جولة في الكتب: بتول (رواية)

لـ/ علاء أحمد

     بقدر ما هي رواية ناعمة وبسيطة بقدر ما هي مؤلمة وموجعة، تدور هذه الرواية حول بطلتها الملائكية “بتول” منذ أن حملت أمها بها، النصف الأول من الرواية هو حياة هادئة سعيدة لطفلة ومراهقة تنعم بحب والديها ورعايتهم رغم فقرهم المادي، ثم تنعم بحب طاهر بريء يتوج بالخطوبة والاستعداد للزواج، ولكن كما يقال: لا تعطينا الدنيا السعادة إلا لتسلبها منا عنوة، وهذا هو كان حال “بتول”، لم تلبث سعادتها أن تكتمل حتى فقدت والدها المحب، تلا ذلك اكتشافها لاصابتها بمرض الإيدز جراء نقل دم من عملية قديمة.

    وهنا تنتصف الرواية ليبدأ نصف آخر يحمل قدراً كبيراً من الحزن والمعاناة، كم تألمت لحال “بتول” ومعاناتها مع مجتمع قرر أن يعين نفسه إلهاً يطلق الأحكام جزافاً كما يشاء وفقاً لهواه دون مراعاة لأي ظروف، فالله جل علاه يسامح من يخطئ ويتوب ولكن مجتمعنا ذاك قد قرر أن يحكم بالخطيئة على من لم يقترفها يوماً وأيضاً لا يقبل منه توبة، في هذا الجزء ينتقل بنا الكاتب إلى عالم المتعايشين مع مرض الإيدز وما يعانونه من المجتمع بالإضافة إلى مرضهم ومعاناتهم حتى مع الأطباء الذين يلجأون إليهم!

    تمتع الكاتب بلغة شاعرية رائقة تنساب بسلاسة متناسقة مع أحداث الرواية وشخصية البطلة الملائكية ورومانسيتها، وعلى الرغم من أنني من أنصار كتابة الحوار بالعامية في القصص والروايات لما يضفيه من واقعية على الأحداث، ولكن في هذه الرواية كان حوار الفصحى ممتعاً للغاية ومفرداته تمتعت بلغة شاعرية جميلة ربما كنا نُحرم منها لو كُتب الحوار بالعامية، المأخذ الوحيد الذي قد آخذه على الكاتب، وليس الكاتب فقط بل ربما كل الكتاب الجدد وأنا منهم، فعندما نكتب حدثاً أو مشهداً نعمد إلى الكثير من التوضيح والتوجيه للقارئ ليفهم ما نلمح إليه.

    أعتقد أن هذا ليس دور الكاتب، فعلى القارئ أن يُعمل عقله أيضاً مع النص الذي يقرأه ويفهم من السرد ما يصبو الكاتب إليه، أو يأوله وفقاً لقدرته على الفهم، وإلا تحول النص الأدبي الفني إلى عمل وعظي، وهذا ليس دور الأديب -الكاتب الروائي أو القصصي-، وإنما قد يكون دور الكاتب في مقالاته أو رجل الدين على منبره.

Advertisements

جولة في الكتب: شراع من أوراق الشجر (رواية)

لـ/ أحمد غريب

   أعشق ذلك النوع من الخيال الذي يقتحم عوالم لم نعشها يوماً ويرسم شخوصاً لم نقابلهم في حياتنا، أدعي أنه قد يكون من السهل كتابة رواية أو قصة تدور أحداثها في بيئة معاصرة بشخوص قد نقابلهم يومياً في حياتنا، فقصص كهذه تكون مستمدة من واقعنا مع تصرف أدبي لكاتبها، ولكن أن يرسم الكاتب بيئة مغايرة تماماً لم نعشها يوماً وأحداث وشخصيات لا يقابلها أحد في حياته لتكون منبعاً لإلهامه، فهذا ما أدعوه بالإبداع!

    تدور الرواية في عالمين على خطين متوازيين، عالم معاصر حيث بعثة كشفية أثرية تبحث في تاريخ جزيرة معزولة، وعالم بدائي قديم هو تاريخ تلك الجزيرة المعزولة التي لا يستطيع العلماء فك طلاسمها، تصوير تلك الحياة البدائية التي كانت قائمة على الجزيرة يوماً ما، كان تصويراً موفقاً إلى حد كبير، وينم عن قدرة الكاتب على معايشة وتقمص ظروف وأحداث قصته، في نظري العيب الوحيد في الرواية هو كثرة اعتماد الأسلوب الوعظي والإرشادي من الكاتب أثناء السرد.

