جولة في الكتب: عظماء في طفولتهم

لـ/ د. محمد المنسي قنديل

    يتناول الكتاب مواقف من حياة عظماء ومشاهير في مختلف المجالات أثناء طفولتهم أثرت على حياتهم فيما بعد وكانت السبب في نبوغهم، ويعرض الكتاب لهذه المواقف بأسلوب قصصي في المقام الأول لذا لا نستطيع اعتباره كتاباً تاريخياً، خاصة وأنني أعتقد أن أغلب هذه المواقف هي من مخيلة الكاتب أكثر منها توثيقاً لحقائق حدثت بالفعل، ربما لم أقرأ تفاصيل حياة أولئك العظماء جميعاً ولكن يكفيني في هذا الشأن الإشارة إلى القصة التي أوردها عن “طه حسين”.

    جميعنا –المصريين- درسنا كتاب الأيام لـ”طه حسين” في المرحلة الثانوية الذي هو عبارة عن مذكراته، وفيها أورد أنه أحرج والده وشيخه عندما تباهوا بحفظه للقرآن أمام أهل القرية ولكنه لم يستطع أن يتذكر شيئاً من السور القرآنية التي طلبوا منه تلاوتها، بينما الدكتور محمد المنسي قنديل يورد قصة مختلفة تماماً عن أن شيخ الكتاب هو من رفض امتحانه في القرآن لأن أبيه لم يدفع رسوم تعليمه؛ فجلس يقرأ القرآن مع رفقائه عند بيته واجتمع أهل القرية لسماعه وشهدوا له جميعاً بحفظ القرآن!

     فإما أن الدكتور “محمد المنسي قنديل” يعرف عن حياة “طه حسين” أكثر منه شخصياً، أو كما قلت هي فقط قصص من وحي حياة أولئك العظماء والمشاهير ليس شرطاً أن تكون حقيقية، كما أن أسلوب السرد مناسب لفئة الأطفال والمراهقين، لا أعرف إذا ما كان الكتاب كُتب فعلاً موجهاً إلى هذه الفئة أم لا، فلا يوجد ما يدل على ذلك في غلاف الكتاب أوالمقدمة التي لم تكن سوى جملة واحدة، ولكن إذا ما قُدم هذا الكتاب لهذه الفئة (الأطفال والمراهقين) مضافاً إليه بعض الرسوم المشوقة سيكون أكثر فائدة، حيث أنه محبط جداً على كافة المستويات إذا ما كان موجهاً للكبار!

    العظماء الذين تناول الكتاب ملامح من طفولتهم هم: عمرو بن الجاحظ، الحسن بن الهيثم، أبو الريحان البيروني، صلاح الدين الأيوبي، عبد الرحمن بن خلدون، ياقوت الحموي، جابر بن حيان، شهاب الدين بن ماجد، عبد العزيز بن سعود، عبد الحميد بن باديس، عبد الكريم الخطابي، طه حسين، عباس العقاد، جمال عبد الناصر، نابليون بونابرت، توماس إديسون، فلورانس نايتنجل، ليو تولستوي، ماري كوري، والمهاتما غاندي.

Advertisements

جولة في الكتب: خطاب إلى العقل العربي

لـ/ فؤاد زكريا

    الكتاب عبارة عن مقالات للكاتب المفكر فؤاد ذكريا نشرها في فترة الثمانينات في مجلة العربي الكويتية، وتم تجميعها في ذلك الكتاب من قبل مشروع مكتبة الأسرة، وقدم الكتاب الدكتور محمد الرميحي رئيس تحرير مجلة العربي الكويتية، وصُنف الكتاب في ثلاث فصول، كل فصل يضم مقالات تندرج تحت موضوع واحد، فموضوع الفصل الأول كان عن الثقافة العربية، وقد تضمن ستة مقالات، تناول فيهم وضع الثقافة في مجتمعاتنا العربية وتعريف الثقافة وأهميتها في النهوض بالمجتمعات، وجدلية الأصالة والمعاصرة في الثقافة وأهمية التوفيق بين الجانبين للنهوض بثقافتنا الحالية، فلا ننغمس في أمجاد الماضي ونكتفي بها لنعيش حاضرنا ومستقبلنا على ذكراها، ولا نتنكر لماضينا ونلهث وراء كل ما يأتينا من الغرب دون تمييز  بدعوى المعاصرة واللحاق بركب الحضارة!

   كما تطرق لأزمة تعريب وترجمة العلوم والثقافات الأجنبية في حاضرنا العربي، وقارنها بحركة الترجمة في بداية الدولة الإسلامية والتي كانت سبباً كبيراً في إزدهار الحضارة والثقافة الإسلامية آنذاك بعدما أخذوا من علوم وفلسفة الإغريق والفرس وبلاد الهند، وهضموها واستوعبوها ليخرجوا بثقافاتهم وفلسفتهم الخاصة، وأشاد بأمانتهم ودقتهم العلمية في الترجمة آنذاك، بينما أشار أن في وقتنا الحالي تخضع الترجمة لآليات السوق، وحتى يحظى الكتاب المترجم بالرضا والاقبال الشرائي يلجأ المترجم أحياناً إلى تحريف محتوى الكتاب بما يتناسب مع العقليات السائدة مما يخرج به مغايراً تماماً لما قصده مؤلفه الأساسي!

     وتطرق أيضاً إلى مفهوم الأمن الثقافي وما يوحي به إلى توفير الحد الأدنى من الثقافة، كالأمن الكسائي والأمن الغذائي، وهذا غير مقبول في الثقافة حيث لا يوجد حد أدنى، والإنسان يحتاج دائماً أن ينهل من الثقافة دون اكتفاء، كما أشار إلى الهوة الثقافية بين جيلي الكبار والشباب، وأرجعها إلى حرص الكبار دائماً على التمسك بالقديم والتطرف أحياناً في ذلك، كما أشاد بتجربة الكويت الثقافية المتمثلة في اصداراتها التي غزت العالم العربي وقتها لجودتها الثقافية والفكرية وأيضاً جودة اخراجها الفني كمجلات العربي وعالم الفكر وغيرها كثير من الإصدارت التي استحوذت على اهتمام مثقفي العالم العربي في مختلف المجالات.

