حمى ارتفاع الأسعار

كتبت: سارة الليثي

         طفح كيل الشعب بعد الارتفاعات الأخيرة في أسعار الوقود والمحروقات، والتي نتج عنها بالضرورة ارتفاع أسعار كل السلع الأخرى التي تحتاج لوسائل النقل المختلفة في نقلها من أماكن انتاجها لأماكن تسويقها وبيعها، فكثر اللغط في الشارع وكان رد الحكومة المستفز أن تلك هي الأسعار العالمية التي تتعامل بها كل الدول المتقدمة وأن ذلك هو سبب تقدمها ونهضتها الاقتصادية، وكأن حكومتنا الموقرة نست أو تناست أن سبب تقدم وتحضر أي أمة هو احترامها وتقديرها للإنسان المواطن القائم على نهضتها وتحضرها والذي يعطيها من عرقه وجهده ودمه إن تطلب الأمر.

     تتجاهل حكومتنا الموقرة أن تلك الدول التي تقارن بها الآن في أسعار السلع قبل أن تحدد تلك الأسعار وتأخذ من مواطنيها تعطيهم ما يستحقونه، تغض الطرف حكومتنا الموقرة عن مرتبات ودخل الفرد في أي دولة من تلك الدول التي تقارن بها الآن في أسعار السلع والمحروقات، فكل دولة من تلك الدول لا يقل متوسط دخل الفرد فيها عن ألفي دولار شهرياً أي ما يساوي 43 ألف جنيه مصري تقريباً، كفرنسا التي يصل متوسط دخل الفرد فيها إلى 28799 دولار سنوياً أي ألفي دولار ونصف في الشهر.

   وفرنسا تلك تأتي في ذيل القائمة التي وضعها موقع “توب مينز” لأعلى 10 دول في متوسط دخل الفرد[i] والتي ضمت كل من: فرنسا، السويد، كندا، النمسا، ألمانيا، أستراليا، سويسرا، النرويج، لوكسمبورج، وأمريكا، بينما في مصرنا الحبيبة فالراتب الشهري للمدرس الجامعي في بداية حياته المهنية هو ألفي جنيه فقط! وهذا كما أعلم من أصدقائي ومعارفي الذين هم على درجة معيد الجامعة وهذا ما يتقاضونه شهرياً، وذلك على الرغم من أن تلك الفئة تعد من أعلى الفئات الاجتماعية في المجتمع ناهيك عن دخل مدرس الابتدائي والاعدادي الذي قد لا يصل للألف جنيه شهرياً وفقاً لقانون التعليم الجديد[ii]!!

     وكمواطنة مصرية فقد نلت شرف الحياة في بلد متقدم لأربع سنوات في أوائل سنوات مراهقتي حيث كان أبي دارساً للدكتوراه في الهندسة المعمارية في “كوكب اليابان الشقيق”، والحق يقال أن أسعار السلع كافة كانت ضعف أسعار السلع في مصر، ولكن… راتب أبي الشهري كان يقدر بثلاث آلاف دولار شهرياً وقتها في حين راتبه في مصر لم يكن يتعدى الألف جنيه! وقياساً على نفس المنوال يمكننا أن نقيس كافة الوظائف مع كافة الدول المعنية التي تقارن حكومتنا الموقرة وضعنا معها.

   وكم صرحوا لنا أن نحمد الله أننا أفضل من سوريا والعراق، ولكن للأسف فإن حتى سوريا والعراق وضعهم المادي والاقتصادي أفضل منا، فمتوسط دخل الفرد في العراق 13600 دولار سنوياً بحسب صحيفة السومرية العراقية[iii]، وهذا يعني أن متوسط دخل الفرد شهرياً يساوي ألف دولار شهرياً أي ما يزيد عن  سبعة عشر ألف جنيه مصري، بينما متوسط دخل الفرد في سوريا حوالي 100 دولار شهرياً أي ما يساوي 1750 جنيه مصري، وذلك حسب مؤشر Numbeo لمتوسط الراتب الشهري في العالم في نسخته الأخيرة للعام 2017، وهو قاعدة بيانات عالمية حول متوسط دخل الفرد وأجره الشهري وكذلك مستوى الرعاية الصحية في بلدان العالم.

     أما في مصر فمتوسط دخل الفرد حسب تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء هو سبعة آلاف جنيه سنوياً أي حوالي 583 جنيه شهرياً! أي أن وفقاً لتقارير الحكومة الرسمية فإن سوريا والعراق -اللاتي نحمد الله دائماً أن السياسات الرشيدة لحكومتنا الموقرة حمتنا من الوصول إلى وضعهما البائس- هم أفضل حالاً منا ويتمتعون برخاء اقتصادي لا نحظى به! وليس ذلك فقط بل إن حتى فلسطين المحتلة التي ترزح تحت أغلال الاحتلال الصهيوني متوسط دخل الفرد فيها 698 دولار شهرياً أي ما يزيد عن اثنى عشر آلاف جنيه مصري! وذلك وفقاً لنفس المؤشر السابق.

