فوائد الملوخية وطريقة طهيها

الملوخية هي نوع من النباتات الزهرية والتي تضم حوالي مائة صنف مختلف، وما يؤكل منها هي أوراقها الخضراء، في حين أن نبتة الملوخية لها أيضاً أزهار صفراء اللون، وهي تنبت فقط في المناخ الدافئ في درجة حرارة تتراوح ما بين 25 و30 درجة مئوية حيث لا تحتمل بذورها درجات الحرارة المنخفضة ولا تنبت فيها، وهي تحتاج لحوالي شهرين لزراعتها ونموها حتى تكون أوراقها قابلة للقطف لاستخدامها كطعام، ولتاريخ ظهور الملوخية وانتشارها كطعام وسبب تسميتها بذلك الاسم قصتين مختلفتين وعلى الرغم من ذلك فإنهما مرتبطتان بمصر.

القصة الأولى ترجع ظهور الملوخية إلى عهد الدولة المصرية القديمة قبل سبعة آلاف سنة حيث كانوا يسمونها “خية” ويعتقدون أنها نبات سام فلا يقربونها، حتى دخل الهكسوس مصر واجبروهم على أكلها قائلين: “ملو- خية” أي “كلوا خية”، وظن المصريون وقتها أنهم سيموتون لا محالة ولكن لم يصبهم شيء واكتشفوا أنها صالحة للأكل ومذاقها طيب فانتشرت بينهم، القصة الثانية أيضاً ترجع للتاريخ المصري ولكن في عهد الدولة الفاطمية حيث وصفها الطبيب للخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله علاجاً له من مرض ألم به، وبعد أن شفي قرر أن يجعلها غذاءاً للملوك حصراً وحرمها على عامة الشعب وسميت حينها بالملوكية وحرفت مع مرور الزمن إلى الملوخية.

فوائد الملوخية:

# المادة الغروية أو المخاطية التي تظهر في الملوخية بعد طهيها لها تأثير ملين ومهدئ للمعدة والأمعاء وهي تحتوي أيضاً على الألياف التي تقاوم الإمساك.

# تحمي الملوخية الجسم من الإصابة بأنيميا الحديد أو فقر الدم وذلك لاحتوائها على فيتامين بي.

# تساعد الملوخية على زيادة مقاومة الجسم للأمراض والالتهابات وذلك لاحتوائها على فيتامين ايه وهو ضروري أيضاً لحماية الجلد من التشققات والتقرحات مما يؤدي لحماية الجلد من الإصابة بالسرطان على المدى البعيد.

# تحتوي الملوخية على نسبة هائلة من المنجنيز والذي يعمل على توليد هرمون الأنسولين الذي يضبط مستوى السكر في الدم ويقاوم هشاشة العظام وأمراض العقم الذي يؤدي نقص عنصر المنجنيز في الجسم للإصابة بهم.

# تعمل الملوخية على علاج تقرحات والتهابات الفم وذلك لاحتوائها على حمض النيكوتينيك.

# تحمي الملوخية من أمراض الشيخوخة وذلك لاحتوائها على مضادات الأكسدة.

طريقة طهي الملوخية:

يمكن طهي الملوخية باستخدام حساء أي نوع من أنواع اللحوم والبروتينات كاللحم البقري أو الجاموسي بأنواعه والدجاج والأرانب والحمام والبط وحتى الجمبري.

مقادير الملوخية:

تكفي خمس افراد

# كمية مناسبة من حساء أحد أنواع اللحوم البيضاء أو الحمراء.

# ثمرة ثوم كاملة.

# ملعقة صغيرة كسبرة ناشفة.

# ملعقة سمن أو زيت.

# كيس ملوخيه خضراء مجمدة.

طريقة تحضير حساء الملوخية:

# يغلى حساء اللحم في وعاء الطهي على النار.

# أثناء غلي الحساء على النار يتم تجهيز تقلية الملوخية وذلك من خلال تفصيص ثمرة الثوم وتقشيرها ثم طحنها في الكبة مع ملعقة الكسبرة الناشفة، ثم قدحها في ملعقة السمن أو الزيت على نار هادئة حتى تصل للون الأصفر الغامق فترفع من على النار.