     أما الفصل الثاني فكان عنوانه الفكر والممارسة في الوطن العربي، وقد تضمن ستة مقالات أيضاً، تناول فيها قضية الإيمان والعلم بما تضفيه من جمود على التفكير العلمي بمحاولة تفسيره دائماً بالنص الديني، فإذا لم يتوافق معه أو لم يوجد له تفسير ديني، يتم انكار ما توصل له العلم ووصمه بالكفر والإلحاد، وهي قضية جدلية انتهت منذ زمن طويل في الدول المتقدمة ولكننا لازلنا نعيش في هرائها مما يعيق تقدمنا ولحاقنا بركب الحضارة، وبالطبع يرتبط كل ذلك في مجتعاتنا بفكر الطاعة العمياء دائماً التي تتسلط على تفكيرنا، ففي كل مجال وموقع هناك سلطة يستوجب عليك طاعتها طاعة عمياء دون أن يكون لك حق التفكير والنقاش، بدءاً من الأب والزوج في البيت، مروراً برؤساء العمل والمسئولين الحكوميين، وصولاً لرئيس الدولة الذي يلعب دور الأب لشعبه ومن هذا المنطلق يستوجب عليهم احترامه وطاعته دون نقاش!

    ويشير أنه في الوقت الذي لا يتورع العربي عن استيراد كافة احتياجاته من الإبرة للصاروخ -كما يقال- من دول الغرب، ولكنه ينظر إلى الأفكار التقدمية الغربية باحتقار كونها أفكار مستوردة دخيلة على التراث الثقافي العربي، فيما يؤكد الإزدواجية الفجة لهذا التفكير العقيم، وفي مقال أسطورتان عن الحاكم والأعوان، أشار إلى تلك التبريرات الواهية التي تبرر دائماً الديكتاتورية والظلم في المجتمعات العربية، فإما أن الحاكم بريء مغلوب على أمره إذ أن أعوانه هم من يقومون بهذه الأفعال دون علمه، أو أن الأعوان هم المغلوبين على أمرهم إذ أن الحاكم هو من يأمرهم بتلك الأفعال وهم فقط يؤدون دور “عبد المأمور” خوفاً من بطشه، والأسطورتان لا ينفيا المسئولية عن الطرفين –الحاكم وأعوانه- إذ ليس عذراً أن الحاكم لا يدري بما يجري في البلد التي يحكم، إذ هو عذر أقبح من ذنب، وليس عذراً للأعوان أنهم ينفذون أوامره إذ أن من واجبهم أيضاً في تلك الحالة الخروج عليه ومصارحة الشعب بحقيقته وفضحه وعزله.

     تناول أيضاً قضية الإرهاب من زاوية عربية، وعدم جدوى تبرير العمليات الإرهابية العربية كونها رفضاً للظلم الواقع على المجتمعات العربية ولفت نظر العالم للقضايا العربية والعدوان الواقع عليها، إذ أن ذلك وإن كان صدقاً إلا إنه يفقد تلك القضايا أي تعاطف عالمي معها بل يجعل مواطني ذلك العالم الغربي يعتاطفون مع حكوماتهم أكثر في حربهم المعلنة ضد الإرهاب العربي والإسلامي كما يصدرونه لهم وتؤكده لهم تلك العمليات الإرهابية، والتي لا تصلح إلا كعمليات انتقامية ليست لكسب التعاطف أو التأييد، وإنما تنفيذاً لمقولة علي وعلى أعدائي، ولكن في هذه الحالة سيتحول العالم إلى غابة يُقتل فيها الأبرياء على الدوام بينما ينعم الوحوش الذين يديرون تلك الحروب بحياة هانئة مليئة بالرفاهية!

    في المقال الأخير من الفصل الثاني تناول بالنقد والتحليل كتاباً لمفكر أمريكي في تحليل العقل العربي اعتمد فيه على رؤيته الشخصية وشهادات أناس لا صفة لهم ولا يعرف أحد عنهم شيئاً؛ ليصل بقارئه إلى حقيقة واحدة مؤكدة، وهي أن العربي هو انسان كذاب كسول يعتمد على الغير دائماً ويسلك طريق العنف والإرهاب لإيصال أفكاره واثبات ذاته، حقيقة الأمر أن كثير مما أورده ذلك الكاتب الأمريكي له نماذج حقيقية عديدة في مجتمعاتنا العربية للأسف، ولكن سياسة التعميم بلا شك أمر غير مقبول فيما يُفترض أنه بحثاً موضوعياً يعمد إلى الوصول للحقائق لا اثبات وجهات نظر شخصية بحتة!

      الفصل الثالث تناول موضوعات تتعلق بتسليط الضوء على تجارب العالم في مجالات مختلفة، فقد تناول تجربة أمريكا كدولة في نشأتها وصولها إلى مرتبة قيادة العالم، ولعبة الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي يقف العالم على قدم وساق كل أربع سنوات (في السنة الكبيسة) انتظاراً لنتيجتها، وأرى أنه انتهج نفس نهج الكاتب الذي انتقده في الفصل السابق عندما تناول العقل العربي؛ فقد شعرت هنا أيضاً أن فؤاد زكريا له وجهة نظر شخصية حول أمريكا والمجتمع الأمريكي ويحاول اثباتها بهذه المقالات، فكما كان الكاتب الأمريكي ذاك محقاً في بعض الأمور ولكنه أخطأ بتعميمها واطلاق أحكام مطلقة بناءاً عليها كذلك فعل فؤاد زكريا عندما تناول تجربة أمريكا والشعب الأمريكي في مقالاته.

      وتناول أيضاً ف مقالين فكر التسلح واحتمالات قيام حرب نووية والنتائج المترتبة عليها إذا ما ظل هناك أحياء مما قد يغير وجه العالم ويدحض الأسباب التي قد تقوم لأجلها تلك الحرب، مما يجعل النية باشعالها أمراً مستحيلاً وهو ما يعني ان انفاق تلك المليارات من دول العالم في التسليح النووي هو أمر لا مثيل له من الجنون، حيث تحرم الشعوب من تلك الموارد المالية التي قد تكفي لإنهاء المجاعات وتطوير الدول النامية والنهوض بها لأجل الإنفاق على أسلحة لن تستعمل أبداً!

    كما تناول قضية العقول الإلكترونية والبشرية، وأن الأولى لا يمكنها أن تقضي على الثانية أبداً، ولكنها توفر وقتاً ومجهوداً في انجاز العمليات المعقدة وتوفير آليات البحث، مما يوفر وقتاً للعالم في الإبداع والتأليف، وفي هذا المضمار يجب علينا في دولنا العربية تطوير نظمنا التعليمية لتتوافق مع هذا العصر لتنمية ملكات الإبداع والتفكير بدلاً من الاعتماد فقط على ملكة الذاكرة والحفظ التي لم يعد لها مجال في عصرنا ذاك حيث تقوم بها الأجهزة الالكترونية على أكمل وجه بينما يجب على العقل البشري أن يقوم بالابداع والابتكار والتأليف.