    بل إن حتى قطاع غزة المحاصر فإن متوسط دخل الفرد فيه سنوياً 966 دولار أي 80.5 دولار شهرياً وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كما ذكر موقع العربي الجديد[iv]، أي ما يساوي 1409 جنيه مصري. فبالله عليكم خبروني أي سياسة تلك التي تنتهجها حكومتنا الموقرة لتجعل وضعنا أسوأ من وضع دولة محتلة منذ ما يقرب من قرن من الزمان وقطاع محاصر منذ عقد من الزمان وبلاد تتناحر وترزح تحت الفتن الطائفية والحروب الأهلية؟! أي اقتصاد دولة ذاك الذي يقوم على فرض ضرائب ورفع أسعار على المواطنين دون أن يحظوا بأي خدمات أو حقوق وتقدير إنساني في المقابل؟!

     أي علاقة تلك التي تقوم على الأخذ فقط من طرف واحد بدون أي نوع من العطاء للطرف الآخر؟! وإلى متى سنظل صامتين ونرضى بالذل والقهر الذي نحيا فيه دونما اعتراض؟!

Advertisements

جولة في الكتب: خطاب إلى العقل العربي

لـ/ فؤاد زكريا

    الكتاب عبارة عن مقالات للكاتب المفكر فؤاد ذكريا نشرها في فترة الثمانينات في مجلة العربي الكويتية، وتم تجميعها في ذلك الكتاب من قبل مشروع مكتبة الأسرة، وقدم الكتاب الدكتور محمد الرميحي رئيس تحرير مجلة العربي الكويتية، وصُنف الكتاب في ثلاث فصول، كل فصل يضم مقالات تندرج تحت موضوع واحد، فموضوع الفصل الأول كان عن الثقافة العربية، وقد تضمن ستة مقالات، تناول فيهم وضع الثقافة في مجتمعاتنا العربية وتعريف الثقافة وأهميتها في النهوض بالمجتمعات، وجدلية الأصالة والمعاصرة في الثقافة وأهمية التوفيق بين الجانبين للنهوض بثقافتنا الحالية، فلا ننغمس في أمجاد الماضي ونكتفي بها لنعيش حاضرنا ومستقبلنا على ذكراها، ولا نتنكر لماضينا ونلهث وراء كل ما يأتينا من الغرب دون تمييز  بدعوى المعاصرة واللحاق بركب الحضارة!

   كما تطرق لأزمة تعريب وترجمة العلوم والثقافات الأجنبية في حاضرنا العربي، وقارنها بحركة الترجمة في بداية الدولة الإسلامية والتي كانت سبباً كبيراً في إزدهار الحضارة والثقافة الإسلامية آنذاك بعدما أخذوا من علوم وفلسفة الإغريق والفرس وبلاد الهند، وهضموها واستوعبوها ليخرجوا بثقافاتهم وفلسفتهم الخاصة، وأشاد بأمانتهم ودقتهم العلمية في الترجمة آنذاك، بينما أشار أن في وقتنا الحالي تخضع الترجمة لآليات السوق، وحتى يحظى الكتاب المترجم بالرضا والاقبال الشرائي يلجأ المترجم أحياناً إلى تحريف محتوى الكتاب بما يتناسب مع العقليات السائدة مما يخرج به مغايراً تماماً لما قصده مؤلفه الأساسي!

     وتطرق أيضاً إلى مفهوم الأمن الثقافي وما يوحي به إلى توفير الحد الأدنى من الثقافة، كالأمن الكسائي والأمن الغذائي، وهذا غير مقبول في الثقافة حيث لا يوجد حد أدنى، والإنسان يحتاج دائماً أن ينهل من الثقافة دون اكتفاء، كما أشار إلى الهوة الثقافية بين جيلي الكبار والشباب، وأرجعها إلى حرص الكبار دائماً على التمسك بالقديم والتطرف أحياناً في ذلك، كما أشاد بتجربة الكويت الثقافية المتمثلة في اصداراتها التي غزت العالم العربي وقتها لجودتها الثقافية والفكرية وأيضاً جودة اخراجها الفني كمجلات العربي وعالم الفكر وغيرها كثير من الإصدارت التي استحوذت على اهتمام مثقفي العالم العربي في مختلف المجالات.

     أما الفصل الثاني فكان عنوانه الفكر والممارسة في الوطن العربي، وقد تضمن ستة مقالات أيضاً، تناول فيها قضية الإيمان والعلم بما تضفيه من جمود على التفكير العلمي بمحاولة تفسيره دائماً بالنص الديني، فإذا لم يتوافق معه أو لم يوجد له تفسير ديني، يتم انكار ما توصل له العلم ووصمه بالكفر والإلحاد، وهي قضية جدلية انتهت منذ زمن طويل في الدول المتقدمة ولكننا لازلنا نعيش في هرائها مما يعيق تقدمنا ولحاقنا بركب الحضارة، وبالطبع يرتبط كل ذلك في مجتعاتنا بفكر الطاعة العمياء دائماً التي تتسلط على تفكيرنا، ففي كل مجال وموقع هناك سلطة يستوجب عليك طاعتها طاعة عمياء دون أن يكون لك حق التفكير والنقاش، بدءاً من الأب والزوج في البيت، مروراً برؤساء العمل والمسئولين الحكوميين، وصولاً لرئيس الدولة الذي يلعب دور الأب لشعبه ومن هذا المنطلق يستوجب عليهم احترامه وطاعته دون نقاش!

