دور القرآن في الحفاظ على اللغة العربية

بقلم: سارة الليثي

     قال الله تعالى في محكم تنزيله: “إِنَّا جَعَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ” (سورة الزخرف: 3)، فقد أختار الله من فوق سبع سماوات اللغة العربية لقرآنه الذي يُتلى ليومٍ يرث فيه الأرض وما عليها؛ فقد تعهد الله بحفظ قرآنه: “إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ” (سورة الحجر: 9)، وعليه فإن اللغة العربية ستظل محفوظة بين دفتيه ليوم القيامة، سيظل القرآن يُقرأ بالعربية للأبد، بعكس الكتب السماوية الأخرى التي يمكن قرائتها مترجمة بأي لغة، وبذلك ستظل اللغة العربية حية بين دفتي المصحف.

   فحتى أولئك المسلمين الأجانب الذين لا يتقنون اللغة العربية يستلزمهم الأمر اتقان حروفها وربطها معاً لقراءة كلمات القرآن الكريم، فلا يكفيهم الاطلاع على معانيه ومقاصده من خلال الترجمة فقط، بل لا بد لهم من قراءته للتلاوة سواء للصلاة أو بغرض الذكر والتعبد في أي وقت، وكثير منهم يسعون لتعلم اللغة العربية ليستطيعوا قراءة القرآن وإدراك معانيه مباشرة دون الحاجة إلى ترجمة، وذلك يعني ليس فقط الحفاظ على اللغة العربية بين ناطقيها بل أيضاً زيادة رقعة متحدثيها على مستوى جغرافي واسع يشمل العالم كله دون التقيد بمناطق جغرافية أو عرقية محددة.

     فبفضل القرآن الكريم وانتشار الاسلام وتوسعه في كافة ربوع العالم أضحت اللغة العربية اليوم من اللغات الحية المتجددة التي يوصي علماء اللغة بتعلمها واتقانها، على العكس من لغات أخرى عديدة أصبحت مهددة بالانقراض حيث لا يتحدثها سوى فئات محلية محدودة قد لا تتجاوز الآلاف، وهناك لغات عديدة قد تعرضت للانقراض بالفعل ولم يعد يتحدثها أحد في العالم، ولكن اللغة العربية في منأى عن ذلك بفضل القرآن الكريم الذي يعد بحق حارساً للعربية وحامياً لبلاغتها وقواعدها من التحريف والتخريب.

هوية مصر العربية الإسلامية

بقلم: سارة الليثي

 

       “العربية” هو وصف لا غنى عنه للدلالة على الإنتساب إلى أمة لها تراثها ومواقفها ومقوماتها وخصائصها ومميزاتها. ولا يجوز أن ينتهي هذا الوصف إلى العصبية العرقية، ولا إلى الإنغلاق والجمود الفكري والنفسي، فقد كانت الأمة العربية الإسلامية على مدار تاريخها أكثر الأمم انفتاحاً على الثقافات الأخرى: أخذت منها في يسر ودون حرج، وقد تمثلت ما أخذته وهضمته حتى صار جزءً منهاٍ، بعد أن أدمجته في أصول ثقافتها، ونفت منه ما لا يتسق مع هذه الأصول، ثم أعطت الثقافات الأخرى عطاء سمحاً كان أساساً من أسس الحضارة الإنسانية الحديثة.

       وبعد الفتح الإسلامي لمصر في نوفمبر 641م على يد “عمرو بن العاص” في خلافة أمير المؤمنين “عمر بن الخطاب” (رضي الله عنه) انتسبت مصر إلى الأمة العربية، وصارت اللغة العربية هي اللغة الرسمية لها، وأضحى الدين الإسلامي هو الدين الذي يعتنقه الغالبية العظمى من المواطنين.

      

أولاً: الحياة الثقافية:

 

          كان إسلام مصر فتحاً جديداً في تاريخ الثقافة الإسلامية، إذ اعتنى المصريون بدراسة القرآن والحديث، وما اتصل بهما من علوم دينية كالفقه ونحوه، فشاركت مصر في ذلك برجال من أقطاب علماء الإسلام. فهناك “ورش” القبطي المصري مولداً ووفاة من أعلام القراءات السبع للقرآن الكريم، و”أبو حنيفة الأسواني القبطي” من أصحاب “الشافعي” الذي روى عنه عشرة أجزاء من السنن والأحكام، وبلغ مرتبة الإفتاء. وكذلك “ابن الفارض” (ت 632 هـ) الذي يوضع في الطبقة الأولى في الشعر الصوفي بما في الكثير من قصائده من النظم ورقة الأسلوب وعمق المعنى.