    أفرد مقالاً عن الفيلسوف الفرنسي سارتر وفكره الوجودي ورؤيته للإنسان، وفي آخر مقال تناول الموسيقى واختلاف رؤيتها بين الغرب والشرق حيث ترتبط في بدايتها لدى الغرب بالتراتيل الكنسية مما يضفي عليها القداسة والاحترام، بينما ترتبط في الشرق بالرقص والجواري والمتعة مما يضفي عليها جانباً حسياً مبتذلاً يدفع بعض المتشددين إلى تحريمها، “بينما لو عرفوا شيئاً عن ذلك السمو الروحي الذي تستطيع الموسيقى أن توصلنا إليه، لأدركوا كم كانت نظرتهم محدودة وضيقة عندما اقتصروا –في نظرتهم إلى هذا الفن- على أشد تجاربه سطحية وابتذالاً”.

جولة في الكتب: رواية حريملاء

لـ/ أسماء عواد

      الرواية عبارة عن مذكرات بطلة الرواية في فترتين من حياتها وتعليق عائلتها على الأحداث الواردة في المذكرات بتفسيرها أو تأكيدها أو اضافة وقائع للحدث المروي لم تعرف البطلة جوانبه من جهتها، بطلة الأحداث هي فتاة تعاني شعور الاغتراب والوحدة إثر تنقلها الدائم مع أهلها لظروف عمل والدها، فلم تشعر بالاستقرار والانتماء في حياتها مما أثر سلباً على شخصيتها بالانطواء والعزلة، حريملاء هو اسم البلدة الوحيدة التي شعرت بالانتماء لها وتحوي كل ذكرياتها، هي بلدة سعودية حيث عمل والدها مدرساً لعام واحد في أحد مدارسها بعد رحيلهم من قريتهم في مصر.

     لا تذكر الراوية في مذكراتها أي شيء عن حياتها السابقة في مصر، وكأن حياتها بدأت باقامتها في تلك البلدة، كما لم تذكر شيئاً عن حياتها اللاحقة للرحيل عنها وكأنها تنكر تلك الحياة ولم تكن تريدها، فقد دونت مذكراتها تلك في التسعينات وهي طالبة جامعية أثناء حرب الخليج بينما كانت نزيلة احدى المستشفيات لأربع أيام إثر تورم في قدمها، كانت مذكراتها كلها تدور في فلك العام الذي أمضته في حريملاء في طفولتها والأربع أيام التي قضتهم في المستشفى وتعرفت فيهم على فتيات من مختلف بلدان الوطن العربي ومن طوائف وطبقات اجتماعية مختلفة ولهم اهتمامات وحيوات متباينة أشد البين.

     طوال تعليقات عائلتها على الأحداث التي وجدوها في مذكراتها كانوا يلقون باللوم على أنفسهم فيما حدث لها وأنهم سيكتفون بالتواصل معها على الورق ربما يعوض هذا عن خطأهم في حقها، أوحى لي هذا أن البطلة قد ماتت -أياً كانت الأسباب المؤدية لذلك وكون عائلتها فعلاً مخطئة أم يبالغون في تحميل أنفسهم المسئولية-، ولكنني اكتشفت في النهاية أنها تقيم في أحد المصحات النفسية وربما ذلك عائداً إلى عزلتها الشديدة التي فرضتها على نفسها وعدم قدرتها على التواصل مع أحد مما أضطر أهلها في النهاية للجوء إلى الطب النفسي.

     ولكن ما لا أفهمه في هذه النقطة لماذا يتعاملون مع الأمر وكأنه أمراً منتهياً لم يعد بالامكان إصلاحه؟! فهي لا زالت على قيد الحياة وهم قد اطلعوا على مذكراتها وتمكنوا من فهم ما كان يختلج بصدرها طوال تلك السنوات ولم تستطع البوح به سوى لأوراقها، فلم لا يبدأون صفحة جديدة ويحاولون تعويضها عما فاتها ليحتووها ويشعروها بالانتماء ويعيدوا لها الرغبة في الحياة وينقذوها من الوحدة التي تتآكلها من الداخل حتى قضت على ريعان حياتها؟!

جولة في الكتب: رواية الإعترافات

لـ/ ربيع جابر

      تدور الرواية حول الحرب الأهلية اللبنانية من خلال قصة حياة بطل الرواية “مارون” ورحلة بحثه عن ذاته وهويته والتي من المفترض أنه يحكيها للكاتب، اختار “ربيع جابر” في هذه الرواية أن يسردها على لسان البطل وكأنه يحكيها شفاهة، ونظراً للاضطراب النفسي الهائل الذي عاشه الراوي طوال عمره ولازال يرضخ تحت آثاره، أتت لغة الرواية متناسبة مع هذه الحالة النفسية، لم تكن لغة أدبية ممتعة ولكنها اللغة المنطقية التي قد يتحدث بها الراوي، فلو كُتبت تلك الرواية بلغة أدبية رائقة متقنة لما كانت مقنعة أبداً أن راويها يزرح تحت هذه الضغوط النفسية والاضطرابات الذهنية.

    “مارون” بطل الرواية يكتشف وهو طالب في الجامعة أن أهله الذين عاش بينهم طوال عمره ليسوا أهله الحقيقيون، بل الأدهى أن من عاش طوال عمره يناديه بأبي هو من قتل عائلته، وقد أبقى عليه ورباه لشبهه الكبير بطفله المقتول والذي كان سبباً في انضمامه لميليشيات الحرب الأهلية وقتل الناس لمجرد الاختلاف، كان “مارون” طوال عمره يشعر أن هناك شيئاً غريباً حياله وأن هناك حلقة مفقودة في علاقته بأهله ولكنه لم يكن يدري ما هي حتى عرف الحقيقة.

   لم يستطع أن يكره أبيه الذي رباه، ولم يستطع أن يتوصل لأي شيء عن أهله وهويته الحقيقية، عاش فترة طويلة في صراع نفسي يتآكله من الداخل ولا يستطيع اتخاذ أي موقف حيال أي شيء، حتى اعلن استسلامه في نهاية الرواية وتقبله للأمر الواقع ومحاولته التعايش معه وكفى، وخلال تلك الرحلة النفسية التي خاضها كان يرصد معاناة الشعب اللبناني في سنوات الحرب الأهلية، تأثيرها على الأطفال الذين لا يدركون لأي شيء تقوم الحرب! الجثث والدماء التي تُرى في كل مكان مجهولة الهوية!

     تأثير الحرب على الشباب الذين أخذوا قراراً بالهروب من لبنان وعدم العودة لها ثانية، على الآباء والأهل الذين فقدوا أبناءاً وأخوة في الحرب دون ذنب فتحولوا هم أيضاً لقاتلين ومشاركين في تلك الحرب التي لم يعد أحد يعرف سبباً لها، على مستقبل دولة تعيش طوال الوقت على شفا بركان مهدد بالاندلاع في أي وقت، وفي نهاية الرواية يصور استسلامه للأمر الواقع وتصالحه معه بأمله في أن يكون ذلك سبباً على الأقل في الحصول على وطن هادئ يحيون فيه حياة طبيعية لا يخشون فيها الغارات ويلجأون فيها للملاجئ تحت الأرض تقيهم نار الكراهية.