# بعد أن يصل حساء اللحم لدرجة الغليان يتم إضافة محتويات كيس الملوخية الخضراء المجمدة إلى وعاء الطهي وتقليبها بالملعقة حتى تفكك وتذوب في الحساء.

# عندما يصل حساء الملوخية إلى درجة الغليان يتم إضافة التقلية له فيما يسمى في مصر بـ”شهقة الملوخية” وترفع بعدها مباشرة من على النار.

# تقدم الملوخية مع أحد أنواع اللحوم والأرز أو الخبز البلدي كما يمكن تناولها منفردة كحساء ولكنها قد تكون غير مشبعة في هذه الحالة وفي جميع الأحوال فبالهناء والشفاء.

طلع الكاتب اللي جواك: الكتابة علاج وشفاء

بقلم: سارة الليثي

الكتابة هي مهارة وموهبة يمكن لأي أحد أن يكتسبها بالتدريب والمران، وفي دول الغرب المتقدم يستخدموا الكتابة كعلاج مع كثير من الأمراض منها: الأمراض النفسية والسرطان وعلاج الإدمان، ففي مقال نشرته البروفيسورة “كونستانس سكارف” في مجلة (Ending addiction for good) قالت إن كتابة الشخص عن نفسه وعن تجاربه الخاصة لمدة 15 دقيقة يومياً تحسّن وتقي من اضطرابات المزاج (الاكتئاب مثلاً) وتحسن من الصحة الجسدية بعد التعرض لسكتة قلبية كما أنها تقلل من حاجتك لزيارة الطبيب وتحسّن الذاكرة.

   ومن بين الدراسات أيضاً حول هذا الموضوع دراسة أجراها الباحثان “كارين بايكي، وكاي ويلهيلك”، والتي أفادت بأن الكتابة التعبيرية تنفع بشكل كبير في أوقات الضغط والتوتر والحزن والغضب، وأن الكتابة عن حدث مؤلم حصل في الماضي يحسّن من الصحة النفسية والجسدية التي تسبب الألم بتدهورها، كما أن دمج الكتابة التعبيرية في الخطة العلاجية يعطي مفعول الدواء نفسه. والمذهل أن هذا العلاج قد أفاد بالفعل مع حالات كثيرة ونالوا الشفاء، والعلاج بالكتابة يكون من خلال أن يكتب المريض أي شيء يريده يعبر به عن مكنونات نفسه ويُخرج كل ما في داخله على الورق بأي صورة شاء سواء شعر أو خواطر أو قصص او مذكرات أو أي بأي شكل يهواه!

     لذا فقد فكرت لماذا ننتظر أن نكون مدمنين أو مرضى نفسيين أو مرضى سرطان -لا قدر الله- لكي نكتب؟! أوليس الوقاية خير من العلاج؟! لذا فليبدأ كل شخص من الآن أن يكتب ويخرج كل ما يعتمل في داخله على الورق: احباطاته نجاحاته فرحه حزنه سعادته تعاسته حبه كرهه، كل شيء نستطيع أن نخرجه على الورق ونشاركه مع غيرنا أو نشاركه مع الورق والقلم فقط، فالكتمان هو الذي يسبب الأمراض، والكتابة تشفينا منها، فالكتابة حياة وخلود.

