الغريين

   كان ملوك الحيرة مشهورين بمجالس شرابهم ولهوهم التي ينادمهم خلالها الشعراء، وكان لـ”المنذر بن ماء السماء” -أحد ملوك الحيرة- نديمان حبيبان إلى نفسه يقال لأحدهما “خالد بن فضلة”، والآخر “عمرو بن مسعود”، فثمل “المنذر” وصحبه يوماً، وبلغ به الشراب حداً جعله لا يعقل؛ فذكر شعراً وطلب منهما إكماله؛ فأتيا بما لم يرضه، وقيل بل راجعاه في رأي رآه؛ فأمر حرسه بقتلهما، فحفروا لهما حفيرتين بظاهر الكوفة ودفنوهما أحياء، فلما أصبح “المنذر” وقد نسى ما كان من أمره استدعاهما؛ فأخبره الحرس بما كان.

   حزن “المنذر” حزناً بالغاً، واتخذ قراراً غريباً بالغ الشذوذ –وربما كانت آراؤه في سكره أعقل من هذا الرأي الذي اتخذه في صحوه- فأمر بأن يبنى على قبريهما صومعتين عرفتا باسم “الغريين”، ثم أخذته عزة الملك؛ فأصدر أمراً ألا يمر أحد من وفود العرب إلا بينهما، واتخذ لنفسه يومين، أطلق على أحدهما يوم النعيم وعلى الآخر يوم البؤس، أما يوم النعيم فكان يحسن فيه إلى أول عابر بين الصومعتين ويهبه ويعطيه عطاء باذخاً، أما يوم البؤس فكان يقتل فيه أول من يعبر بين الغريين كائناً من كان، وبالغاً ما بلغ من قدر ومنزلة، ثم يطلي الصومعتين بدمه.

   وبالغ البعض فذكر أنه لو عبر حيوان وحشي هذا المكان في هذا اليوم أرسل وراءه الخيل حتى تصطاده، ثم يذبحه، وكذلك لو كان طائر هو أول من يجتاز فضاء المكان فيرسل وراءه الجوارح حتى تصطاده، ولا ينجو من الذبح واستخدام دمه طلاء. وقد مر الشاعر “عبيد بن الأبرص” بين الصومعتين في يوم بؤسه، فسأل “المنذر” نديمه: من هذا الشقي؟ فقال له: هذا “عبيد بن الأبرص”، وكان قد وفد عليه قبل ذلك فمدحه ووصله فاستدعاه، فقال له نديمه: أبيت اللعن اتركه، فإن عنده من حسن القريض أفضل مما تدرك من قتله، مع أنه من رؤساء قومه، وأهل النجدة والشأن فيهم فاسمع منه، وادعه إلى مدحك، فإن سمعت ما يعجبك وإلا كان قتله هيناً عليك.

  قال “المنذر”: فإذا نزلنا فادع به. فنزل “المنذر” فطعم وشرب، وبينه وبين الناس حجاب بحيث لا يراهم ولا يرونه، فدعا بـ”عبيد” من وراء الستر، ثم سأله رديفه:  ما ترى يا أخا أسد؟

  قال: أرى الحوايا عليها المنايا.

  والحوايا جمع حوية وهو ما يوضع على ظهر البعير، والمعنى أن الموت قد يأتي الشجاع وهو على سرجه.

  فقال الملك: أقلت شيئاً؟ فقال: حال الجريض دون القريض.

   الجريض هو غصص الموت التي منعته من قول الشعر.

  فقال “المنذر”: أنشدني من قولك (أفقر من أهله محلوب).

 فقال:

    أفقر من أهله عبيد        فليس يبدي ولا يعيد

  قال: قل في مديحاً يسير في العرب- قال: أما والصبار في ما عجل فلا- قال: نطلقك ونحسن إليك. قال: أما وأنا أسير في يديك فلا، قال: نردك إلى أهلك ونلتزم رفدك. قال:أما على شرط المدح فلا.

  فقرر “المنذر” قتله، ولما كان ديمقراطياً عتيداً فقد خيره أي قتلة يشتهي أيفصده من الأبجل أم من الأكحل أم من الوريد- فقال “عبيد”:

     خيرتني بين سحابات عاد            فردت من ذلك شر المراد

  ثم قال له: أيها الملك روني من الخمر حتى إذا استرخت أعصابي فشأنك وما تريد، فسقاه الخمر حتى ثمل، ثم قطع له الأكحل فنزف حتى مات.