          وهناك أيضاً “ابن رضوان” الذي نشأ وتعلم الطب في مصر، وبرع فيه في الثانية والثلاثين من عمره، ودخل في خدمة الخليفة الفاطمي “الحاكم بأمر الله” الذي عينه رئيساً على أطباء مصر والشام. وقد ازدهرت الحركة العلمية في مصر على عصر سلاطين المماليك ازدهاراً واسعاً في معظم ألوان المعرفة: الأدب، والتاريخ، والجغرافيا، والعلوم الدينية، والطب، والفلاحة، والمعارف العامة، …..، وغيرها، ووجدت الموسوعات الضخمة التي تعالج المعلومات المتباينة المختلفة، مثل كتاب “صبح الأعشى في صناعة الأنشا”، الذي وضع في أربعة عشر جزءً لـ”القلقشندي” الذي ولد بمحافظة القليوبية، وأقام بالأسكندرية وعمل بديوان الإنشاء في عهد السلطان المملوكي “برقوق”.

  وكذلك أيضاً كان هناك مؤلفات أخرى لكتاب عظماء، مثل: “كتاب نهاية الإرب في فنون العرب”، لـ “النويري”، و”مسالك الأمصار” لـ “ابن فضل الله العمري”، وبعض هذه الموسوعات يزيد على ثلاثين مجلداً، وتعد قمة ما وصل إليه الفكر العربي الإسلامي في ميدان المعارف العامة. كما وفد إلى مصر علماء المسلمين من مختلف البلاد للعمل في مدارسها ليتمتعوا برعاية سلاطين المماليك للعلم والعلماء. ومن أشهر العلماء الذين وفدوا إلى مصر: “عبد الرحمن بن خلدون” الذي جاء من المغرب في خريف عام 1332م، وتولى التدريس بمصر عدة سنوات، ثم أصبح قاضياً للمالكية في القاهرة.

 

ثانياً: الفنون التشكيلية:

 

          أثرى الفنان المصري الحضارة الإسلامية بخبرته الكبيرة، فترك الفن القبطي أثرأً بارزاً على الفن الإسلامي بفضل الدور الذي لعبه المسلمون في بناء العمائر الإسلامية، حتى أن الفرق بين الفن القبطي والإسلامي بمصر لم يكن كبيراً، حتى بدأ الفن الإسلامي في مصر يتخذ طابعاً خاصاً في العصر الفاطمي. حيث بلغ الفن المصري ذروته، وخاصة في مدينة القاهرة المعزية، الذي وضع “جوهر الصقلي” أساسها عام 969م، وكانت تشمل عندئذ أحياء الأزهر والجمالية وباب الشعرية والموسكي والغورية وباب الخلق، وأقيمت بها القصور والمتنزهات ودور العلم فضلاً عن الحمامات والفنادق والأسواق، وتجلت في ذلك كله براعة فن العمارة الإسلامي.

          حتى إذا جاء العصر الأيوبي كان ذلك الإنجاز المعماري الكبير الذي يتمثل في قلعة صلاح الدين (أو قلعة الجبل) التي بنيت على أحد المرتفعات المتصلة بجبل المقطم، وشيد “صلاح الدين الأيوبي” قلاعاً أخرى بمختلف البلاد، أهمها قلعة سيناء قرب عين سدر، وقلعة فرعون بجزيرة فرعون في خليج العقبة، وكلها تكشف عن براعة المعماري المصري. وكذلك أقيم الكثير من العمائر المدنية التي لا يزال بعضها قائماً حتى اليوم، منها “قبة الإمام الشافعي” التي تمتاز بنقوشها وزخارفها البديعة، والمدرسة الصالحية التي لم يبقى منها سوى مدخلها وواجهة غنية بالنقوش والكتابات التاريخية.

          وبلغت العمارة في مصر ذروة النضج في العصر المملوكي، مثل جامع “ابن طولون” الذي بناه “أحمد بن طولون” (عام 265 هـ – 879م) في حي السيدة زينب، وهو من أكبر مساجد مصر وأقدم مسجد ما زال محتفظاً بتفاصيله المعمارية، وتزدان جدرانه بـ 128 شباكاً، ولمحراب المسجد كسوة من الفسيفساء الرخامية المذهبة، ويحيط به أربعة أعمدة من الرخام، وكذلك مدرسة (أو جامع) السلطان “حسن بن محمد بن قلاوون” بتصميمه العجيب وأبوابه الفخمة وأيواناته العالية وزخارفه الدقيقة، وقد إمتازت العمارة بالعناية بواجهات المساجد وجمال ورشاقة السقوف ذات النقوش الرائعة.