    ففي كثير من المواقف –خاصة في العصر البدائي- كان يتوقف الكاتب عن السرد ليشرح الموقف ويقارنه بحياتنا المعاصرة ويبدي وجهة نظره ورأيه الشخصي، بينما أعتقد أن هذا دور القارئ أن يستنبط هوالمقصود والهدف من السرد فليس هذا دور الراوي، فالرواية أو القصة هي عمل فني كاللوحة، لا يتوقف الفنان عند الرسم ليشرح لما رسم هذا الشكل في هذا المكان وما المقصود من ذلك، بل ينهي عمله كاملاً كما يرتأيه ويترك تأويله للجمهور كل يراه حسبما شاء.

    ولكن بالطبع هذا لا ينفي جودة العمل (الرواية)، وأنه ينبئ عن كاتب واعد سيكون له مستقبل باهر بإذن الله، على أن يستثمر خياله الخصب –الذي نحن في أمس الحاجة إليه في زمن توقفنا فيه عن الخيال والتفكير واكتفينا بأن ندور في حلقات مفرغة حول ما نعرفه بالفعل خوفاً من اقتحام المجهول والخروج عن دائرة الأمان-، وفي انتظار المزيد من الأعمال التي تتفوق على هذا العمل إن شاء الله.

جولة في الكتب: أوجاع ساكنة

لـ/ الشيماء جمعة مراد

حصلت على هذه المجموعة القصصية من كاتبتها، وتتنوع قصصها بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جداً، وقد وفقت في اختيار عنوانها، فكل قصة في هذه المجموعة تعبر عن وجعاً ما، تتنوع هذه الأوجاع ما بين: جحود الأبناء، واهمال الآباء، العنوسة، فقد القيم والثوابت، تخلي الحبيب، الخطيئة، تحطم الأحلام، الحب غير المتكافئ، ضياع سنوات العمر، المعاناة من العادات والتقاليد البالية، خرافات البسطاء التي تقودهم إلى الهلاك، الغربة، والموت بكل أشكاله: موت الأبناء، الزوج، والنفس، وحتى الأوجاع القومية: غزو العراق وما صحبه من مجازر وجرائم، مأساة شعب فلسطين المهجر، وجدت مكانها بين تلك الأوجاع الساكنة!

   تميزت بعض قصص المجموعة بلغتها الشعرية وتصويراتها البليغة وقدرتها على وصف المشاعر والأحاسيس، بينما قصص آخرى عابها –من وجهة نظري- الاقتضاب المبالغ فيه، وكثرة الجمل الفعلية التقريرية التي لا تلامس الشعور، أعلم أن هذا أيضاً أسلوباً قصصياً ومدرسة في كتابة القصة القصيرة، ولكني لا أحبذه، فأنا أميل أكثر للغة الشعرية في القصة ووصف الحالة الشعورية أكثر من الخبرية، في مجمل الأمر كانت مجموعة قصصية مميزة وأرشحها بشدة لمحبي النهايات الحزينة، فكل القصص كانت ذات نهايات حزينة وهذا أيضاً يتوافق مع عنوانها “أوجاع ساكنة”!

جولة في الكتب: عداء الطائرة الورقية

 لـ/ خالد حسيني

  قبل أن أقرأ هذه الرواية لم أكن أعرف عن أفغانستان سوى الحرب السوفيتية وحركة طالبان وتنظيم القاعدة، كنت أعتقد أن ذلك المكان كان دائماً في حروب، وأن كل الأفغان يعيشون في أفغانستان يتناحرون معاً ومع القوى الخارجية وفقط لا شيء آخر، لم أكن أدرك أنها كانت دولة مستقلة ذات يوم، كان الناس فيها يحيون حياة طبيعية كباقي الشعوب، كانت دولة مدنية عصرية في وقتها، الرواية تحكي عن أفغانستان ما قبل الحرب وبعدها من خلال بطل الرواية “أمير”.