  أما سبب إبطال “المنذر” هذه العادة، فقيل أنه خرج يوماً في صيد؛ فهبت ريح عاصفة وانقطع من أصحابه، فلجأ إلى المبيت عند رجل من طيئ يقال له: عمرو بن الأخس، فأكرمه وأحسن إليه ما وسعته الطاقة لما بدا على “المنذر” الرفعة والنعمة- وذلك دون أن يعرفه-، فلما أصبح الرجل إذا بالخيل تطلب “المنذر”، ففزع الرجل ولكن “المنذر” عرفه نفسه وطمأنه، وقال له: أقدم علي أمولك، ولبث الرجل زمناً، ثم ألحت عليه زوجه؛ فخرج قاصداً “المنذر”.

  وصادف في ذلك يوم بؤسه، وأمر “المنذر” بذبحه، فاستنجد به الرجل وقال: أنا الطائي أبو مثواك ليلة الريح وإنما جئت لوفاء وعدك، فأدناه “المنذر” ورحب به، وقال: أوصني بكل أرب لك ووطر، غير أنه لابد من القتل، فقال الطائي: إن لي وصايا وديوناً، وعندي ودائع لا يعلمها أحد غيري، فدعني ألحق بأهلي وأوصيهم بما أريد وأرجع إليك، قال: فمن يكفل بك؟ فسأل الطائي عن أكرم الناس عليه؛ فقيل له: “شريك بن عمير”، وهو ابن عمه وصهره، فتوجه إليه ومدحه بشعر قال فيه:

   يا شريك بن عمير          يا أخا من لا أخا له

   يا شريك بن عمير          اكفل المرء وآله

   ريث أوصي وأؤدي        مال من أودعت ماله

   يا شريك بن عمير          هل من الموت محاله

   فرق له “شريك بن عمير” وكفله، فأجله “النعمان” سنة، وضمنه “شريك” بدمه، فانطلق الطائي إلى سبيله، وأدى ما عليه، ثم عاد إلى “المنذر”، وقد لبس أكفانه وأخذ حنوطه، فلما جاء يوم الأجل دعا “المنذر” بـ”شريك” ليقتله، فطلب أن يمهله اليوم إلى نهايته، ووطن نفسه على القتل وودع أهله، ولكنهم فوجئوا بالطائي مقبلاً عليهم في هيئة المستعد للموت، فاشتد تعجب “المنذر” من أمر الرجلين وقال: ما أدري أيكما أكرم؟ فأخبرني يا طائي ما حملك على الوفاء وأنت تعلم أنك مقتول؟

   قال: خشيت أن يقال ضاع الوفاء بالعهد بين الناس.

   ثم سأل “المنذر” “شريكاً”: وأنت ما دعاك إلى ضمانته وأنت لا تعلم إن كان يفي أم لا؟ فرد: خشيت أن يقال ضاعت المروءة بين الناس.

   فقال “المنذر”: لا بؤس ولا يوم بؤس بعد اليوم خشية أن يقال ضاع الفضل والعفو بين الناس.

   وهناك رواية أخرى تقول إن الطائي رد على سؤال “المنذر” بأن ما حمله على الوفاء هو دينه، فسأله: وما دينك؟ قال: النصرانية.

  ووصف له الدين وتوحيد الله، والإيمان بالبعث والحياة الأخرى فآمن بذلك، وقال: لا بؤس ولا يوم بؤس بعد اليوم، ثم خلع نفسه من الملك وتنسك، وساح في الأرض تاركاً الملك لولده. ولكن يهدم هذه القصة أنه من الثابت قتل “المنذر” في حربه مع “الحارث الغساني” عام 554م، فهو لم يخلع من ملكه زهداً، بل بفعل الموت وحده.