    ويشير أنه في الوقت الذي لا يتورع العربي عن استيراد كافة احتياجاته من الإبرة للصاروخ -كما يقال- من دول الغرب، ولكنه ينظر إلى الأفكار التقدمية الغربية باحتقار كونها أفكار مستوردة دخيلة على التراث الثقافي العربي، فيما يؤكد الإزدواجية الفجة لهذا التفكير العقيم، وفي مقال أسطورتان عن الحاكم والأعوان، أشار إلى تلك التبريرات الواهية التي تبرر دائماً الديكتاتورية والظلم في المجتمعات العربية، فإما أن الحاكم بريء مغلوب على أمره إذ أن أعوانه هم من يقومون بهذه الأفعال دون علمه، أو أن الأعوان هم المغلوبين على أمرهم إذ أن الحاكم هو من يأمرهم بتلك الأفعال وهم فقط يؤدون دور “عبد المأمور” خوفاً من بطشه، والأسطورتان لا ينفيا المسئولية عن الطرفين –الحاكم وأعوانه- إذ ليس عذراً أن الحاكم لا يدري بما يجري في البلد التي يحكم، إذ هو عذر أقبح من ذنب، وليس عذراً للأعوان أنهم ينفذون أوامره إذ أن من واجبهم أيضاً في تلك الحالة الخروج عليه ومصارحة الشعب بحقيقته وفضحه وعزله.

     تناول أيضاً قضية الإرهاب من زاوية عربية، وعدم جدوى تبرير العمليات الإرهابية العربية كونها رفضاً للظلم الواقع على المجتمعات العربية ولفت نظر العالم للقضايا العربية والعدوان الواقع عليها، إذ أن ذلك وإن كان صدقاً إلا إنه يفقد تلك القضايا أي تعاطف عالمي معها بل يجعل مواطني ذلك العالم الغربي يعتاطفون مع حكوماتهم أكثر في حربهم المعلنة ضد الإرهاب العربي والإسلامي كما يصدرونه لهم وتؤكده لهم تلك العمليات الإرهابية، والتي لا تصلح إلا كعمليات انتقامية ليست لكسب التعاطف أو التأييد، وإنما تنفيذاً لمقولة علي وعلى أعدائي، ولكن في هذه الحالة سيتحول العالم إلى غابة يُقتل فيها الأبرياء على الدوام بينما ينعم الوحوش الذين يديرون تلك الحروب بحياة هانئة مليئة بالرفاهية!

    في المقال الأخير من الفصل الثاني تناول بالنقد والتحليل كتاباً لمفكر أمريكي في تحليل العقل العربي اعتمد فيه على رؤيته الشخصية وشهادات أناس لا صفة لهم ولا يعرف أحد عنهم شيئاً؛ ليصل بقارئه إلى حقيقة واحدة مؤكدة، وهي أن العربي هو انسان كذاب كسول يعتمد على الغير دائماً ويسلك طريق العنف والإرهاب لإيصال أفكاره واثبات ذاته، حقيقة الأمر أن كثير مما أورده ذلك الكاتب الأمريكي له نماذج حقيقية عديدة في مجتمعاتنا العربية للأسف، ولكن سياسة التعميم بلا شك أمر غير مقبول فيما يُفترض أنه بحثاً موضوعياً يعمد إلى الوصول للحقائق لا اثبات وجهات نظر شخصية بحتة!

      الفصل الثالث تناول موضوعات تتعلق بتسليط الضوء على تجارب العالم في مجالات مختلفة، فقد تناول تجربة أمريكا كدولة في نشأتها وصولها إلى مرتبة قيادة العالم، ولعبة الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي يقف العالم على قدم وساق كل أربع سنوات (في السنة الكبيسة) انتظاراً لنتيجتها، وأرى أنه انتهج نفس نهج الكاتب الذي انتقده في الفصل السابق عندما تناول العقل العربي؛ فقد شعرت هنا أيضاً أن فؤاد زكريا له وجهة نظر شخصية حول أمريكا والمجتمع الأمريكي ويحاول اثباتها بهذه المقالات، فكما كان الكاتب الأمريكي ذاك محقاً في بعض الأمور ولكنه أخطأ بتعميمها واطلاق أحكام مطلقة بناءاً عليها كذلك فعل فؤاد زكريا عندما تناول تجربة أمريكا والشعب الأمريكي في مقالاته.

