتر. ابتسم محمد وهو بيفتكر كل الذكريات الحلوة مع حبيبته، وطلع موبايله عشان يطمن عليها.

  • ازيك يا حبيبتي عاملة ايه؟
  • وحشتني، ابنك بيسلم عليك، خد كلمه.
  • وااااااااااااء وااااااااء
  • طب ابعتي له البوسة دي.
  • وأنا فين بوستي؟
  • لما أجي هديهالك بنفسي متنفعش ع الطاير كدة.
  • قليل الأدب.
  • أموت أنا في قلة الأدب، يلا سلام دلوقتي ورانا مصالح.
  • طب متزقش، مع السلامة يا حبيبي.
  • بحبك
  • بحبك

تقفل رحمة التليفون وتتأمل في ابنها، وتكلمه: عارف ياواد انت اكتر حاجة بحبها فيك ايه؟ مش انك ابني انا اد ما انت ابنه هو، أبوك وأنا بولدك في المستشفى كان خايف عليا موت، كان بيقولي أنا لو أعرف انك هتتعبي كدة في الولادة كان بلاش منها الخلفة خالص، كان خايف أسيبه ميعرفش اني قاعدة على قلبكم انتم الاتنين، وانت لما تكبر هتشوف ازاي بابا وماما بيحبوا بعض وانهم جابوك بالحب مش زي أي اتنين بيجيبوا عيال وخلاص عشان لازم يخلفوا، ولما تكبر لازم تبقى راجل زي بابا مش زي ما الناس فاهمة الرجولة غلط.

الذوبان

images

   عاهدت نفسها مراراً أن لا تقع ثانية في نفس الخطأ، عاهدت قلبها أن لا تؤلمه بهذه الطريقة البشعة ثانيةً، لازالت تذكر تلك الأوقات عندما كانت معه، لم يكن لها وجود في تلك الحياة سوى أن يكون مقترناً بوجوده، كانت تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه، كانت كالدمية بين يديه وهو من يملك كافة خيوطها يحركها كيف يشاء وقتما شاء، كانت كقطعة سكر ذابت في فنجان شاي فلم يعد لها وجود، هي قطعاً تضيف مذاقاً حلواً للشاي ولكنها في سبيل ذلك تختفي عن الوجود، ولا يذكرها أحد.

    بينما يظل الشاي باقياً لآخر رشفة في الفنجان. يرتشف الناس الشاي مستمتعين بمذاقه ولا يذكر أحد فضل قطعة السكر الذائبة التي أعطته ذلك المذاق الرائع، كما أن الشاي يمكنه استبدالها بسهولة بشيء آخر كالحليب أو النعناع أو البسكويت ليعطيه مذاقاً مختلفاً بينما تظل هي –قطعة السكر- مهملة لا يعيرها أحد انتباهاً، وعندما تذوب في فنجان الشاي فهي لا تستطيع الانفصال مرة أخرى، تظل مرتبطة بوجوده للنهاية ولا يكون لها أي هوية خاصة، كذلك كانت هي.

   كانت كقطعة السكر تلك، ذائبة في حبه ولا وجود لها سوى ما يقترن بوجوده. لولا آدميتها التي حباها الله بها، لولا أنها لم تكن مجرد قطعة سكر فعلاً، لما أستطاعت الفكاك من وجوده، ولكن ذلك الفكاك –أو أنه ذلك الذوبان- كلفها كثيراً، فقد أمضت سنوات غالية من عمرها تضمد جراحها وتكفكف دموعها وحدها بينما مضى هو في حياته غير عابئاً بشيء كأنها لم تكن يوماً هنا!

   لقد احتاجت لسنوات حتى تعيد بناء ذاتها ويكون لها كياناً مستقلاً غير ذاك الذي ذاب وانمحى، اعتقدت أنها تخلصت منه ومن ضعفها، وعاهدت نفسها أن لا تكرر الخطأ، ولكنها كانت واهمة، فالخطأ لم يكن منه بل هو خطأها هي، وهي لا تزال كما هي، فتاة رقيقة حالمة تسلم كل أسلحتها أمام الحب، وتعطي كل شيء بدون مقابل، فهي في الحب لا يؤمن قلبها بالحلول الوسط، فهو إما أن يحب فيعطي كل شيء، أو لا يحب فلا يعطي شيء.

    وهاهي مرة أخرى تقع في الحب لتجد نفسها لم تتعلم شيئ البتة، لتجد نفسها تخلف كل وعودها وتكرر نفس أخطائها، الفرق فقط أنها تعلم كيف ستكون النهاية!

قهر متسلسل

قهر

استيقظ في الصباح الباكر متوجهاً إلى عمله، وصل متأخراً بعد أن عارك زحام الطرق، وبخه مديره على تأخره المعتاد على الرغم من أنه يعلم أن لا حيلة بيده وأن الذنب ليس ذنبه، كلفه بأشق الأعمال ولم يتهاون معه في أي هفوة، أمضى يوماً عصيباً في عمله ككل يوم.
عاد إلى منزله؛ فوجد زوجته منهكة من متابعة أطفاله طوال اليوم، وبخها لأنها لم تنهي اعداد الطعام بعد، على الرغم من أنه يعلم أن ابنهما الصغير كان مريضاً في الصباح وأن عليها أن تعتني به وبشقيقته الكبرى!
أثناء تناولهم للغداء سكب ابنهما الشوربة على ملابسه وعلى الأرضية، وبخته على الرغم من أنها تعلم أنه مريض ولا يقوى على التحكم بيده!
بعد أن أنهوا الغداء، دخل الطفل غرفته، فأقبلت قطته تتمسح في قدمه؛ فركلها بعيداً بقوة على الرغم من أنه يعلم أنها تداعبه!

الانتقام

images

كان طفلاً بريئاً عندما رأى أبويه يُذبحان أمامه بدمٍ باردٍ، لم يكن بيديه حِيلةٌ وقتها، ولكنه أصر على أن يسلك درب الانتقام، في طريقه للانتقام قتل العديد من الأبرياء بدمٍ باردٍ أمام ناظري أطفالِهم، انتقم لأبويه ولكنه اكتشف في نهاية الطريق أنه أضحى هو وقاتل أبويه سواء، أنه صنع العديد من أمثاله في الطريق، كلهم يسعون لنفس الانتقام!