   يقول الكاتب طالب الرفاعي عن الكتابة: أكتب لأن الكتابة هي النافذة الكبيرة المُشرعة أمامي. أكتب لأنني تعودت أن أرى في الكتابة فسحة تمكّنني من الهروب إلى الحرية والحلم والأمل.. أكتب لكي أستطيع أن أبقى متوازناً في معيشتي اليومية، ولأن الكتابة تقدّم لي السلوى والعزاء والأمان في لحظة إنسانية عاصفة يخيّم عليها القتل والدمار واللاعدالة.. أكتب، لأن الكتابة أصبحت هاجساً يستبيحني ويطاردني ليلَ نهار، وفي أحايين كثيرة يفسد عليّ أيّ متعة أعيشها.. أكتب لأن هناك في داخلي الكثير الذي يدفعني لأن أصرخ، موقناً أن الكتابة هي الصرخة الأبقى، والأعلى، وهي الصرخة الماكرة التي تستطيع أن تحمل أكثر من نبرة، وأكثر من كلمة في الصوت نفسه.

  ولكن القدرة على الكتابة الأدبية الراقية لا تنمو تلقائياً، وإن كان يسهل تنميتها كأي موهبة ومهارة لدى الإنسان إن أراد صدقاً تنميتها، وهذا يقودنا إلى التفريق بين نوعين من الكتابة:

  • الكتابة اليومية المعتادة التي يكتسبها الانسان بصورة طبيعية لتيسير أموره الحياتية، وهي تشبه القدرة على المشي والتفكير غير أنها تحتاج لمن يعلمك إياها في البداية بخلاف المشي والتفكير الذي يكون فطرياً.
  • الكتابة الأدبية التي تتطلب تعليماً منظماً هادفاً ومراناً مستمراً حتى يمكن أن تبلغ أقصى مدى لها، وهذا النوع يشبه القدرة على تسلق الجبال أو السباحة الإيقاعية وغيرها من المهارات التي تتطلب تدريباً وتعليماً مميزاً.

      وعليه فإن الكتابة الأدبية ليست مجرد قدرة طبيعية ترافق النمو الطبيعي للإنسان، ولكن يمكن تنميتها واكتسابها لكل انسان عن طريق المعرفة بأدوات ومهارات الكتابة والقراءة المستمرة في مختلف المجالات. في عام 1979، وفي عمر الثمانين بدأت “جيسي بي براون” تكتب قصة حياتها. كتبت حكايات عن ماضيها، عن جدتها وعمتها كلارا التي كانت تمضغ التبغ ويمكنها أن تُسدّد بصقات بحجم كريات الزجاج. في كل صباح كانت تتوجه إلى مطبخ شقتها حيث ربّت ثمانية أبناء. تجلس إلى طاولة المطبخ ثم تشرع في الكتابة مستعينة بدفاتر القص واللصق القديمة والرسائل والصور الفوتوغرافية.

    ويوماً بعد يوم، وأسبوعاً بعد أسبوع، كتبت بخط يدها قصة حياتها، مسجلةً الأحداث المفصلية: المواليد، الوفيات، زيجة واحدة، ثلاثة حروب، فيضان واحد، جنباً إلى جنب مع الأشياء التي أشعلتْ خيالها، مثل المرة الأولى التي رأت فيها لورانس ويلك. وبعد أن أتمت حكي أحداث حياتها، بدأت تكتب عن العالم الذي لم تتحدث عنه قط من قبل، عن مشاعرها وأفكارها. طبعت الكلية المحلية لها كتاباتها بعنوان حياة جيسي بي براون من الميلاد حتى سن الثمانين، في ثلاثين نسخة فقط تم توزيعها على الأسرة والأصدقاء.

    أما الآن فإن العالم كله بمقدوره قراءة كتابها ذي المئتي وثمانية صفحة، بعنوان Any Given Day  أي يوم متاح: حياة وأزمنة جيسي بي براون فوفوكس: ذكريات لأمريكا القرن العشرين [مطبوعات دار بروكس، 1997]. ومنذ أن كتبتْ كتاب مذكراتها الأول، أنجزت جيسي لي كتابين آخرين، أشهرهما هو ثرثرات جدة حول هذا وذاك Granny’s Ramblings of This and That Two، وتمت طباعته في 1993. في ذلك العام كتبت رسالة إلى المعلم الذي شجّعها على حكي قصتها، قائلة: “شكراً لك كل الشكر لأنك لم تفقد الأمل فيّ. أنا لستُ كاتبة، غير أن مجهودي الضئيل صنع اختلافاً هائلاً في حياتي”.