جولة في الكتب: 101 طريقة بسيطة لتكون ناجحاً مع نفسك

لـ/د. دونا واتسون

     أذكر أنني قد قرأت ذلك الكتاب في سنوات مراهقتي ولكنني لا أذكر أين وجدته ولا أين ذهب وهل كان ملكي من الأساس أم كنت قد استعرته من أحد ما، وفي مطلع هذا العام -2018- كنت أتصفح مقالات على الانترنت عن كيفية استقبال العام الجديد ووضع خطط للنجاح في تحقيق الأهداف وما إلى ذلك؛ فوجدت رابط تحميل لهذا الكتاب ولم أكن أذكره، جذبني عنوانه فحملته، ولكن فور بداية قراءتي له تذكرته، لا أذكر انطباعي عنه عندما قرأته منذ سنوات ولكنني عندما قرأته الآن شعرت بامتعاض شديد من محاولات المترجمة المستميتة لأسلمة وسعودة الكتاب الصادر عن دار العبيكان السعودية في نسخته المترجمة بالعربية!

     الكتاب في مجمله يحتوي نصائح جيدة، تدور أغلبها عن تخصيص وقت للراحة وممارسة الهوايات المختلفة والمرح مع العائلة والأصدقاء وتخصيص الوقت لهم، وقد جاءت هذه النقاط في أكثر من طريقة من طرق النجاح المتضمنة في الكتاب والتي يمكنني اجمالهم في النقاط التالية:

  • 71- ثق بنفسك.
  • لا تؤنب نفسك، ولا تلزم نفسك بواجبات تثقل كاهلك ولا تفيدك.
  • 21- 49- استمع لموعظة دينية على ضوء الشموع ولا تشغل بالك بأمر آخر.
  • تحكم في هاتفك ولا تجعله هو من يتحكم بك.
  • كن مفيداً لمن حولك.
  • اصنع كتاب أحلام يتضمن ما تتمناه وتصبو إليه من بينها صوراً ومناظر لأماكن تتمنى زيارتها وكذلك صور لبيتك المثالي.
  • تواصل مع الأرض عن طريق الزراعة والاهتمام بالنباتات.
  • 72- التأمل والتفكر في خلق الله.
  • تذكر أن من له الخيار في حياتك.
  • احضن نفسك وربت عليها واخبرها كم هي رائعة!
  • لا تعقد الأمور ولا تتشاؤم.
  • 53- أستمتع بلحظات من أحلام اليقظة تسترجع فيها الماضي الجميل وذكرياته أو تحلم بما تتمنى في مستقبلك.
  • خير الأمور الوسط، اهتم بصحتك ولكن لا تفرط في حرمان نفسك من كل ما تشتهي من طعام.
  • 99- استرجع أيام طفولتك ومارس ما كنت تمارسه فيها من أنشطة وأمور تراها الآن أنشطة بلهاء!
  • فرق بين الممكن والمستحيل، وما تدرك أن من المستحيل عليك القيام به اتركه جانباً ولا تشغل بالك به.
  • ابتسم وانشر عدوى الإبتسامة.
  • لا تؤجل متعتك إلى حين، إذا ما تبادر إلى ذهنك أمر قد يسعدك ولا يمنعك عنه سوى أنك تخشى وصفك بالحماقة فلتفعله فوراً.
  • كن أنت كما أنت ولا تحاول أن تكون نسخة عن غيرك.
  • 20- 34- 35- 38- 52- 79- 94- خصص وقتاً للعمل وآخر للمتعة والاسترخاء والمرح والضحك ولا تغفل أياً منهما.

22- لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، ولا عمل تلك اللحظة للحظة التالية، لا تؤجل شيئاً على الإطلاق.

23- 29- 30- 31- خصص لنفسك ليلة حرة من كل أسبوع تفعل فيها ما يحلو لك سواء كنت فرداً أو في جماعة.

24- اكتب قدراتك ومواهبك الاجتماعية على ورقة وعلقها في مكان بارز تراه فور استيقاظك من النوم لتذكرك بأنك إنسان رائع متميز.

25- اجعل لنفسك في نهاية كل يوم قائمة تضم ما أنجزته احتفظ بها لتدرك كم أنت ناجح.

26- اصنع بنكاً للأمنيات الصغيرة، ضع فيه بطاقات مدون عليها الأمور الصغيرة التي تود القيام بها ولا تجد وقتاً كافياً، كالاتصال بصديق أو قراءة كتيب أو طهو شيء ما وما إلى ذلك، وزر ذلك الصندوق بين الحين والآخر واسحب أحد البطاقات ونفذ ما دون عليها.

27- تعامل مع الآخرين بلطف ومحبة.

28- بادر باتخاذ الخطوة الأولى.

32- اقتسم وقتك مع شخصاً تحبه واجعله يدرك قيمته في حياتك.

33- الغي كلمة مشاكل من قاموسك، واجعلها تحديات نحو الأفضل.

36- اتقن عملك بالصورة التي ترضاها.

37- احب جسمك كما يبدو.

39- إذا ما صادفك إخفاق ما؛ فتذكر أنك تسقط إلى الأمام، لا إلى الخلف، وسيكون ذلك خير دافع لك لمواصلة الطريق نحو النجاح، واعتبر أن ما حدث تجربة نافعة أخرى وإن كانت مريرة.

40- حافظ على العادات والتقاليد التي تدخل السرور على أحبائك.

41- 93- اشتري هدية لنفسك وذيل البطاقة بإمضاء معجب، واقرأها بصوت عال في مكان عملك لتذكر نفسك والآخرين أن هناك من يهتم بك.

42- سامح نفسك وامض في طريقك قدماً.

43- اعلم أصدقائك أنك تحتاجهم وماذا تحتاج منهم بالظبط؟

44- 48- 65- مارس التمارين الرياضية سواء وحيداً أو مع جماعة ولو فقط المشي.

45- استمتع بقراءة رواية بين الحين والآخر وانغمس فيها.

46- تواصل مع الحيوانات الأليفة.

47- 64- حافظ على تواصلك الدائم مع أصدقائك.

50- اهتم بمظهرك.

51- أنت لست مسئول عن العالم.

54- 74- 84- دلل نفسك.

55- انطلق بسيارتك عبر طريق لم تسلكه من قبل في رحلة طويلة، استرخ، ادر المذياع، استمع إلى شيء من الموسيقى الحالمة، وانس كل ما عدا ذلك.