الإعلانات

الفرزدق شاعر النقائض

 

   هو “همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية الدارمي التميمي” والفرزدق لقب أطلق عليه لجهامة وجهه وغلظته ومعناها الرغيف، وكنيته أبو فراس. ولد بالبصرة في أواخر خلافة “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه في سنة عشرين هجرياً تقريباً ونشأ بباديتها لقبيلة بني تميم، وكانت البصرة وقتها مسرحاً لكثير من الأحداث والحركات السياسية كما كانت تموج بالعلم والفكر والأدب والشعر، وكان أبوه وأجداده في ذروة الشرف والسيادة، وقد اشتهر جده “صعصعة” بأنه كان ممن فدى الموءودات في الجاهلية، ونهى عن قتلهن، وأنه أحد الذين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم في وفد تميم للدخول في الإسلام.

    وقد نبغ الفرزدق في الشعر منذ صغره، فيقول عن نفسه: “كنت أهاجي شعراء قومي وأنا غلام”، فقد ورث الشعر عن جده “صعصعة” وأيضاً كان خاله الشاعر “العلاء بن قرظة”، وكان الفرزدق رحالاً ينتقل من موضع لآخر، ويكره الاقامة الطويلة بمحل، فتنقل ما بين البصرة والكوفة والمدينة وأرض البلقاء بالشام، وكانت أخلاقه تتسم بالعصبية والغلظة وكان حاد اللسان محباً للخصومات، وأكبر دليل على ذلك هو المعركة الهجائية التي دارت بينه وبين “جرير” و”الأخطل” مما جعله يحشد لها كل طاقاته الشعرية.

    وقد استمر الهجاء بين جرير والفرزدق أربعين عاماً حتى توفي الفرزدق ورثاه جرير، ويقال أن جرير والفرزدق كانا صديقين حميمين إلا في الشعر، فكان الناس يرونهم يمشون في الأسواق مع بعضهم البعض ولكن عندما يأتي الشعر فكل منهم له طريقته وعداوته للآخر. كما كان الفرزدق أيضاً محباً للحياة ومتعها.. وقد تزوج كثيراً، وتوفي في نهاية المطاف بالبصرة سنة 114 هـ الموافق 732م عن عمر يناهز 72 عاماً بعد أن خلد في التاريخ ديواناً شعرياً ضخماً.

       عد اللغويون ديوان الفرزدق الشعري أحد مصادر اللغة، ومن هنا دارت أشعاره في كتب اللغويين والنحاة حتى قالوا: “لولا شعر الفرزدق لذهب ثلث العربية”، ومن نماذج شعره أن قدم الخليفة الأموي “هشام بن عبد الملك بن مروان” للحج برفقة حاشيته وقد كان معهم الفرزدق وكان البيت الحرام مكتظاً بالحجيج في تلك السنة ولم يفسح له المجال للطواف فجلب له متكأ ينتظر دوره وعندما قدم الامام “زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب” انشقت له صفوف الناس حتى ادرك الحجر الأسود.

   ثارت حفيظة “هشام بن عبد الملك” عندما رأى هذا واغاظه ما فعله الحجيج لعلي بن الحسين فسأل هشام بن عبد الملك من هَذا؟ فأجابه الفرزدق هذه القصيدة وهي من اروع ماقاله الفرزدق:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته *** والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم *** هذا التقي النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها: *** إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت *** عن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته *** ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم 
يغضي حياء ويغضى من مهابته *** فما يكلم الاّ حين يبتسم
من جده دان فضل الأنبياء له *** وفضل أمته دانت له الأمم
ينشق نور الهدى عن نور غرته *** كالشمس ينجاب عن اشراقها الظلم
مشتقة من رسول الله نبعته *** طابت عناصره والخيم والشيم
هذا ابن فاطمة ان كنت جاهله *** بجدّه أنبياء الله قد ختموا
الله شرفه قدماً وفضله *** جرى بذاك له في لوحه القلم
فليس قولك: من هذا؟ بضائره *** العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عمّ نفعهما *** يستوكفان ولا يعروهما العدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره *** يزينه اثنان: حسن الخلق والكرم
حمال أثقال أقوام إذا فدحوا *** حلو الشمائل تجلو عنده نعم
لا يخلف الوعد ميمون نقيبته *** رحب الفناء أريب حين يعتزم
ما قال لا قطّ الاّ في تشهده *** لولا التشهد كانت لاؤه نعم
عمّ البرية بالإحسان فانقلعت *** عنه الغيابة والاملاق والعدم
من معشر حبّهم دين، وبغضهم *** كفر وقربهم منجى ومعتصم
ان عد أهل التقى كانوا أئمتهم *** أو قيل: من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم *** ولا يدانيهم قوم وان كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت *** والأسد أسد الشرى والبأس محتدم
لا ينقص العسر بسطاً من اكفهم *** سيّان ذلك ان أثروا وان عدموا
يستدفع السوء والبلوى بحبهم *** يستزاد به الإحسان والنعم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم *** في كل بدء ومختوم به الكلم
يأبي لهم أن يحل الذم ساحتهم *** خير كريم وأيد بالندى هضم
أي الخلائق ليست في رقابهم *** لأوّلية هذا أوله نعم 
من يعرف الله يعرف أوّلية ذا *** والدين من بيت هذا ناله الأمم