      وتناول أيضاً ف مقالين فكر التسلح واحتمالات قيام حرب نووية والنتائج المترتبة عليها إذا ما ظل هناك أحياء مما قد يغير وجه العالم ويدحض الأسباب التي قد تقوم لأجلها تلك الحرب، مما يجعل النية باشعالها أمراً مستحيلاً وهو ما يعني ان انفاق تلك المليارات من دول العالم في التسليح النووي هو أمر لا مثيل له من الجنون، حيث تحرم الشعوب من تلك الموارد المالية التي قد تكفي لإنهاء المجاعات وتطوير الدول النامية والنهوض بها لأجل الإنفاق على أسلحة لن تستعمل أبداً!

    كما تناول قضية العقول الإلكترونية والبشرية، وأن الأولى لا يمكنها أن تقضي على الثانية أبداً، ولكنها توفر وقتاً ومجهوداً في انجاز العمليات المعقدة وتوفير آليات البحث، مما يوفر وقتاً للعالم في الإبداع والتأليف، وفي هذا المضمار يجب علينا في دولنا العربية تطوير نظمنا التعليمية لتتوافق مع هذا العصر لتنمية ملكات الإبداع والتفكير بدلاً من الاعتماد فقط على ملكة الذاكرة والحفظ التي لم يعد لها مجال في عصرنا ذاك حيث تقوم بها الأجهزة الالكترونية على أكمل وجه بينما يجب على العقل البشري أن يقوم بالابداع والابتكار والتأليف.

    أفرد مقالاً عن الفيلسوف الفرنسي سارتر وفكره الوجودي ورؤيته للإنسان، وفي آخر مقال تناول الموسيقى واختلاف رؤيتها بين الغرب والشرق حيث ترتبط في بدايتها لدى الغرب بالتراتيل الكنسية مما يضفي عليها القداسة والاحترام، بينما ترتبط في الشرق بالرقص والجواري والمتعة مما يضفي عليها جانباً حسياً مبتذلاً يدفع بعض المتشددين إلى تحريمها، “بينما لو عرفوا شيئاً عن ذلك السمو الروحي الذي تستطيع الموسيقى أن توصلنا إليه، لأدركوا كم كانت نظرتهم محدودة وضيقة عندما اقتصروا –في نظرتهم إلى هذا الفن- على أشد تجاربه سطحية وابتذالاً”.

جولة في الكتب: عداء الطائرة الورقية

 لـ/ خالد حسيني

  قبل أن أقرأ هذه الرواية لم أكن أعرف عن أفغانستان سوى الحرب السوفيتية وحركة طالبان وتنظيم القاعدة، كنت أعتقد أن ذلك المكان كان دائماً في حروب، وأن كل الأفغان يعيشون في أفغانستان يتناحرون معاً ومع القوى الخارجية وفقط لا شيء آخر، لم أكن أدرك أنها كانت دولة مستقلة ذات يوم، كان الناس فيها يحيون حياة طبيعية كباقي الشعوب، كانت دولة مدنية عصرية في وقتها، الرواية تحكي عن أفغانستان ما قبل الحرب وبعدها من خلال بطل الرواية “أمير”.

    تبدأ أحداث الرواية في الستينيات حيث كان “أمير” طفلاً مدللاً لأب من أهم أغنياء كابول وأم متوفية كانت أستاذة جامعية في الأدب والشعر، يحيا “أمير” في منزله مع أبوه الذي لا يجد منه الحنان والعطف المعنوي ويظن أنه يعاقبه على موت أمه أثناء انجابه، وفي المنزل أيضاً خادمهم الوفي “علي” وابنه “حسان” الذي يصغره بعام واحد، يعيش “أمير” طوال طفولته صراعاً داخلياً بين إذا ما كان “حسان” صديقه أم خادمه، بشكل ما يخون “أمير” “حسان” ويفترقا.

     خلال تلك الأحداث الشخصية لا تستقر أفغانستان على حال، تسقط الملكية وتُعلن الجمهورية، ومن بعدها يدخل الاتحاد السوفيتي وتتحول أفغانستان إلى بلد حرب، مما يضطر أبو “أمير” للهروب إلى أمريكا دون أن يستطيع أخذ شيء من ثروته معه، وما استطاع الهروب به أنفقه في رحلة الهروب، فيعيشا حياة الفقر في أمريكا، وبعد أن كان من أهم أثرياء كابول، يعمل في محطة وقود ويبيع الخردة في سوق الخردة كل سبت، هناك من يظنون أن الكاتب أسهب في الجزء الخاص بحياة “أمير” ووالده في أمريكا.

    لكن أعتقد أن الهدف من هذا الجزء هو ابراز حياة الأفغان الذين هربوا من الحرب في بلاد منفاهم، وليس فقط التركيز على أفغانستان قبل وبعد الحرب، وإلا كان من الممكن أن يكتب عن حياة شخص ممن بقوا في أفغانستان وليس من هربوا منها، في الرواية “أمير” يعود إلى أفغانستان لينقذ ابن “حسان” بعد أن يعلم أن طالبان قتلت والديه وأودع في أحد ملاجئ الأيتام والتي هي أسوأ ما يكون في أفغانستان، يفجع بالدمار الذي يراه في مدينته كابول وما حل بحيه ومنزله.