    تبدأ أحداث الرواية في الستينيات حيث كان “أمير” طفلاً مدللاً لأب من أهم أغنياء كابول وأم متوفية كانت أستاذة جامعية في الأدب والشعر، يحيا “أمير” في منزله مع أبوه الذي لا يجد منه الحنان والعطف المعنوي ويظن أنه يعاقبه على موت أمه أثناء انجابه، وفي المنزل أيضاً خادمهم الوفي “علي” وابنه “حسان” الذي يصغره بعام واحد، يعيش “أمير” طوال طفولته صراعاً داخلياً بين إذا ما كان “حسان” صديقه أم خادمه، بشكل ما يخون “أمير” “حسان” ويفترقا.

     خلال تلك الأحداث الشخصية لا تستقر أفغانستان على حال، تسقط الملكية وتُعلن الجمهورية، ومن بعدها يدخل الاتحاد السوفيتي وتتحول أفغانستان إلى بلد حرب، مما يضطر أبو “أمير” للهروب إلى أمريكا دون أن يستطيع أخذ شيء من ثروته معه، وما استطاع الهروب به أنفقه في رحلة الهروب، فيعيشا حياة الفقر في أمريكا، وبعد أن كان من أهم أثرياء كابول، يعمل في محطة وقود ويبيع الخردة في سوق الخردة كل سبت، هناك من يظنون أن الكاتب أسهب في الجزء الخاص بحياة “أمير” ووالده في أمريكا.

    لكن أعتقد أن الهدف من هذا الجزء هو ابراز حياة الأفغان الذين هربوا من الحرب في بلاد منفاهم، وليس فقط التركيز على أفغانستان قبل وبعد الحرب، وإلا كان من الممكن أن يكتب عن حياة شخص ممن بقوا في أفغانستان وليس من هربوا منها، في الرواية “أمير” يعود إلى أفغانستان لينقذ ابن “حسان” بعد أن يعلم أن طالبان قتلت والديه وأودع في أحد ملاجئ الأيتام والتي هي أسوأ ما يكون في أفغانستان، يفجع بالدمار الذي يراه في مدينته كابول وما حل بحيه ومنزله.

   المنزل الذي كان درة كابول، لا تنقطع عنه الأضواء والحفلات ليل نهار، أصبح منزلاً تسكنه الأشباح، تحطمت نوافذه وجدرانه وعشش الخراب في جنباته، حديقته التي كانت تشع بأشكال وألوان من الزهور والنباتات أصبحت جرداء لا حياة فيها، التقى أحد المتسولين في حيه القديم ودار بينهما حوار أفصح له فيه عن هويته ليكتشف أن ذاك المتسول كان أستاذاً جامعياً في جامعة كابول زميلاً لأمه في الستينيات، يصل لابن “حسان” بعد عناء ويستطيع انقاذه واخراجه من أفغانستان بعد أن كاد يفقد حياته في سبيل ذلك.

    تنتهي الرواية بتبني “أمير” لـ”سوهراب” ابن “حسان” ليحيا معه في أمريكا، ويطيرون معاً الطائرات الورقية كما كان يفعل مع أبوه في طفولتهما. إلى جانب أهمية الرواية كمصدر للتعرف على أفغانستان المجهولة لدى أغلب سكان العالم الذين لا يعرفوا عنها شيئاً سوى الحرب وحركة طالبان، إلا أن الرواية أيضاً مفعمة بالمشاعر الانسانية والمواقف الحياتية الراقية، ففيها صداقة الطفولة ومشاعر الأبوة والبنوة، مشاعر الفقد والحنين، الندم والألم، الثقة والخيانة، وأيضاً مشاعر الحب، لا أعتقد أن هناك رواية أخرى حوت بين جنباتها كل هذا الكم من المشاعر الإنسانية.

    تتركني الرواية ولدي فضول كبير للتعرف أكثر على أفغانستان وتاريخها وأسباب وصولها إلى تلك الحالة المذرية، ولا بد لي من قراءات آخرى عنها، ليس فقط روايات وإنما أيضاً قراءة في التاريخ، فربما لو لم ننتبه لوصلنا يوماً إلى نفس الحال!