الإمام أبو حنيفة النعمان …. إمام أهل السنة

كتبت: سارة الليثي

    ولد “أبو حنيفة النعمان” بالكوفة سنة 80 هـ من أسرة فارسية، وسمي “النعمان” تيمناً بأحد ملوك الفرس، وما لبث أن شب على حب العلم والمعرفة فانطلق يرتاد حلقات العلماء في مسجد الكوفة.. يتدارس فيها أصول العقائد والأحاديث النبوية الشريفة والفقه وتفسير القرآن الكريم .. ودرس على عدة شيوخ في مسجد الكوفة ثم استقر عند شيخ واحد فلزمه.. حتى إذا ما ألم بالشيخ ما جعله يغيب عن الكوفة، نصب “أبا حنيفة” شيخاً على الحلقة حتى يعود..

    وكانت نفس “أبي حنيفة” تنازعه أن يستقل هو بحلقة، ولكنه عندما جلس مكان أستاذه سئل في مسائل لم تعرض له من قبل، فأجاب عليها وكانت ستين مسألة. وعندما عاد شيخه عرض عليه الإجابات، فوافقه على أربعين، وخالفه في عشرين.. فأقسم “أبو حنيفة” ألا يفارق شيخه حتى يموت. ومات الشيخ و”أبو حنيفة” في الأربعين، فأصبح “أبو حنيفة” شيخاً للحلقة وكان قد دارس علماء آخرين في رحلات  إلي البصرة وإلي مكة والمدينة خلال الحج والعمرة، وأفاد من علمهم، وبادلهم الرأي، ونشأت بينه وبين بعضهم مودات، كما انفجرت خصومات.

   ووزع وقته بين التجارة والعلم.. وأفادته التجارة في الفقه، ووضع أصول التعامل التجاري على أساس وطيد من الدين، وعلى الرغم من أنه كان يكسب أرباحاً طائلة، فقد كان لا يكنز المال.. فهو ينفق أمواله على الفقراء من أصدقائه وتلاميذه. ويحتفظ بما يكفيه لنفقة عام ويوزع الباقي على الفقراء والمعسرين، وكان يدعو أصحابه إلي الاهتمام بمظهرهم فقد كان إذا قام للصلاة لبس أفخر ثيابه وتعطر، لأنه سيقف بين يدي الله. ورأى مرة أحد جلسائه في ثياب رثة، فدس في يده ألف درهم وهمس: أصلح بها حالك.

    فقال الرجل: لست احتاج إليها وأنا موسر وإنما هو الزهد في الدنيا. فقال “أبو حنيفة”: أما بلغك الحديث: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده؟ وكان شديد التواضع، كثير الصمت، يقتصد في الكلام، وإذا أغلظ إليه أحد أثناء الجدال صبر عليه. وكان مخالفوه في الرأي يغرون به السفهاء والمتعصبين ويدفعونهم إلي اتهامه بالكفر، وإلي التهجم عليه، فيقابلهم بالابتسام. ولقد ظل أحد هؤلاء السفهاء يشتمه، فلم يتوقف الإمام ليرد عليه، وعندما فرغ من درسه وقام، ظل السفيه يطارده بالسباب.