   المنزل الذي كان درة كابول، لا تنقطع عنه الأضواء والحفلات ليل نهار، أصبح منزلاً تسكنه الأشباح، تحطمت نوافذه وجدرانه وعشش الخراب في جنباته، حديقته التي كانت تشع بأشكال وألوان من الزهور والنباتات أصبحت جرداء لا حياة فيها، التقى أحد المتسولين في حيه القديم ودار بينهما حوار أفصح له فيه عن هويته ليكتشف أن ذاك المتسول كان أستاذاً جامعياً في جامعة كابول زميلاً لأمه في الستينيات، يصل لابن “حسان” بعد عناء ويستطيع انقاذه واخراجه من أفغانستان بعد أن كاد يفقد حياته في سبيل ذلك.

    تنتهي الرواية بتبني “أمير” لـ”سوهراب” ابن “حسان” ليحيا معه في أمريكا، ويطيرون معاً الطائرات الورقية كما كان يفعل مع أبوه في طفولتهما. إلى جانب أهمية الرواية كمصدر للتعرف على أفغانستان المجهولة لدى أغلب سكان العالم الذين لا يعرفوا عنها شيئاً سوى الحرب وحركة طالبان، إلا أن الرواية أيضاً مفعمة بالمشاعر الانسانية والمواقف الحياتية الراقية، ففيها صداقة الطفولة ومشاعر الأبوة والبنوة، مشاعر الفقد والحنين، الندم والألم، الثقة والخيانة، وأيضاً مشاعر الحب، لا أعتقد أن هناك رواية أخرى حوت بين جنباتها كل هذا الكم من المشاعر الإنسانية.

    تتركني الرواية ولدي فضول كبير للتعرف أكثر على أفغانستان وتاريخها وأسباب وصولها إلى تلك الحالة المذرية، ولا بد لي من قراءات آخرى عنها، ليس فقط روايات وإنما أيضاً قراءة في التاريخ، فربما لو لم ننتبه لوصلنا يوماً إلى نفس الحال!

جولة في الكتب: زهرة الشوك (قصص قصيرة)

للكاتب/ عادل سركيس

يقول الكاتب في مقدمة كتابه أن مجموعته القصصية مختلفة عن ما هو سائد وقد لا تروق النقاد إذا ما قيست طبقاً لعناصر التقييم الأدبي المأخوذة عن الغرب.. لا أعرف بشأن التقييم الأدبي المأخوذ عن الغرب ولكن حقاً مجموعته القصصية مختلفة، لا اعلم إذا ما كانت للأفضل أم للأسوأ، ولكنها مختلفة! في أحد التعريفات للقصة القصيرة تعرف بأنها لقطة لحدث، ولكن على أي أساس يتم اختيار الحدث وما الهدف منه؟!، فأغلب قصص المجموعة هي أحداث ولكن كقارئ لا تفهم ما الرسالة أو الهدف من معرفتك لتلك الأحداث!

ففي قصص الأميرة رانيا ومن بلاد نيام نيام والتقاليد اللعينة كانت القصص تبدو إلى حد كبير مجرد حشو معلومات عن البلاد المختلفة وعاداتها وتقاليدها عن طريق الحوار القصصي، ومن معرفتي الشخصية بالكاتب أعلم أنه زار وعاش فعلاً في هذه البلاد: (أمريكا- زيمبابوي- البحرين)، لذا أشعر أن هذه القصص هي اقتطاع لذكريات من حياته الشخصية وقد يكون هو بطلها الحقيقي، وربما هذا هو السبب في افتقارها لبعض الاثارة والمشاعر، فهي لا تعدو كونها تدوين شخصي لذكريات جافة مع أغراب لا تربطه بينهم مشاعر حقيقية، ورغبة في سرد المعلومات ليس إلا.

أما في قصة زهرة الشوك ويستوفى التحقيق فقد تضمنتا كل ما قد أبغيه في القصة التي قد أستمتع بقرائتها، قصة زهرة الشوك تضمنت مشاعر راقية وألقت الضوء على حياة طفلة يتيمة حرمت حنان الأب بموته وحرمت حنان الأم بجحودها لها وتخليها عنها لدور الأيتام، وكيف قاومت كل تلك الظروف لتبني لنفسها شخصية مستقلة تستحق السعادة والحب، أما قصة يستوفى التحقيق فسلطت الضوء على فساد شركات القطاع العام وما يستشري فيها من رشا واختلاسات والإحباط الذي يصيب الأمناء والأوفياء الذين يسعون لإصلاح الأمور واعطاء كل ذي حق حقه، عندما يواجهون الواقع المر بفشلهم وانتصار الفساد!

وعلى الرغم من احساسي بأن هذه القصة أيضاً “يستوفى التحقيق” هي أيضاً جزء من حياة الكاتب الشخصية، حيث أن وظيفة بطل القصة هي نفسها وظيفة الكاتب الأساسية، ولكنه في هذه المرة أجاد بشكل رائع توظيف حياته الشخصية في قصة قصيرة متكاملة الأركان.