     لقد حكت جيسي بي قصتها. واشترتْ وارنر [شركة الإنتاج السينمائي] قصتها مقابل مليون دولاراً. (القصة من كتاب “كيف تكتب رواية في 100 يوم أو أقل” للكاتب “جون كوين”)، فحياة كل شخص يمكن أن تكون قصة متفردة لا شبيه لها مهما ظننا أن حياتنا عادية لا شيء مثير فيها، فيكفي ما يتخلل حياتنا من مشاعر صادقة واحباطات ونجاحات لتصنع قصة متكاملة جاذبة، وقصة “جيسي بي” هي تأكيد واضح على جوهر وفكرة مبادرة #طلع_الكاتب_اللي_جواك، فهي توضح بشدة كيف أن شخص ما لم يكن له أي علاقة بالكتابة يوماً ولم يتمتع بالموهبة الفذة من قبل بل وفي نهايات العمر أيضاً -كما يقولون-، يستطيع أن يبدع ويكون كاتباً فذاً فقط إذا أراد ذلك.

    فالكتابة لا تتوقف عند سن معين ولا مرحلة معينة، فهي تتجاوز كل الحدود والعوائق والظروف المختلفة، وكل انسان منا له قصته الخاصة التي يمكنه البدء منها، فكل حياة على تلك الأرض بها من الأحداث والمشاعر ما يصلح للكتابة عنه سواء شعراً أو خاطرةً أو قصصياً، فقط فلنمسك القلم ونبدأ. فالكتابة تساعدنا على تخطي أنواع مختلفة من المصاعب، ليس فقط للتعبير عن ذواتنا وإنما هي أيضاً تقضي على خوفنا الدائم من ارتكاب الأخطاء، ففي الكتابة ندرب عقولنا على التفكير لاختيار الكلمات الملائمة، وهذا يساعدنا بشكل تلقائي عند التحدث مع الآخرين، حيث يكون المخ قد تدرب كثيراً على اختيار الكلمات الملائمة لكل حديث ولكل موقف.

    كذلك فإننا نشعر بالراحة بصورة أكبر عندما نكتب، فلا يوجد شخص ينتظر إجابة، ولا يوجد خوف من الفهم الخاطئ أو عدم القدرة على التعبير بشكل جيد عن ما نشعر به. ولذا فالكتابة تعطينا شعور أكبر بالحرية، كما أنها توفر لنا مزيداً من الوقت للبوح بكل ما نريده أكثر من التحدث مع الآخرين، وهذا يساعدنا على أن نرى كل شيء واضحاً أمامنا، ومن ثم نستطيع تحسين أخطائنا والتعلم منها. الكتابة ليست فقط قصص وروايات وأشعار مكتوبة بشكل احترافي بغرض الكسب المادي، بل هي في المقام الأول تعبير عن الذات.

    أكتب عن نفسك لتستطيع أن تكتب عن الآخرين، وأكتب عن نفسك لتعرفها أكثر، لتساعدها على تجاوز مشكلاتها، وتخطي كل ما يقابلها. أكتب لتساعد نفسك، أكتب لتنقذ نفسك، أكتب لتحيا. نصيحة أخيرة: خصصوا خمس دقائق في يومكم للكتابة، اكتبوا عن أحداث اليوم، صفوا مشاكم خلال اليوم، أو علقوا على حدث أو موقف ما أثار انتباهكم، اكتبوا بأي طريقة، مذكرات- وصف تفصيلي- خواطر- شعر- قصة، لا تهتموا باللغة في هذه المرحلة، فقط اخرجوا كل ما تفكرون فيه وتشعروا به على الورق. فالكتابة تساعد على تفريغ الشحنات السلبية وزيادة الثقة بالنفس ورفع مستوى الرضاء الذاتي.

