اعرف كاتبك: الجاحظ

    الجاحظ هو أبو عثمان بن بحر بن محبوب بن فزارة الليثي الكناني، لقب بالجاحظ لجحوظ عينيه، وكان قصير القامة دميم الوجه، لكنه كان خفيف الروح حسن العشرة ظريف النكات، يتهافت الناس إلى الاستمتاع بنوادره. وقد ولد الجاحظ في البصرة بالعراق عام 159هـ 776م، في خلافة المهدي ثالث الخلفاء العباسيين، ونشأ فقيراً يتيماً مما حال دون تفرغه للعلم، فكان يبيع السمك والخبز بالنهار ويعمل في دكاكين الوراقين في الليل فكان يقرأ منها ما يستطيع قراءته، وكان ميالاً إلى التنقل والترحال باستمرار بين العراق ومصر والشام، ويدون انطباعته بأسلوب فكه رشيق.

    وقد تولى الجاحظ ديوان الرسائل للخليفة المأمون، ولعل الميزة الرئيسية التي تفرد بها الجاحظ بين الكتاب في عصره، هي اتخاذه المجتمع مادة لقلمه، وتميز نتاجه الأدبي بأنه أفضل وأصدق مرآة لعصره حيث عايش كل فئات الشعب واحتك بالحكام والأمراء. وقد تميز الجاحظ بثقافته الموسوعية بحيث كتب في موضوعات شتى مثل العلم والأدب والسياسة والدين والفلسفة، وقد وصل عدد كتبه إلى 360 كتاب في شتى العلوم والمعارف، ومن أهم كتبه: الحيوان، والبخلاء، والبيان والتبيين، ورسالة التربيع والتدوير، والمحاسن والأضداد، والبرصان والعرجان، والتاج في أخلاق الملوك، والآمل والمأمول، والتبصرة في التجارة، والبغال، وفضل السودان على البيضان، وكتاب خلق القرآن، وكتاب أخلاق الشطار، وغيرها، وكذلك له العديد من الرسائل التي حقق بعضاً منها الدكتور “عبد السلام هارون” وطبعت في كتاب تحت عنوان “رسائل الجاحظ”.

    وكان للجاحظ أرائه واجتهاداته الفقهية والسياسية حيث كان يؤمن باعمال العقل في كل شيء، وقد رفض الجاحظ بشدة القول بأن سب الولاة فتنة ولعنهم بدعة، وعجب من أن الذين يقولون بذلك الرأي مجمعون على لعن من قتل مؤمناً متعمداً، ثم إذا كان القاتل سلطاناً ظالماً لم يستحلوا سبه ولا لعنه ولا خلعه، وإن أخاف العلماء وأجاع الفقراء وظلم الضعفاء، فكان يرى ضرورة الخروج على الإمام الظالم في حالة وجود إمام عادل، مع الثقة في القدرة على خلع الظالم وإحلال العادل محله، دون إحداث أضرار أكثر مما يتوقع جلبه من المنافع.

    وكان الجاحظ يؤكد أن العقل الصحيح أساس من أسس التشريع. وكان أسلوبه في الكتابة يتميز بأنه سهل واضح فيه عذوبة وفكاهة واستطراد بلا ملل، وفيه موسوعية ونظر ثاقب وإيمان بالعقل لا يتزعزع. وقد أصيب الجاحظ في أواخر حياته بشلل أقعده عن الحركة ولكنه لم يقعده عن طلب العلم والقراءة وحب الكتب والكتابة، حيث مات الجاحظ وهو يطالع بعض الكتب المحببة إليه، فوقع عليه صف من الكتب أرداه ميتاً، فمات الجاحظ مدفوناً بالكتب، مخلفاً وراءه كتباً وأفكاراً مازالت خالدة حتى الآن.

   وكانت وفاته عام 255هـ الموافق 868م عن عمر يناهز التسعين عاماً وذلك في خلافة المهتدي بالله، فعاصر بذلك 12 خليفة عباسياً هم: المهدي والهادي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والواثق والمتوكل والمنتصر والمستعين والمعتز والمهتدي بالله. وقد عاش الجاحظ في القرن الذي كانت فيه الثقافة العربية في ذروة ازدهارها.

الإعلانات