    حتى إذا بلغ داره توقف عند باب الدار قائلاً للسفيه: “هذه داري فأتم كلامك حتى لا يبقى عندك شيء أو يفوتك سباب فأنا أريد أن أدخل داري“..! ، وعندما وقع خلاف بين الخليفة المنصور وزوجته لأنه أراد أن يتزوج عليها، أراد أن يحتكما إلي فقيه، فرفضت الزوجة الاحتكام إلي قاضي القضاة ابن أبي ليلى أو إلي تابعه شبرمة أو إلي أحد الفقهاء من بطانة المنصور! وطلبت “أبا حنيفة”. وعندما حضر “أبو حنيفة” أبدى الخليفة رأيه أن من حقه الزواج لأن الله أحل للمسلم الزواج بأربع، والتمتع بمن يشاء من الإماء مما ملكت يمينه.

    فرد “أبو حنيفة”: “إنما أحل الله هذا لأهل العدل، فمن لم يعدل فواحدة. قال الله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً}(النساء،الآية:3). فينبغي علينا أن نتأدب بأدب الله ونتعظ بمواعظه”. وضاق الخليفة بفتواه، ولكنه أخذ بها وخرج “أبو حنيفة” إلي داره. فأرسلت له زوجة الخليفة خادماً ومعه مال كثير وأحمال من الثياب الفاخرة النادرة وجارية حسناء وحمار مصري فاره هدايا لأبي حنيفة. فقال “أبو حنيفة” للخادم: “أقرئها سلامي، وقل لها إني ناضلت عن ديني وقمت بذلك المقام لوجه الله، لم أرد بذلك تقرباً إلي أحد ولا التمست به دنيا”، ورد الجارية الحسناء والثياب والمال والحمار المصري جميعاً.

   وكان للإمام “أبو حنيفة” آراء اجتهادية سبقت عصره فقد أنصف المرأة في عصر بدأت المرأة فيه تتحول إلي حريم للمتاع؛ فأفتى بأن للبالغة أن تزوج نفسها وهي حرة في اختيار زوجها. كما أفتى بعدم جواز الحجر على أحد، لأن في الحجر إهداراً للآدمية وسحقا للإرادة.. وأفتى بعدم جواز الحجر على أموال المدين، حتى لو استغرقت الديون كل ثروته. لأن في هذا مصادرة لحريته.. وفي كل أمر من أمور الحياة تتعرض فيه حرية الإنسان لأي قيد، أفتى الإمام “أبو حنيفة” باحترام الحرية وكفالتها.

  لقد أفتى بكل ما ييسر الدين والحياة على الإنسان فذهب إلي أن الشك لا يلغي اليقين، وضرب لذلك مثلاً بأن من توضأ ثم شك في أن حدثاً نقض وضوءه، ظل على وضوئه، فشكه لا يضيع يقينه. وكانت آراؤه وفتواه تلك توغر صدور الفقهاء المتزمتون ذوي العقول المتحجرة فيوغروا صدور الخلفاء والحكام عليه، مما كان يجعله دائماً عرضة لغضب الحكام والخلفاء، ولكنه لم يتراجع يوماً عما يراه حقاً ولم يخاف في الحق لومة لائم، مما أدى لسجنه في أواخر عمره وهو شيخاً في السبعين من عمره.

    وظل في سجنه يعرضون عليه الجاه والمنصب والمال فيأبى.. ويعذب من جديد! وتدهورت صحته، وأشرف على الهلاك. وخشي معذبوه أن يخرج فيروي للناس ما قاسى في السجن، فيثور الناس!. وقرروا أن يتخلصوا منه فدسوا له السم. وأخرجوه وهو يعاني سكرات الموت، وما عاد يستطيع أن يروي لأحد شيئا بعد!! وحين شعر بأنها النهاية أوصى بأن يدفن في أرض طيبة لم يغتصبها الخليفة أو أحد رجاله. وهكذا مات فارس الرأي الذي عرف في السنوات الأخيرة من حياته باسم الإمام الأعظم.

    وشيع جنازة الامام الأعظم خمسون ألفا من أهل العراق، واضطر الخليفة أن يصلي على الإمام الذي استقر إلي الأبد في جوار ربه، والخليفة يهمهم: “من يعذرني من أبي حنيفة حياً وميتاً؟“.