 

 

توحيدة عبد الرحمن … أول طبيبة مصرية

كتبت: سارة الليثي

   “توحيدة عبد الرحمن” ولدت عام 1906م لعائلة تميزت فيها البنات بتعليمهن الراقي، وتقلدهن مناصب هامة؛ على عكس ما كان سائداً في المجتمع المصري حينها من حرمان البنات من التعليم والاسراع بزواجهن في سن مبكرة، و”توحيدة عبد الرحمن” هي أخت “مفيدة عبد الرحمن” أول محامية مصرية وعضو مجلس الشعب، وقد تلقت “توحيدة” تعليمها في المدرسة السنيّة للبنات، وهي أول مدرسة حكومية تم إنشاؤها في عهد الخديوي إسماعيل للبنات عام 1873. وفي عام 1922 قرر الملك فؤاد ابتعاث 6 بنات من المتفوقات للدراسة في بريطانيا؛ حتى يصبحن نواة للطبيبات المصريات.

    وتم عمل مسابقة لاختيار البنات، ونجحت “توحيدة عبد الرحمن” في هذه المسايقة، وكانت أسس الاختيار للبعثة تتم على أساس المستوى العلمي والثقافي، وقد أطلق على تلك البعثة اسم (كتشنر)، وبعد إتمام تعليمها وعودتها إلى الوطن عام 1932م أهداها والدها عيادة في شارع عدلي، وكانت مجهزة بأحدث الأدوات الطبية وأفخم الأثاث، لكنها شكرت والدها، ورفضت تلك الهدية لأنها أرادت أن تعالج الفقراء. و تم تعيينها في مستشفى كتشنر الخيري الذي أصبح الآن المستشفى العام بشبرا، لتصبح أول طبيبة مصرية تعمل بالجهاز الحكومي.

  واستمرت في عملها كطبيبة بالمستشفيات الحكومية تعالج الفقراء لعشرون عاماً حتى تقدمت باستقالتها عام 1952 لكي تتفرغ لتربية أولادها. وتوفيت في العاشر من أغسطس عام 1974م بعد صراع مع مرض السرطان عن عمر يناهز الثامنة والستين عاماً.

محمد عبده .. رائد الإصلاح في العصر الحديث

كتبت: سارة الليثي

   لم يكن الشيخ محمد عبده مجرد مصلح ديني حفزته الأوضاع الدينية المتردية التي طغت على الدين الحقيقي إلى الكشف عنها، ومحاولة إزالة الغبار الذي تراكم على المفاهيم الدينية الصحيحة على مدى قرون التخلف والإنحطاط الفكري، ولو كان هذا شأن “محمد عبده” لكفاه ذلك فضلاً وشرفاً. ولكن “محمد عبده” كان بالإضافة إلى ذلك علماً من أعلام الفكر بالمعنى الواسع لهذا المصطلح، وكان على يقين من أن قضية إصلاح الفكر الديني لا تنفصل عن قضية إصلاح الفكر بصفة عامة، فكلاهما يؤثر في الآخر إيجاباً أو سلباً.

وكان الفكر الإسلامي في مصر ومركزه الأزهر الشريف قبل ظهور الشيخ “محمد عبده”، قد توقف عن الإجتهاد وتجمد على ماوصل من فكر القرون الماضية دون أن يضيف إليه، وكانت المؤلفات التي تصدر عن علماء الأزهر تتسم يالتزمت وضيق الأفق، والعناية باللفظ أكثر من المعنى، ولم تكن تقدم جديداً، بل كانت تدور حول ماسبقها في حلقة لا نهاية لها من شروح للمتون (الكتب الأصلية)، وشروح للشروح، وهكذا في دائرة تتسع، ولكن لا تخرج عما قدمه السابقون.