كتاب الأسبوع: أوليفر تويست

لتشارلز ديكنز

    تبدأ أحداث رواية “أوليفر تويست” بولادة طفل في إحدى المؤسسات الخيرية بانجلترا، وقد ماتت أمه بعد ولادته مباشرة، وأطلق عليه المشرفون على المؤسسة اسم “أوليفر تويست”. وعندما بلغ التاسعة من عمره، أرسلوه إلى حانوتي ليعمل صبياً له، ولكنه لاقى سوء معاملة من زوجة الحانوتي، وكان ينام في حجرة شديدة الظلام وسط التوابيت الفارغة المخصصة للموتى، كما كان يأكل اللحم المخصص للكلاب! لم يتحمل “أوليفر” هذه الحياة البائسة، فقرر الهرب من منزل الحانوتي، وظل هائماً على وجهه في أزقة لندن لعدة أيام.

    كان “أوليفر” طوال تلك الأيام يتسول الطعام وينام على أكوام القش حتى قابل صبياً أكبر منه قليلاً يدعى “بيتس”، وعده بالعمل والغذاء والمأوى، ولكنه في الواقع كان لصاً. واضطر “أوليفر” للعمل معه، وبينما كان “بيتس” يسرق رجلاً ثرياً في الشارع ومعه “أوليفر”، تنبه الرجل وصاح طالباً النجدة، وعلى الفور تجمع المارة وأخذوا يركضون خلفهما، ولكنهم لم يتمكنوا من الامساك سوى بأوليفر. وفي قسم الشرطة اتضحت براءة “أوليفر” من السرقة؛ فأشفق عليه الرجل الثري “براونلو” وأخذه معه إلى منزله.

    وفي منزل الرجل الثري يلاحظ الجميع الشبه الكبير بين “أوليفر” وصورة امرأة معلقة على الجدار هي أخت “براونلو” التي هربت منذ عشر سنوات، وفي النهاية يتضح أنها أم “أوليفر” التي توفيت أثناء ولادتها له، وينال “أوليفر” نصيبه من الميراث ويعيش مع أهل والدته، وفي هذه الرواية أعتقد أن هدف “تشارلز ديكنز” كان تسليط الضوء على حياة الأطفال المشردون في الشوارع وما قد يئول إليه مصيرهم من اللحاق بركب الجريمة ليصبحوا في النهاية مجرمين محترفين وقنابل موقوتة في شوارعنا.

   تلك المشكلة التي أظنها قد انتهت من شوارع الدول المتقدمة كبريطانيا وأمريكا ودول أوروبا ولكن شوارعنا لازالت تئن بها ولا يلتفت إليها أحد، فعلى الرغم من تضخم مشكلة أطفال الشوارع والمشردون في مصر والكثير من البلدان العربية ولكن قل أن تجد عملاً أدبياً أو حتى فنياً يناقشها برقي وواقعية بعيداً عن اللعب على محاور الجنس والمتعة لزيادة الإيرادات، ذلك فيما يتعلق بالسينما والتلفزيون أما في مجال الأدب فلا أذكر أنني قرأت رواية أو قصة واحدة تناولت هذا الموضوع من أي جانب!

الملاكم العالمي محمد علي

 

     ولد “محمد علي” في 17 يناير 1942م، في مدينة لويفيل بولاية كنتاكي لعائلة أمريكية سوداء من الطبقة المتوسطة، وكان اسمه “كاسيوس مارسيلوس كلاي جونيور” والذي غيره إلى “محمد علي” بعد اعتناقه الاسلام ورفضه لاسم “كلاي” الذي كان يدل على عبودية السود في أمريكا، كان يحلم أن يكون من أقوى أبطال العالم في الملاكمة، في حين أن الناس جميعاً كانوا يسخرون منه، ولكنه حاول مرة بعد مرة، وضُرب أكثر من مرة، ولكنه كان يعيد المحاولة في كل مرة.

     تدرب وتمرن، وكان يلاحظ حركات اللاعبين.. حركات أرجلهم.. أيديهم.. أعينهم.. أنفاسهم، وخسر أكثر من مرة، ولكنه بعد ذلك أستطاع أن يفوز وينتصر، حتى وصل به الأمر إلى أن تحدى “جورج فورمان” ذلك الرجل الذي كان يهابه الجميع، فقد كانت ضربته أقوى من ضربة الحصان. ومع ذلك فقد تحداه محمد علي كلاي ولعب أمامه، ولكنه خسر، فقد أصابه “جورج فورمان” بإصابات عديدة، منها 12 غرزة في وجهه، وكذلك اصابة في فكه، وكسر في ذراعه، ودخل المستشفى في حالة سيئة جداً.

     نصحه الناس ألا يلعب مرة أخرى، ولكنه استطاع أن يلعب ثانية، وقرر أن يلعب أمام “جورج فورمان” مرة أخرى، بعد أن شاهد الفيلم التسجيلي للمباراه التي لعبها معه حتى استوعبها تماماً وعرف نقاط القوة والضعف فيها، وتدرب بشكل مكثف ليلاً ونهاراً. وعندما علم “جورج فورمان” بالأمر قال للناس: سوف تشتاقون للقاء هذا الرجل مرة أخرى؛ فهذه هي آخر مرة يمكنكم أن تروه فيها، فإنه لم يستوعب الدرس من المرة الأولى، فودعوه بشده؛ لأنني سوف أخلصكم منه تماماً..