56- شارك الناس همومك وآلامك.

57- استمع أكثر، وتكلم أقل.

58- تجنب زحمة المرور.

59- استخدم كل حواسك في اكتشاف الطبيعة من حولك.

60- كن سيد وقتك.

61- تعلم أن تقول لا ومتى وكيف تقولها.

62- ما استوعبه فكر الإنسان وآمن به أمكنه تحقيقه، اسقط حدود المحال وتخيل لنفسك ما تشاء.

63- خصص يوماً أو أمسية لك ولشريك حياتك كل أسبوع تقضياها معاً بعيداً عن كل الضغوط وتتعارفا فيها من جديد.

66- 73- حدد أهدافك وأولوياتك.

67- تخلص أولاً بأول من كل ما لا تحتاجه.

68- ضع في نهاية كل يوم قائمة بمهام الغد، وابدأ يومك بمراجعة تلك القائمة، وابدأ في تنفيذها طبقاً لترتيب الأهمية وكلما أنهيت مهمة فعليك بشطبها، فإن تبقى منها شيء فضعه في قائمة اليوم التالي.

69- خصص وقتاً هادئاً في مكان معزول تنجز فيه مهامك بعيداً عن الضغوط.

70- تمتع بالتميز كل يوم ولكن اعلم أن لا أحد يصل للكمال.

75- اعط نفسك وقتاً تكون فيه أكثر استعداداً وتمكناً لمواجهة مشكلاتك.

76- كن من تريد أن تكون، ولا تسمح لمخلوق بأن يقول بأنك غير قادر على شيء ما لأن أحداً لم يقم به من قبل.

77- عش بحماس.

78- تعلم كيف تستقبل المديح وتكيله بالمهارة ذاتها.

80- ارح جسدك من التوتر وتمطع بين الوقت والآخر.

81- تحكم في كمية الأخبار السلبية التي تصلك كل يوم.

82- استمع إلى نصيحة جسدك فهو أدرى منك بما يحتاجه.

83- لا تأبه كثيراً لما ترتكبه من أخطاء غير مقصودة، فنحن جميعاً نرتكب عدداً كبيراً منها كل يوم.

85- اطلق العنان لدموعك.

86- عش حياتك يوم بيوم وثانية بثانية لأن هذا هو ما تملكه وما عدا ذلك فهو في علم الغيب.

87- كلما قررت شيئاً اسأل نفسك: في مدة عشر سنوات، ترى ما الذي سوف يحدثه ذلك من فرق؟ سيساعدك ذلك كثيراً على التخطيط الجيد، ووضع الأمور في نصابها.

88- استثمر الوقت الذي تقضيه في سيارتك في الاستماع إلى محاضرات ودروس مفيدة لتعلم شيء جديد.

89- احمل كتاباً معك دائماً لتقرأه في أوقات فراغك وانتظارك.

90- خذ قسطك من النوم.

91- استمتع بوقت استحمامك.

92- جهز كل مستلزمات غدك قبل النوم.

95- اصرخ واخرج ما بداخلك من احباطات وترسبات، ولا تدعها تتجمع في ذاتك، أو مارس شيئاً من القفز، أو اهبط الدرج واصعده قليلاً لتفرغ ما يعتمل في داخلك.

96- لا تغفل استراحة الغداء أياً كان عملك ومكانه.

97- حاول قدر الإمكان أن لا تحضر معك همومك ومشاغلك المكتبية إلى المنزل، وحاول بالدرجة ذاتها أن لا تحمل همومك المنزلية إلى مقر عملك.

98- احتفظ دائماً ببديل لاحتياجاتك الضرورية كالمفاتيح والعملات والملفات لتجدها فور احتياجك لها.

100- خصص لنفسك ليلة تقضيها في مشاهدة الأفلام القديمة الضاحكة لتخفيف هموم ومشاغل العمل وتوتراته.

101- اخبر من تحبه أنك تحبه.

 

جولة في الكتب: دين الإنسان

لـ/ فراس السواح

     يدور الكتاب حول تفسير الظاهرة الدينية للإنسان وتطورها عبر مراحله التاريخية المختلفة ومراحل تطوره ونضجه العقلي، يبدأ بمحاولة تعريف الدين ومكانته لدى البشر، ثم يفرق ما بين نوعين من الدين وهو الدين الفردي والدين الجمعي، ففي الدين الفردي يكون المعتقد الديني خاصاً بالفرد وحده ولا يحاول اشراك جماعته معه لاعتقاد نفس الدين، ولكن عندما يتحول الفرد لداعية لهذا الدين ويتبعه أفراد آخرين يتحول الدين من دين فردي لدين جمعي، وتلا ذلك ظهور المؤسسة الدينية متمثلة في المعابد ودور العبادة لترعى الدين الجمعي وتخصص كهنة لاقامة الطقوس الدينية.

    وحدد المكونات الأساسية للدين المتمثلة في المعتقد والطقس والأسطورة، حيث يعتقد الإنسان في إله ما، يقيم له الطقوس لعبادته، وينشئ له الأساطير الدالة على مدى قوته وقدرته، وهناك مكونات ثانوية تتمثل في الأخلاق والشرائع، ولكنها ليست أساسية حيث أن هناك أديان قامت بدون أخلاق أو شرائع تعود إليها كالديانات الإغريقية حيث كان الآلهة أنفسهم يفتقرون إلى الأخلاق اللازمة وترك الأمر لتقييم البشر، كما فرق الكاتب ما بين دين القوم والدين الشمولي، فدين القوم يقوم على ايمان مجموعة من الأفراد قد تكون قبيلة أو مجتمع ما بدين معين ولكنهم لا يسعون لفرضه والدعوة إليه عبر العالم، أما الدين الشمولي فهو الذي يسعى لتوطيد حكمه عبر العالم.

    وقد تمثل للأديان الشمولية بمحاولات كل من اخناتون بنشر دعوته لعبادة اله الشمس آتون، وكذا ايلاجابال في روما ودعوته لعبادة اله الشمس السوري، وأيضاً ماني ودعوته لديانته المانوية، ثم تناول بداية ظهور الدين في تاريخ البشرية منذ ظهور الإنسان على الأرض فيما سمي بعصر الباليوليت، وما وجد من آثار لهذا العصر متمثلاً في فن الكهوف وطرق الدفن، تلا ذلك عصر النيوليت وبداية ظهور تقديس هيئات متمثلة لحيوانات وبشر مع نفي عبادة الحيوان أو البشر ذاته ولكنه كان عنصر تمثيلي للقوة المسيطرة ليس إلا.