 ومن هنا إتجهت همة الشيخ “محمد عبده” إلى ربط الدين بالحياة عن طريق استخدام العقل في فهم الإسلام والقرآن، مخالفاً في ذلك علماء الإسلام في عصره، الذين تعودوا التضييق على الناس فيما وسع الله لهم فيه، وتحريم ما أحل الله. وقد ولد الإمام “محمد عبده” في عام (1266هـ / 1849م) لآب تركماني الأصل وأم مصرية تنتمي إلى قبيلة (بني عدي) العربية، ونشأ في قرية صغيرة في ريف مصر هي قرية محلة نصر التابعة لمحافظة البحيرة.

وكانت أسرة محمد عبده تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وقد تعلم القراءة والكتابة في منزل والده، ثم انتقل إلى دار حفظ القرآن فحفظه خلال عامين، وعندما شبَّ أرسله أبوه إلى “الجامع الأحمدي”- جامع السيد البدوي- بطنطا، ليجوّد القرآن بعد أن حفظه،  ويدرس شيئًا من علوم الفقه واللغة العربية، وكان محمد عبده في نحو الخامسة عشرة من عمره، وقد استمر يتردد على “الجامع الأحمدي” قريبًا من العام ونصف العام، إلا أنه ارتطم بطريقة التعليم التي تفرض عليه حفظ نص الآجرومية وشرحها.

 فقضى سنة ونصف كما يقول: «لا أفهم شيئا…»، لم يستطع أن يتجاوب مع المقررات الدراسية أو نظم الدراسة العقيمة التي كانت تعتمد على المتون والشروح التي تخلو من التقنين البسيط للعلوم، وتفتقد الوضوح في العرض، وإثر ذلك هرب عدة مرات وعمل بالزراعة، ثم التقى بالشيخ الصوفي “درويش خضر”- خال أبيه- الذي كان له أكبر الأثر في تغيير مجرى حياته. حيث استطاع أن يعيد الثقة إلى محمد عبده، بعد أن شرح له بأسلوب لطيف ما استعصى عليه من تلك المتون المغلقة.

 وتصوفه المنفتح لم يمنعه من توجيهه إلى تعلم الحساب والهندسة والمنطق وعلوم الحياة، فاقبل على القراءة والإطلاع والعلم، ومن ثم عاد إلى الجامع الأحمدي بروح جديدة فوجد نفسه كما يقول: «أفهم ما أقرأ وما أسمع»، لقد صار “محمد عبده” شيخًا ومعلمًا لزملائه يشرح لهم ما غمض عليهم قبل موعد شرح الأستاذ. وهكذا تهيأ له أن يسير بخطى ثابتة على طريق العلم والمعرفة بعد أن عادت إليه ثقته بنفسه، ثم انتقل من الجامع الأحمدي إلى الجامع الأزهر فدرس الفقه والحديث والتفسير واللغة والنحو والبلاغة، وغير ذلك من العلوم الشرعية واللغوية.

 ولم يكن رأي محمد عبده في الجامع الأزهر خيراً من رأيه في الجامع الأحمدي لعقم أساليبه التعليمية، وظل 4 أعوام يقرأ دروس الأزهر المقررة، و يعتمد على نفسه في علوم الدنيا التي لا يدرسها الأزهر، وهي المنطق والرياضيات و الهندسة والفلسفة، ومنذ وصول جمال الدين الأفغاني إلى مصر 1871 التقاه محمد عبده ولازمه كظله، فأخرجه من حياة العزلة إلى دراسة العلوم الحديثة كالفلسفة والرياضيات والأخلاق والسياسة والفن وغير ذلك مما لم يكن مألوفا في مناهج الأزهر.