    وكانت المنافسة بينهما قد تحدد مكانها في أفريقيا؛ فذهب “محمد علي” قبل البطولة بشهر كامل إلى الناس هناك، وكان ينزل إلى الشارع ويجري وسط الناس، ولأنه كان ذو شخصية محبوبة وجذابة فقد أحبه الناس وكانوا يشجعونه ويهتفون باسمه وهو يتمرن بينهم. ولما بدأت المباراة أراد “محمد علي” أن يقنع “جورج فورمان” أن ضربته مهما بلغت من قوة لا تؤثر فيه، في حين أن أي ملاكم آخر كان يتقي ضرباته ولا يثبت أمامه أكثر من حلقتين أو ثلاث.

    ولكن “محمد علي” استمر أمامه اثنتى عشرة حلقة، وفي النهاية فاز عليه بالضربة القاضية وقضى عليه، وكان قد أشهر اسلامه وقتها؛ فصرح قائلاً: بفضل الله سبحانه وتعالى وحده، ثم المجهود الشخصي والكفاح والإصرار والتقدير والمرونة والرؤية والهدف استطعت أن أحقق أهدافي.. وقد فاز “محمد علي” ببطولة العالم للوزن الثقيل ثلاث مرات على مدى عشرين عاماً في 1964 و1974 و1978، وكان يصف نفسه بأنه “يطير كالفراشة ويلسع كالنحلة”، وهو صاحب أقوى وأسرع لكمة في العالم حيث تعادل قوتها حوالي ألف باوند.

   في بدايات عام 1966 طُلب للخدمة في الجيش الأمريكي وكانت أمريكا وقتها تخوض حربها ضد فيتنام؛ فرفض أن يخدم في الجيش الأمريكي واعتبر نفسه معارضاً للحرب، وصرح قائلاً: “هذه الحرب ضد تعاليم القرآن، وإننا كمسلمين ليس من المفترض أن نخوض حروباً إلا إذا كانت في سبيل الله، لن أحاربهم فهم لم يلقبوني بالزنجي!”، ونتيجة لذلك تم سحب لقب بطولة العالم منه ولكنه تلقى دعم الكثيرين لآراءه وموقفه خاصة بعد الخسائر التي تكبدها الجيش الأمريكي في تلك الحرب.

   وفي عام 1970 عاد “محمد علي” للملاكمة مرة ثانية في مباراة وصفت أنها مباراة القرن ضد جو فريزرحيث لم تسجل هزيمة لأي منهما في مباراة من قبل، وكانت مباراة مقسمة على ثلاث مباريات منفصلة فاز “محمد علي” باثنتين منهم، ورصيد “محمد علي” في الملاكمة 61 مباراة فاز في 56 مباراة 37 منهم بالضربة القاضية وخسر في خمس مباريات فقط، وتزوج “محمد علي” أربع مرات (كل على حدة) أنجب فيهم سبع بنات وولدين، وأصغر أبنائه هي الملاكمة ليلى محمد علي الوحيدة من أبنائه التي احترفت الملاكمة سيراً على خطاه وإن لم تعتنق الاسلام مثله.

    في عام 1999 توج “محمد علي” بلقب رياضي القرن من مجلة “سبورتس ايلاستريتد” وذلك بعد أن اعتزل الملاكمة عام 1981 وكان عمره وقتها 39 عاماً ليتفرغ بعدها لمشاريعه الخيرية، وفي عام 1984 أصيب بداء باركنسون (الشلل الرعاش) ولكنه أستطاع ان يقاومه كثيراً حتى تدهورت حالته الصحية بشكل ملحوظ عام 2005 وتوالت بعدها نكساته الصحية إلى أن توفي في 4 يونيو 2016 تاركاً للبشرية ارثاً من الانجازات الرياضية والمشاريع الخيرية في كافة المجالات لا يمكنها تجاهله، لم يستسلم يوماً لا لهزيمة ولا لمرض، لم يقعده شيء في الحياة عن تحقيق أهدافه والوصول لمآربه.