    وتطرق أيضاً إلى فكرة الطوطم أو التمائم التي أتخذت لبعض الشعوب شارحاً اياها من خلال شعب الهنود الحمر والأستراليين بشكل خاص لانتشار تلك الفكرة لديهم، كما فرق بين السحر والدين على الرغم من وجود بعض الطقوس التي قد تكون متشابهة بين الاثنين، ثم تناول ببعض من الشرح فلسفة ديانات الشرق الأقصى كالكامي والشينتو في اليابان والتاوية في الصين والهندوسية والجاينية والبوذية في الهند، منتقلاً بعد ذلك لظاهرة التصوف الاسلامي مقارناً بينها وبين أفكار النيرفانا وفلسفة التصوف الهندي.

    وفي الباب الأخير تناول الظاهرة الدينية بشكل علمي من منظوره من الناحية الفيزيائية، حقيقة الأمر لم أفهم شيئاً مطلقاً من هذا الجزء ولم أفهم ما علاقته بالأمر، فقد استمتعت بقراءة الكتاب وأضاف لمعلوماتي معلومات قيمة جداً في تاريخ الأديان وكيفية ظهورها في المجتمعات المختلفة، فعلى الرغم من قراءتي واطلاعي على العديد من الأساطير الدينية لشعوب العالم ولكني لم أكن أعرف منشأ التفكير في تلك الأمور وقد ساعدني هذا الكتاب كثيراً في الربط بين الأمور والديانات المختلفة وتفسير معتقدات الشعوب.

    ومن المفترض أن الباب الأخير يفسر ذلك بشكل علمي ولكن لم يصلني المغزى ولم يضف لي شيئاً وشعرت أنه جزء زائد على الكتاب، ربما يستطيع فهمه من يدرس الفيزياء ويستطيع تفسير علاقته بموضوع الكتاب أما أنا فلا.

جولة في الكتب: مأساة الحلاج

لـ/ صلاح عبد الصبور

       المسرحية من فن المسرح الشعري، تدور حول الحسين بن منصور الحلاج الذي كان منتمياً لمذهب الصوفية، ولكنه خالف مذهبهم العام بتجنب الناس والانفراد بالعبادة وحب الله وانخرط مع الناس يطلعهم على مذهبه في التوحد مع الذات الإلهية ويدعوهم إلى الثورة على الظلم مما أودى بحياته في النهاية بعد محاكمته والصاق تهمة الكفر والزندقة به.

    لست على دراية تامة بالفكر الصوفي بشكل عام أو بمذهب منصور الحلاج بشكل خاص، خاصة مع ما نسب إليه واتهم به من كفر وإلحاد، فأحتاج لأن أقرأ ما كتبه هو بنفسه لأكون رأيي الخاص عن شخصه، ولكن على أي حال لا أعتقد أن هذه المسرحية تؤرخ لحياة الحلاج بشكل خاص بقدر ما تسقط ما حدث منذ قرون مع الحلاج بما يحدث إلى الآن سواء في زمن المسرحية التي كتبت منذ أكثر من أربعين عاماً أو الآن فعلاً بعد أربعين عاماً من كتابتها!

     يسقط “صلاح عبد الصبور” الضوء على رعب الحكام الدائم من حرية الرأي والتعبير، وكيف ينكلون دائماً بمن يخالفهم الرأي مستترين بستار الدين تارة ومصلحة الرعية تارة آخرى، وكيف يسعون حثيثاً لتشويه صورة كل من يحاول توعية الشعب بحقوقه وحريته، يقال أن المسرحية كتبت اعتراضاً على نظام عبد الناصر وما تضمنه من ظلم وتنكيل بكل من خالف آراء الاشتراكية والقومية التي دعى لها عبد الناصر، وكأن لسان حال كل حاكم باطش: “مأريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”!

     وبعد أكثر من أربعين عاماً من زوال حكم عبد الناصر، وبعد سبع سنوات من قيام ما كنا نظنها ثورة، لازلنا نعيش نفس الظلم والكبت والتنكيل، لازال كل من يبوح برأي مخالف لما يراه الحاكم يكون مصيره غياهب السجون ومقاصل الإعدام، لازلنا نحيا نفس الديكتاتورية التي جثمت على أنفاسنا منذ أكثر من ستين عاماً وما فتئت تبرح واقعنا لتظل تغتال أحلامنا وحياتنا!

جولة في الكتب: رحلة إلى مصر (الوادي وسيناء)

لـ/ نيكوس كازانتزاكيس

     هو كتاب في أدب الرحلات لرحلة قام بها الأديب اليوناني “نيكوس كازنتراكيس” مبعوثاً كمراسل صحفي لاحدى الصحف اليونانية عام 1927، سجل خلالها ملاحظاته وانطباعاته الشخصية عن مصر خلال الرحلة كما هو مفترض، ولكن كما ذكرت مقدمة الناشر؛ فيبدو أن الكاتب قد اعتمد على الخرافات والأساطير أكثر من الحقيقة، ولم يكلف نفسه عناء البحث عن تاريخ تلك البلد التي يتعرض لها بالدراسة، كما أن طبيعته الروائية التخيلية جعلته يضيف مشاهدات من خياله للواقع كأنه رآها!

   ففي الجزء الذي تحدث فيه عن الأهرامات ذكر نصاً: “انه وقت الظهيرة، انه ساعة السحر والفتنة، الساعة التي تظهر فيها ابنة تشوبيس من الهرم الأكبر، وتظل تطوف في خيال الفلاحين وتنادي عليهم. لقد استنفذ والدها كل ثروة مصر من أجل بناء الهرم الأكبر، وحين لم يتبق لديه شيء، باع ابنته للغرباء، ومن كل رجل كان عليها أن تأخذ حجراً كهدية”، فمن هو تشوبيس ذاك ومن هي ابنته؟! فالهرم الأكبر هو هرم خوفو وهذا أمر معروف للعالم أجمع؛ فمن أين أتى بتلك الخرافة وما مصدرها؟!

    ويبدو أنه مصراً على اظهار المصريين بمظهر الفسوق والفجور، فعندما تحدث عن الدلتا وسجل مشاهداته قال: “كانت البائعات الجوالات يقمن بحسر الحجاب عن وجوههن إلى النصف، ويقمن بالتدليل على بضائعهن بأصوات خفيضة: كحل أسود للعيون، وحناء لصبغ الأظافر، وزيت الطيب من بغداد، وماء الزهر، والمسك، والبخور، وكل تلك البضائع التي تقود إلى الغواية والخطيئة”، فما علاقة تلك البضائع بالغواية والخطيئة؟! حتى وإن كانت تستخدم في تزين النساء للرجال فهو ليس بالضرورة غواية أو خطيئة مدام في إطاره الطبيعي، بل هو أمر ضروري لاستمرار الحياة بشكل سوي!