 وبدأ محمد عبده الكتابة باسمه في جريدة الأهرام وعمره يومئذ سبعة وعشرون عاما. وبعد تخرجه في الأزهر 1877  مارس التدريس فيه، وقرأ لطلابه المنطق والفلسفة والتوحيد وتهذيب الأخلاق لمسكويه وتاريخ المدنية في أوروبا وفرنسا لفرانسوا جيزو، ثم عمل مدرساً للتاريخ في دار العلوم عام 1295 هـ – 1838 م، وقرأ لطلابه فيها مقدمة ابن خلدون، وألف كتابا في علم الاجتماع والعمران، وعين مدرسا للعلوم العربية في “مدرسة الألسن”، كما اتصل بالحياة العامة. وساهمت انتقاداته في تأسيس المجلس الأعلى للمعارف.

   وعندما اشتعلت الثورة العرابية سنة (1299هـ – 1882م) انضم محمد عبده إلى المؤيدين للثورة، وأصبح واحدًا من قادتها وزعمائها، فتم القبض عليه، وأودع السجن ثلاثة أشهر، ثم حُكم عليه بالنفي لمدة ثلاث سنوات. فانتقل إلى بيروت حيث أقام بها نحو عام، ثم ما لبث أن دعاه أستاذه الأفغاني للسفر إليه في باريس حيث منفاه، واستجاب “محمد عبده” لدعوة أستاذه حيث اشتركا معًا في إصدار مجلة “العروة الوثقى” التي صدرت من غرفة صغيرة متواضعة فوق سطح أحد منازل باريس.

   واستطاع الإنجليز إخماد صوت “العروة الوثقى” الذي أضج مضاجعهم وأقلق مسامعهم، فاحتجبت بعد أن صدر منها ثمانية عشر عددا في ثمانية أشهر، وعاد الشيخ “محمد عبده” إلى بيروت بعد أن تهاوى كل شيء من حوله، فقد فشلت الثورة العرابية، وأغلقت جريدة “العروة الوثقى”، وابتعد عن أستاذه الذي رحل بدوره إلى “فارس”. وكان على “محمد عبده” أن يشغل وقته بالتأليف والتعليم، فشرح “نهج البلاغة” ومقامات “بديع الزمان الهمذاني”، وأخذ يدرس تفسير القرآن في بعض مساجد “بيروت”.

عاد محمد عبده إلى مصر على ألا يشتغل بالسياسة، فاتجه الى الأصلاح، وكان سبيله إلى ذلك إصلاح الأزهر والمدرسة الدينية وإقامة الجمعيات الخيرية. وعين قاضياً في المحاكم الشرعية في محكمة بنها، ثم الزقازيق، ثم عابدين، ثم عين مستشارًا في محكمة الاستئناف. وبدأ يتعلم اللغة الفرنسية وهو قاضٍ في “عابدين”- وكانت سنه حينئذ قد شارفت على الأربعين- حتى تمكن منها، فاطلع على القوانين الفرنسية وشروحها، وترجم كتابًا في التربية من الفرنسية إلى العربية. وفي عام (1317هـ – 1899م) تم تعيينه مفتيًا للبلاد.

ولكن علاقته بالخديوي عباس كان يشوبها شيء من الفتور، الذي ظل يزداد على مر الأيام، خاصة بعدما اعترض على ما أراده الخديوي من استبدال أرض من الأوقاف بأخرى له إلا إذا دفع الخديوي للوقف عشرين ألف فرقًا بين الصفقتين. وتحول الموقف إلى عداء سافر من الخديوي، فبدأت المؤامرات والدسائس تُحاك ضد الإمام الشيخ، وبدأت الصحف تشن هجومًا قاسيًا عليه لتحقيره والنيل منه، ولجأ خصومه إلى العديد من الطرق الرخيصة والأساليب المبتذلة لتجريحه وتشويه صورته أمام العامة.

 اضطر الامام محمد عبده في النهاية إلى الاستقالة من الأزهر في سنة (1323هـ – 1905م)، وإثر ذلك أحس الشيخ بالمرض، واشتدت عليه وطأة المرض، الذي تبيّن أنه السرطان، وما لبث أن تُوفي بالإسكندرية في (8 من جمادى الأولى 1323 هـ = 11 من يوليو 1905م) عن عمر بلغ ستة وخمسين عامًا.