جولة في الكتب: رواية زينب

للدكتور محمد حسين هيكل

  حصلت على تلك الرواية من معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام 2008 تقريباً، كنت وقتها فتاة مراهقة في الثامنة عشر أو التاسعة عشر من عمري، أمضيت قرابة الشهرين أقرأ فيها والملل يعتريني على أمل أن أصل لأي مغزى أو هدف من الرواية ولكن لم يحدث، لم يكن هناك من أحداث تذكر في الرواية، فهي تتمحور حول زينب الفلاحة التي تحب ابراهيم كاتب الأنفار ويغازلها حامد ابن مالك الأرض وتتزوج حسن وفقاً للعادات والتقاليد دون أن تملك حق الرفض والاختيار.

    تفشل زينب في أن تحب زوجها وتمضي حياتها القصيرة تتوق لابراهيم حتى تمرض بالسل وتموت وهي تلهج باسمه، هذا هو ملخص أحداث الرواية وكل ما تحتويه بين صفحاتها المائتان هو حشو لا طائل منه ولا هدف، لم تستهويني الرواية وقتها وظلت طوال تلك السنون مركونة بين أرفف مكتبتي، حتى تم اقتراحها للمناقشة في نادي الكتاب بقصر ثقافة أسيوط، فأعدت الاطلاع عليها سريعاً مع تذكري لرأيي فيها وقتها، لم يختلف رأيي في الرواية ولكن اختلفت نظرتي للأمور.

   كمجرد رواية وعمل فني فهي غير ممتعة ولا تلفت الانتباه، ولكن إذا ما أعدنا تقييم الأمور وفقاً لظروف وزمن كتابة الرواية، فلابد أن نذكر أنها أول رواية مصرية لم يسبقها عمل فني ولم يكن هناك من روائيين وذوق عام للفن يتمثل الكاتب خطاهم، فيعتبر الدكتور محمد حسين هيكل هو أول من كتب الرواية في مصر، كما ان طبيعة الزمن والأحداث في ذلك العصر، وهو أوائل القرن الماضي، كانت الأحداث بطيئة والحياة تمر ببطء وملل، لم تكن الحياة في سرعة حياتنا الآن، ولم يكن اليوم مكثفاً بالأحداث كأيامنا تلك.

    من الظلم مقارنة الرواية التي كتبت منذ أكثر من قرن من الزمان بتلك الروايات التي تكتب الآن، ففي عصرها كانت عملاً فذاً، ولكن أيضاً هذا لا يعني أننا سنستطيع الاستمتاع بها رغماً عنا، لذا لا أنصح بها لمن يقرأ بهدف المتعة أو التسلية لأنه لن يحظى بأي منهما من خلال قراءة هذه الرواية، ولكن قد تكون مفيدة لمن يدرس أمور الكتابة أو يهتم بها فتساعده على الاطلاع على أنواع وأساليب الكتابة القديمة وكيف كتبت أول رواية ويتعرف أكثر على تاريخ الكتابة.

جولة في الكتب: زهرة الشوك (قصص قصيرة)

للكاتب/ عادل سركيس

يقول الكاتب في مقدمة كتابه أن مجموعته القصصية مختلفة عن ما هو سائد وقد لا تروق النقاد إذا ما قيست طبقاً لعناصر التقييم الأدبي المأخوذة عن الغرب.. لا أعرف بشأن التقييم الأدبي المأخوذ عن الغرب ولكن حقاً مجموعته القصصية مختلفة، لا اعلم إذا ما كانت للأفضل أم للأسوأ، ولكنها مختلفة! في أحد التعريفات للقصة القصيرة تعرف بأنها لقطة لحدث، ولكن على أي أساس يتم اختيار الحدث وما الهدف منه؟!، فأغلب قصص المجموعة هي أحداث ولكن كقارئ لا تفهم ما الرسالة أو الهدف من معرفتك لتلك الأحداث!

ففي قصص الأميرة رانيا ومن بلاد نيام نيام والتقاليد اللعينة كانت القصص تبدو إلى حد كبير مجرد حشو معلومات عن البلاد المختلفة وعاداتها وتقاليدها عن طريق الحوار القصصي، ومن معرفتي الشخصية بالكاتب أعلم أنه زار وعاش فعلاً في هذه البلاد: (أمريكا- زيمبابوي- البحرين)، لذا أشعر أن هذه القصص هي اقتطاع لذكريات من حياته الشخصية وقد يكون هو بطلها الحقيقي، وربما هذا هو السبب في افتقارها لبعض الاثارة والمشاعر، فهي لا تعدو كونها تدوين شخصي لذكريات جافة مع أغراب لا تربطه بينهم مشاعر حقيقية، ورغبة في سرد المعلومات ليس إلا.