     ولا زال مصراً على التأكيد على انتشار الفسوق في مصر، فعلى الرغم من انتشار بيوت الدعارة في كل دول العالم في ذلك الوقت –وإلى الحين- إلا إنه يحدثنا عن تلك المنطقة التي كانت موجودة في مصر وقتها وكأنها شيئاً تنفرد به مصر تفرداً لفسوقها وفجورها واستعبادها للنساء، وكيف أنه غادر هذا المكان باكياً يعتصر قلبه الألم لما رآه! وقد ذكر في غير ذلك الموضع نصاً “الفسق، الفجور، العبودية، القوة، كلها تنمو بشكل متسق مؤتلف في هذه التربة الندية الدافئة الخصبة المحاطة بهذه الصحراء المرعبة”.

    ولا أدري سبب اصراره على هذه النقطة تحديداً في أكثر من موضع؟! كما ظهرت نزعته الروائية الخيالية الجامحة في موقف ذكر أنه رآه في مصر العليا أي الصعيد، حيث ذكر: “في أحد المخازن الصغيرة كان هناك طفل رضيع ميت، تُرك مرمياً في ذلك المكان القذر، فوالداه ما يزالان يعملان في أحد الحقول، الرجل يحرث الأرض، والمرأة تتبعه لتلقي البذار خلفه، فيوم العمل لم ينته بعد، وهما ينتظران حلول الظلام كي يتمكنا من دفن ابنهما”، هذا لا يمكن أن يحدث في مصر في أي عصر كان!

    لن يترك أبوين طفلهما نافقاً في العراء ليستكملا عملهما كأن شيئاً لم يكن حتى يدفناه بعد انتهاء أوقات العمل! حتى وإن كان صاحب العمل متزمتاً وقاسياً لأقصى درجة، وهدد بطردهما إن تأخر العمل، سيجدا الكثيرين ممن يتطوعون للقيام بعملهما بدلاً منهما احتراماً لحزنهما على ابنهما واكراماً له بالسعي لدفنه، ربما أراد الكاتب أن يثبت وجهة نظره في القهر الذي يتعرض له المصريون ويقبلون به في صمت حتى وإن اضطر إلى الكذب والتدليس، ربما كان مقبولاً منه ذلك لو أنه بصدد كتابة عمل روائي؛ فهو حر وخياله، أما أن يعرض خياله على أنه حقيقة واقعة فهذا غير مقبول.

    فأدب الرحلات ليس أدباً خيالياً إنما هو توثيق للواقع كاليوميات والمذكرات، ربما يقبل فيه بالتأويل الخاطئ ولكن ليس السرد الكاذب! كان هناك أيضاً بعض الملاحظات السلبية له على الشعب المصري، جرحتني كمصرية، ولكنها حقيقية فلا أستطيع لومه عليها، كوصفه للشعب المصري بالخنوع والاستكانة للظلم وعدم اعتراضه على جبروت الحكام والثورة عليهم على مر العصور، بينما أعجبني في الكتاب تحليله للعرب والمسلمين والشرقيين عموماً قبل الحرب وبعدها، وكيف أثرت الحرب على توجهاتهم نحو الاستعمار وتعاملهم معه خاصة بعد أن تعرفوا على جيوش تلك الدول الاستعمارية عن قرب خلال الحرب ومعرفة سياساتهم وطرقهم الدفاعية وأسلحتهم.

      طريقة تقسيم الكتاب لفصول في كل فصل يتناول فيه موضوع منفصل، كانت طريقة موفقة ومناسبة لتركيز الكلام وعدم تشتيت الانتباه في مواضيع متعددة في نفس الوقت، وفي فصل النيل تحدث عن النيل وكأنه يستشعر أنه سينحسر يوماً ما لتغرق الصحراء الأرض الخضراء، استشعرت في هذا الجزء حاضرنا الحالي وخوفنا المترقب جراء بناء سد النهضة في أثيوبيا الذي قد يؤدي إلى نقصان حصتنا من النيل بشدة، وفي الفصل الخاص بسيناء اعتمد على النظرة اليهودية لسيناء على أنها مهبط ومحط رسالتهم وتضمن الكثير من الأساطير اليهودية، وعلى الرغم من مخالفتها لمعتقداتي الدينية والوطنية بطبيعة الحال إلا إنه كان أكثر جزء استمتعت بقراءته.

    انتهى الكتاب برسالة لسيدة تدعى “مونتينا” لا أعلم من هي ولم يوجه لها رسالة في الكتاب؟! ولكن تلك الرسالة تضمت ملخصاً لما ورد في الكتاب.

جولة في الكتب: رواية القحط

أيمن رجب الطاهر

هي رواية تاريخية تدور في فترة الشدة المستنصرية في عهد الخليفة الفاطمي المستنصر بالله ولكن بشخصيات خيالية، تبدأ الرواية بأخبار انحسار مياه النيل تأتي لنساء درب الريحان من ساقيهم “ريان” وهو يملأ لهم الماء من قربته متحسراً على أخبار الجوع والعطش التي تضج بها البلاد، وتسير الرواية تدريجياً بمراحل تطور المأساة؛ فيبدأ الناس بأكل الدواب والقطط والكلاب، ثم يتطور الأمر ليصل لأكل لحوم البشر الأحياء منهم والأموات، كان “فاتك” ابن “زيدان” القصاب (الجزار) هو بطل هذا التوحش المقزز ورفاقه.

بدأ الأمر مع رفاقه الأوائل باصطيادهم للحيوانات الضالة في الشارع وسرقة دواب الناس ليأكلونها مستخدماً خبرته في الجزارة من عمله بدكان أبوه، حتى قبض على رفاقه ذات مرة لسرقتهم لدابة الوزير بينما ذهب هو لقضاء حاجته فلم يقبض عليه معهم، وحكم عليهم بالاعدام وتركوا معلقين أمام القصر؛ فذهب ليلاً يستطلع الأمر وما إذا كان رفاقه قد وشوا به قبل اعدامهم أم لا، أغراه جسد رفيقه السمين المتدلى من حبل المشنقة؛ فجز ساقه بالساطور وهرب بها إلى مخبأه ليطهوها ويأكلها.

تعرف يومها على رفاقه الجدد الذين أكلوا معه ساق رفيقه القديم وشاركوه فيما بعد رحلة صيد البشر وطهيهم لأكلهم، حتى انتهى به الأمر لأكل لحم والده يوم أتى يبحث عنه فصاده رفاقه وذبحوه وطهوا لحمه وقدموا له منه عند عودته، وبعد أن أنهى طعامه في طريقه للمرحاض اصطدم بالقفة التي تحوي رأس الذبيحة لتخرج منها وعندما أمسك بها ليعيدها إلى القفة اصطدمت عيناه بعيني والده الفزعتين؛ فما كان منه إلا أن فقد عقله وقتل رفيقيه وخرج هائماً على وجهه ملطخاً بالدماء يصرخ في الشوارع حتى تفجرت أحشاءه وسقط ميتاً في النيل الجاف.