في عيد العمال

يهل علينا ككل عام عيد العمال في الأول من مايو، وعلى الرغم من اعتقادي الراسخ بأن العامل هو كل من يعمل لخدمة وطنه وفي سبيل الحصول على لقمة عيشه مهما علا شأنه إلا أن المتعارف عليه أن هذا اليوم مخصص للعمال البسطاء، ربما يكون ذلك عرفاناً وتقديراً لجهودهم التي هي اللبنة الأساسية للدولة في كل المجالات، فنحن لا نستغنى أبداً عن ذلك العامل البسيط في أي مجال من حياتنا ومع ذلك يظل مهمشاً، راتبه بالكاد يكفيه ويسد رمقه وبالكاد يستطيع الوفاء بالمتطلبات الأساسية لأسرته البسيطة من مأكل وملبس وتعليم وربما لا تسعفه الامكانيات المادية أيضاً لمواصلة تعليم أبناءه.
وفي النهاية عليه أيضاً تحمل نظرات الكبر والاحتقار في عيون الناس وكأنهم خلقوا من طينة غير تلك التي خلق منها، ربما لذلك كان علينا تحديد يوم نتذكر فيه ذلك العامل البسيط ونتذكر فضله علينا لنرد له ولو قليلاً من أفضاله ونرد له اعتباره وكرامته، ولكن تاريخياً تم تحديد هذا اليوم خاصة للاحتفال بـ #عيد_العمال لتوافقه مع خروج العديد من العمال في #أمريكا وتلتها العديد من الدول عام 1886م في ما يسمى بحركة الثماني ساعات مطالبين بحد أقصى لساعات العمل في اليوم الواحد لا تزيد عن ثماني ساعات وكان شعارهم “ثماني ساعات للعمل – ثماني ساعات للراحة – ثماني ساعات للنوم”.
وفي #مصر أيضًا كان هناك تراثًا عماليًا مستقلاً للاحتفال بـ #عيد_العمال بدأ في عام 1924 حيث نظم عمال #الإسكندرية احتفالاً كبيرًا في مقر#الاتحاد_العام_لنقابات_العمال ثم ساروا في مظاهرة ضخمة حتى وصلت إلى سينما #باريتيه حيث عقد مؤتمرًا ألقيت فيه الخطب، ورغم السياسات القمعية للحكومات المصرية ومحاولات منع المسيرات والمؤتمرات بمناسبة أول مايو، ظلت الحركة النقابية المصرية تحتفل بالمناسبة وتنظم المسيرات والمؤتمرات طوال الثلاثينات والأربعينات رغم الصعوبات والقمع. ولكن بعد ثورة 23 يوليو 1952م والتأميم التدريجي للحركة العمالية أخذت المناسبة شكلاً رسميًا.
وفي عام 1964 أصبح الأول من مايو عطلة رسمية يلقى فيها #رئيس_الجمهورية خطابًا سياسيًا أمام قيادات العمال . ولكن على الرغم من هذا التكريم على المستوى السياسي والدولي الذي حظى به العمال إلا أن كثيراً منا لازال ينظر لهم نظرة الاحتقار تلك ويعتبرهم طبقة دنيا في المجتمع لا ترقى لان تكون معه على قدم المساواة في المجتمع. فمتى نرتقي ونعلم أن أكرمنا عند الله أتقانا وأن العمل أياً كان نوعه فهو يشرف صاحبه ولا يحط من قيمته أبداً.
وحقيقة فنحن لن نستطيع مواصلة الحياة ليوم واحد لو اختفى هؤلاء العمال لأي سبب سواء كان بإضرابهم عن العمل اعتراضاً على معاملتنا السيئة لهم أو بإحجام الشباب عن هذه الأعمال البسيطة حتى لا يتعرض لهذه النظرة السيئة من الناس وحينما لن نجد من يقوم بتلك الأعمال سنكون نحن الخاسرين حيث لا توجد دولة واحدة في العالم في غنى عن العامل المخلص بها فرفقاً به حكومة وشعباً!

أشخاص ملهمين في حياتي: مي زيادة

أعشقها، لا أعلم متى وكيف ولماذا؟ ربما قد أكون ولدت بحبها! أحببت شخصيتها وبرائتها وموهبتها، قد تكون هي أول من أرشدني إلى مجال الكتابة، أن بامكاني أن أكون امرأة ومع ذلك أحقق نجاحاً ومكانة جديرة بالاحترام.
قرأت عنها ولها كثيراً، وكيف أنها أمضت عمرها تعطي بلا حساب، كيف أحبت وأخلصت في حبها على بعد المسافات، أمضت عشرون عاماً من عمرها تحب شخصاً لم تقابله شخصياً ولم تره وجهاً لوجه “جبران خليل جبران” ولو لمرة واحدة في حياتها، أحب كل منهما الآخر رغم بعد المسافات، تراسلا عبر الخطابات بينما كانت في القاهرة وهو بأمريكا، وعندما توفي أصيبت بأزمة نفسية حادة حتى لحقت به.
عندما كنت في المرحلة الثانوية كنت أتمنى أن أصنع مسلسلاً تليفزيونياً عن حياة “مي زيادة” وأن أجسد دورها على الشاشة، وكانت أكبر مشكلة تواجه أحلامي الخيالية تلك هو كيف أقوم بذلك الدور مع ارتدائي الحجاب وهي مسيحية –وكأنني بارعة في التمثيل وهذه هي المشكلة الوحيدة التي تقف عقبة في طريق تحقيق أحلامي تلك- وكنت أتخيل حلول عديدة لهذه المشكلة كارتداء القبعات الكلاسيكية التي كانت موضة رائجة في ذلك العصر مع عدم اظهار شعري، وإلى الآن أتمنى أن أكتب يوماً سيناريو عن حياتها وبالأخص قصة حبها العظيمة مع “جبران خليل جبران” فكم سيكون رائعاً لو خلدت في فيلم سينمائي.