أما في قصة زهرة الشوك ويستوفى التحقيق فقد تضمنتا كل ما قد أبغيه في القصة التي قد أستمتع بقرائتها، قصة زهرة الشوك تضمنت مشاعر راقية وألقت الضوء على حياة طفلة يتيمة حرمت حنان الأب بموته وحرمت حنان الأم بجحودها لها وتخليها عنها لدور الأيتام، وكيف قاومت كل تلك الظروف لتبني لنفسها شخصية مستقلة تستحق السعادة والحب، أما قصة يستوفى التحقيق فسلطت الضوء على فساد شركات القطاع العام وما يستشري فيها من رشا واختلاسات والإحباط الذي يصيب الأمناء والأوفياء الذين يسعون لإصلاح الأمور واعطاء كل ذي حق حقه، عندما يواجهون الواقع المر بفشلهم وانتصار الفساد!

وعلى الرغم من احساسي بأن هذه القصة أيضاً “يستوفى التحقيق” هي أيضاً جزء من حياة الكاتب الشخصية، حيث أن وظيفة بطل القصة هي نفسها وظيفة الكاتب الأساسية، ولكنه في هذه المرة أجاد بشكل رائع توظيف حياته الشخصية في قصة قصيرة متكاملة الأركان.

جولة في الكتب: أثقل من رضوى

رضوى عاشور

  لا أعتقد أن بامكان أحد أن يكتب عن كاتب بأكثر ما يمكنه هو الكتابة عن ذاته، خاصة عندما يكون هذا الكاتب بحجم العظيمة “رضوى عاشور” (رحمها الله)، لم يكن قلمها قلماً عادياً يسطر بعض الأحرف بشكل منمق باحثاً عن جماليات اللغة وباعثاً على تسلية الوقت بالكلمات، كانت تحمل قضية أمة، كانت تترسم خطى حضارة خلفناها وراء ظهورنا وجهلناها، كانت تحرص على بعثها من الماضي لنعي ماضينا ونرسم مستقبلنا، ربما ساعدها في ذلك تخصصها الأكاديمي واطلاعها الواسع على الأدب العالمي بمختلف فروعه.

   في كل رواية من رواياتها كنت أتلمسها في بطلة الرواية، أشعر أن بها شيئاً من ملامحها بخلاف الروايات التي كتبتها في الأصل مقتبسة عن أحداث حياتها الشخصية كرواية أطياف والرحلة وكتاب سيرتها الذاتية “أثقل من رضوى” والذي تضمن سنواتها الأخيرة في رحلتها مع المرض وأحداث الربيع العربي، من قرأ الكتاب قد يعي أنه لم يكن كتاب سيرة ذاتية بقدر ما هو تأريخاً لحقبة زمنية من أهم الفترات في عصرنا الحديث، لم تكن تروي أحداث حياتها الشخصية بقدر ما كانت تصب اهتمامها على تسجيل أحداث الثورة وما تلاها في فترة تولي المجلس العسكري شئون البلاد.

    أمضت حياتها تحارب بقلمها، تحارب الظلم والاستبداد في وقت كانت البلاد تغرق في الظلام ولم يكن يعبأ بها أحد، دفعت ثمن حربها تلك غالياً من استقرارها الأسري وحياتها الشخصية حيث تم نفي زوجها “مريد البرغوثي” -فلسطيني الجنسية- من البلاد مما أدى لتشتت أسرتها الصغيرة، ومع ذلك لم تكل أو تمل من وقوفها في وجه الطغيان لآخر لحظة من حياتها، شاركت في أحداث ثورة يناير بقدر ما استطاعت بعد أن عاقها مرضها وعلاجها في الخارج لفترة من المشاركة.

   ولكن عندما عادت إلى مصر لم تعقها آثار المرض والجراحات المتتالية التي أجرتها في الخارج عن المشاركة في كل الأحداث التالية سواء في التحرير أو محمد محمود أو مظاهرات الجامعة في جامعة عين شمس التي كانت أستاذة لطلابها، الذين علمتهم معنى الحرية والكرامة وأخلاقيات الثورة، ووقفت جانبهم في ثورتهم تدافع عن حقوقهم وتتصدى معهم لبلطجية الطلبة الذين ظهروا جلياً في تلك الفترة لقمع الطلاب والتصدي للثورة، ظلت على كفاحها وحريتها إلى أن توفيت مساء الأحد 30 نوفمبر 2014 عن عمر يناهز 68 عاماً لتظل أيقونة ورمز وقدوة لطلابها وقرائها من التقوا بها وعرفوها شخصياً ومن التقوا بها وعرفوها على صفحات ابداعاتها.