مشاهد وصف قتل البشر وأكل لحومهم كان مقززاً بقدر واقعيته، وكان من أكثر الأسباب التي بطأت من قراءتي للرواية، حيث كلما وصلت لأحد تلك المشاهد انتابتني القشعريرة وشعرت بالرغبة في القيء والبكاء، أكثر ما كان يؤلمني هو إدراكي التام لواقعية أحداث الرواية وأن تلك الوقائع حدثت بالفعل، بل لعلي ولعلنا جميعاً نكون من سلالة أولئك الذين أكلوا لحوم البشر في تلك الفترة، وما يؤلمني أكثر هو احتمالية تكرار تلك الأحداث مرة أخرى في عصرنا الحالي.

فكل الشواهد تؤكد أن بعد بناء سد النهضة بأثيوبيا سينحسر ماء النيل عن مصر والسودان تاركاً لنا مجاعات جديدة، الشدة المستنصرية انتهت بفيضان النيل لتعود المياة إلى مجاريها، ولكن في عصرنا الحالي نتيجة لتقدمنا في بناء السدود لم يعد هناك فيضانات وبناء سد في أثيوبيا يعني حرمان مصر من مياه النيل مما يعني مجاعات جديدة قد نأكل فيها لحوم بعضنا أحياء مرة أخرى، ربما تندرج تلك الرواية في نوع الإسقاط التاريخي، فهي تسقط أحداث الماضي على حاضرنا ومستقبلنا المجهول.

جاءت لغة الرواية سلسة وفصيحة في ذات الوقت، ولم لا وكاتبها أستاذاً للغة العربية، وعلى الرغم من كونها رواية مؤلمة في أحداثها وموضوعها الرئيسي إلا أنها لم تخلو من روح الفكاهة التي تميز بها المصريين في جميع أزماتهم، لم يعجبني الجزء الذي دار حول شراء اليهودي لبيت في الدرب بمقايضته بالدقيق وطريقته في الاستيلاء على البيت ورغبته في الاستيلاء على بيوت الدرب بنفس الطريقة وارجاع كل مساؤه وكره أهل الدرب له وتخوفهم منه فقط لديانته اليهودية.

نعم الكيان الصهيوني هو عدونا الأول اليوم، والكيان الصهيوني يحمل الديانة اليهودية، ولكن عدائنا ليس مع الديانة اليهودية ولكن مع الفكر الصهيوني الإستعماري، ولم يكن الأمر كذلك طوال الوقت، لم يكن الأمر كذلك في ذلك العصر، كان اليهود يعيشون كمصريين عاديين بين المصريين وكانوا يصلون لمنصب الوزارة ويتقبلهم الشعب بدون تحيز، لم تخلو الرواية أيضاً من الجانب الفانتازي المتمثل في ظهور مريم ومالك ومن بعدهما شارق وغارب لميمون عند زيارته لأخيه في أطفيح الذي وجده ميتاً وعائلته بعد أن حصدهم وباء الطاعون.

اكتشف ميمون بعد ذلك بحدسه وما تبين له من وقائع أن هؤلاء الأربعة يستحيل أن يكونوا من البشر وإنما هم جن أرسلهم الله لحراسته وليعيدوه إلى القاهرة سالماً، وتنتهي أحداث الرواية ببداية هطول الأمطار وبشائر انفراج الأزمة.

جولة في الكتب: بتول (رواية)

لـ/ علاء أحمد

     بقدر ما هي رواية ناعمة وبسيطة بقدر ما هي مؤلمة وموجعة، تدور هذه الرواية حول بطلتها الملائكية “بتول” منذ أن حملت أمها بها، النصف الأول من الرواية هو حياة هادئة سعيدة لطفلة ومراهقة تنعم بحب والديها ورعايتهم رغم فقرهم المادي، ثم تنعم بحب طاهر بريء يتوج بالخطوبة والاستعداد للزواج، ولكن كما يقال: لا تعطينا الدنيا السعادة إلا لتسلبها منا عنوة، وهذا هو كان حال “بتول”، لم تلبث سعادتها أن تكتمل حتى فقدت والدها المحب، تلا ذلك اكتشافها لاصابتها بمرض الإيدز جراء نقل دم من عملية قديمة.

    وهنا تنتصف الرواية ليبدأ نصف آخر يحمل قدراً كبيراً من الحزن والمعاناة، كم تألمت لحال “بتول” ومعاناتها مع مجتمع قرر أن يعين نفسه إلهاً يطلق الأحكام جزافاً كما يشاء وفقاً لهواه دون مراعاة لأي ظروف، فالله جل علاه يسامح من يخطئ ويتوب ولكن مجتمعنا ذاك قد قرر أن يحكم بالخطيئة على من لم يقترفها يوماً وأيضاً لا يقبل منه توبة، في هذا الجزء ينتقل بنا الكاتب إلى عالم المتعايشين مع مرض الإيدز وما يعانونه من المجتمع بالإضافة إلى مرضهم ومعاناتهم حتى مع الأطباء الذين يلجأون إليهم!

    تمتع الكاتب بلغة شاعرية رائقة تنساب بسلاسة متناسقة مع أحداث الرواية وشخصية البطلة الملائكية ورومانسيتها، وعلى الرغم من أنني من أنصار كتابة الحوار بالعامية في القصص والروايات لما يضفيه من واقعية على الأحداث، ولكن في هذه الرواية كان حوار الفصحى ممتعاً للغاية ومفرداته تمتعت بلغة شاعرية جميلة ربما كنا نُحرم منها لو كُتب الحوار بالعامية، المأخذ الوحيد الذي قد آخذه على الكاتب، وليس الكاتب فقط بل ربما كل الكتاب الجدد وأنا منهم، فعندما نكتب حدثاً أو مشهداً نعمد إلى الكثير من التوضيح والتوجيه للقارئ ليفهم ما نلمح إليه.

    أعتقد أن هذا ليس دور الكاتب، فعلى القارئ أن يُعمل عقله أيضاً مع النص الذي يقرأه ويفهم من السرد ما يصبو الكاتب إليه، أو يأوله وفقاً لقدرته على الفهم، وإلا تحول النص الأدبي الفني إلى عمل وعظي، وهذا ليس دور الأديب -الكاتب الروائي أو القصصي-، وإنما قد يكون دور الكاتب في مقالاته أو رجل الدين على منبره.