جولة في الكتب: المرأة المسلمة

المرأة المسلمة

محمد متولي الشعراوي

   على الرغم من عظمة الشيخ الشعراوي إلا انه لم يتخلص من تلك النظرة الشرقية الذكورية الخالصة للمرأة، فهو يرى أنه لا يحق للمرأة أن تعمل إلا تحت وطأ الحاجة الملحة وليس لها أن تخرج من بيتها إلا لضرورة قصوى، على الرغم من أن زوجات الصحابة كانوا يعملن مع أزواجهن فيما يعملون فيه، فقد كانت السيدة “أسماء بنت أبي بكر” تحمل النوى لأرض سيدنا “الزبير بن العوام”، وكانت زوجات الرسول (صلى الله عليه وسلم) يخرجن في الغزوات لتطبيب الجرحى.

    وكانت السيدة “خديجة بنت خويلد” تدير تجارتها، وقد عين سيدنا “عمر بن الخطاب” امرأة قاضية في السوق تحكم بين التجار، وتلك كانت هي الأعمال الموجودة في ذاك العصر فلم يكن هناك شركات ومؤسسات ليعملن فيها فقد عملوا في كل مجالات العمل المتاحة في ذاك العصر ودون وجود ضرورة قصوى بل كان أمراً طبيعياً لم يعترض عليه أحد أو يرى أنه أمر شاذ ولكن بعد قرون أبت تلك النظرة الذكورية البغيضة أن ترى المرأة تعتلي المهن والوظائف لتكون أمهر من عديد من الرجال!

   ولذا ظهرت فجأة تلك الرؤى والتفسيرات والتأويلات التي تلصق بالاسلام زوراً أنه يمنع المرأة عن العمل إلا للحاجة والضرورة القصوى، وأن المكان الوحيد المسموح للمرأة التواجد فيه شرعاً هو البيت، ناسين أو متناسين أن المرأة منذ فجر الاسلام كان لها الدور الأساسي والرئيسي في نشر الدعوة ومساندتها بدءاً من السيدة “خديجة بنت خويلد” التي ناصرت الرسول (صلى الله عليه وسلم) بمالها وايمانها ومشاعرها وحاربت الدنيا لأجله، وتحملت الجوع والعطش معه في حصار قريش لهم في الشعب حتى أودى ذلك بحياتها في عام الحزن.

    مروراً بالعديد من الصحابيات كالسيدة “سمية بنت الخياط” أم “عمار بن ياسر” أول شهيدة في الاسلام، و”نسيبة بنت كعب” التي وقفت تزود عن الرسول بحياتها، والعديد من الصحابيات اللواتي كان لهن أدواراً عديدة في الدولة الاسلامية الناشئة، ولم يثنيهن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن أدوارهن تلك ويأمرهن أن يلزمن بيوتهن ليكون لا دور لهن في الحياة سوى أن يعشن في ظل رجل يمحو وجودهن من الحياة ليطغى هو عليهن بوجوده ويعشن هن دائرات في فلك رجالهن فقط لا غير!

كتاب الأسبوع: أوليفر تويست

لتشارلز ديكنز

    تبدأ أحداث رواية “أوليفر تويست” بولادة طفل في إحدى المؤسسات الخيرية بانجلترا، وقد ماتت أمه بعد ولادته مباشرة، وأطلق عليه المشرفون على المؤسسة اسم “أوليفر تويست”. وعندما بلغ التاسعة من عمره، أرسلوه إلى حانوتي ليعمل صبياً له، ولكنه لاقى سوء معاملة من زوجة الحانوتي، وكان ينام في حجرة شديدة الظلام وسط التوابيت الفارغة المخصصة للموتى، كما كان يأكل اللحم المخصص للكلاب! لم يتحمل “أوليفر” هذه الحياة البائسة، فقرر الهرب من منزل الحانوتي، وظل هائماً على وجهه في أزقة لندن لعدة أيام.

    كان “أوليفر” طوال تلك الأيام يتسول الطعام وينام على أكوام القش حتى قابل صبياً أكبر منه قليلاً يدعى “بيتس”، وعده بالعمل والغذاء والمأوى، ولكنه في الواقع كان لصاً. واضطر “أوليفر” للعمل معه، وبينما كان “بيتس” يسرق رجلاً ثرياً في الشارع ومعه “أوليفر”، تنبه الرجل وصاح طالباً النجدة، وعلى الفور تجمع المارة وأخذوا يركضون خلفهما، ولكنهم لم يتمكنوا من الامساك سوى بأوليفر. وفي قسم الشرطة اتضحت براءة “أوليفر” من السرقة؛ فأشفق عليه الرجل الثري “براونلو” وأخذه معه إلى منزله.

    وفي منزل الرجل الثري يلاحظ الجميع الشبه الكبير بين “أوليفر” وصورة امرأة معلقة على الجدار هي أخت “براونلو” التي هربت منذ عشر سنوات، وفي النهاية يتضح أنها أم “أوليفر” التي توفيت أثناء ولادتها له، وينال “أوليفر” نصيبه من الميراث ويعيش مع أهل والدته، وفي هذه الرواية أعتقد أن هدف “تشارلز ديكنز” كان تسليط الضوء على حياة الأطفال المشردون في الشوارع وما قد يئول إليه مصيرهم من اللحاق بركب الجريمة ليصبحوا في النهاية مجرمين محترفين وقنابل موقوتة في شوارعنا.

   تلك المشكلة التي أظنها قد انتهت من شوارع الدول المتقدمة كبريطانيا وأمريكا ودول أوروبا ولكن شوارعنا لازالت تئن بها ولا يلتفت إليها أحد، فعلى الرغم من تضخم مشكلة أطفال الشوارع والمشردون في مصر والكثير من البلدان العربية ولكن قل أن تجد عملاً أدبياً أو حتى فنياً يناقشها برقي وواقعية بعيداً عن اللعب على محاور الجنس والمتعة لزيادة الإيرادات، ذلك فيما يتعلق بالسينما والتلفزيون أما في مجال الأدب فلا أذكر أنني قرأت رواية أو قصة واحدة تناولت هذا الموضوع من أي جانب!

جولة في كتاب: أسرار … الشخصية المؤثرة؟

لـ عاطف عمارة

     يمكن تلخيص فكرة هذا الكتاب بأن كل انسان يستطيع تكوين شخصيته وتغييرها بيديه عبر تنمية ملكاته ومهاراته الخاصة التي حباه الله بها، ويرسخ لفكرة أن ليس هناك أشخاص مميزون عن الآخرين أو لديهم قدرات خاصة، فجميعنا نحظى بنفس القدر من تلك القدرات كامنة في ذواتنا والفرق بين شخص وآخر أن هذا يكتشف ذاته وينميها ويخرج قدراته للنور، بينما الآخر يسمح للمحيطين به باحباطه وتثبيط همته ويقنع نفسه أن ليس بامكانه فعل شيء فتركن نفسه إلى الكسل والخمول فيكون مصيره الفشل في الحياة.

    وأعقب ذلك بتوضيح لمعالم الشخصية المؤثرة والتي أجملها في كونها شخصية قيادية ومبادرة، مبدعة ومبتكرة، شجاعة وجريئة، عملية نشيطة منظمة صابرة وجذابة لطيفة حاضرة الذهن والبديهة بشوشة مرحة ووقورة حكيمة لا تلين أمام الصعاب ولا تعترف بالفشل والهزيمة، شخصية نزيهة صادقة دافئة حنونة تعطي لكل شيء في الحياة حقة ولا تنغمس في شيء على حساب الآخر، شخصية تعرف كيف تستخدم كل مواهبها لتحقيق النجاح والتأثير على الآخرين، شخصية متفائلة سعيدة ناجحة ناضجة متجددة مستقرة مؤمنة بذاتها ومواهبها.

    وفي ختام الكتاب وضع بعض الاختبارات الشخصية التي تتم احتساب درجاتها باجابات نعم ولا والحق أنني لا أحب هذا النوع من الاختبارات وأشعر أن لا فائدة منها ونتيجتها لا تحوي معلومات ذات قيمة للأسف!