          وكانت التماثيل الخشبية والحجرية تزين قصور الخلفاء الفاطميين بالقاهرة وقصور السلاطين المماليك. وقطع فن النحت على الخشب في صورة زخارف هندسية شوطاً كبيراً من التقدم في العصر الأيوبي والمماليكي وذلك في المنابر والأبواب والشبابيك والمشربيات. وأضاف الفنان المصري في الزخارف المعدنية طريقة جديدة عرفت بالتكفيت – أي تطعيم الأواني بالذهب أو الفضة أو بهما معاً – وكذلك تفوق المصريون في صنع الخزف ذو البريق المعدني، ويرتبط بفن الخزف صناعة القراميد (القيشاني) التي تستعمل في تغطية الجدران، ولا تزال بقايها ماثلة في العمائر المملوكية.

  وابتكر الإنسان المصري صناعة الزجاج ذو البريق المعدني في العصر الفاطمي، وفي العصر المملوكي الزجاج المموج بالمينا، والمشكاوات ( المصابيح الزجاجية) هي خير ما يعرض جمال هذه الطريقة التي إبتدعها الفنان المصري في العصور الوسطى.

    وهذا خير رد على من ينفي عن مصر هويتها العربية والإسلامية ويريد أن يمحي عنها هذا التاريخ العريق ويدعي كذباً وزوراً أن دخول مصر في الإسلام وانضمامها للهوية العربية كان هو سبب تخلفها ورجعيتها، فمصر ظلت رائدة الحضارة على مر العصور وتحت لواء مختلف الديانات لأن شعبها كان جديراً بها وحرص على تقدمها وازدهارها، نحن من تغيرنا ولم نعد جديرين بمصر، البشر هم من ينهضون بالأوطان، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فلنحرص على تغيير أنفسنا لنكون جديرين بمصرنا الحبيبة ولنضعها في المكانة التي تستحقها كما كانت دائماً.

اختيار الشاعر صلاح عبد الصبور شخصية معرض الكتاب لهذا العام

الشاعر صلاح عبد الصبور شخصية معرض الكتاب 2017

كتبت: سارة الليثي

   فتح معرض القاهرة الدولي للكتاب أبوابه للجمهور في أرض المعارض بمدينة نصر الجمعة الماضية تحت شعار “الشباب وثقافة المستقبل” وأختير الشاعر الكبير الراحل “صلاح عبد الصبور” ليكون شخصية المعرض لهذا العام في دورته الـ 48.

   الشاعر “صلاح عبد الصبور” من الشعراء العظام الذين للأسف لا تعرف الأجيال الجديدة الكثير عنهم، لذا اخترنا اليوم أن نلقي الضوء على جانب من حياته لتعرفه الأجيال الجديدة ويعرفون من صاحب الصور التي يرونها في أرجاء معرض الكتاب أثناء تجوالهم وهم لا يعلمون عنه شيئاً!

   يعد الشاعر “صلاح عبد الصبور” أحد أهم رواد الشعر الحر العربي أو شعر التفعيلة الذي لا يلتزم بأوزان وبحور الشعر التقليدية، وقد ولد في الثالث من مايو لعام 1931م، ودرس اللغة العربية بكلية الآداب جامعة القاهرة عام 1947م، وأثناء فترة دراسته بالكلية تعرف على الفنان “عبد الحليم حافظ” قبل قبوله كمطرب للإذاعة، وكان هو من كتب له أول أغنية تقدم بها لامتحان الإذاعة ولحنها الملحن “كمال الطويل” وكانت قصيدة “لقاء”، وبعد تخرجه عام 1951م عُين مدرساً في المعاهد الثانوية ولكنه لم يتوقف عن كتابة الشعر.

   بعد فترة ابتعد عبد الصبور عن كتابة الشعر التقليدي وتوجه لكتابة الشعر الحر؛ لينضم بذلك إلى رواد الشعر الحر في الوطن العربي “نازك الملائكة” و”بدر شاكر السياب”، وكان ديوان “الناس في بلادي” الذي أصدره عام 1957م هو أول مجموعات عبد الصبور الشعرية، كما كان ـأيضاًـ أول ديوان للشعر الحر يهزّ الحياة الأدبية المصرية في ذلك الوقت، وقد استلفت أنظار القراء والنقاد فيه استخدام المفردات اليومية الشائعة وثنائية السخرية والمأساة، وامتزاج الحس السياسي والفلسفي بموقف اجتماعي انتقادي واضح.

     وأعقبه بعد ذلك بخمس دواوين شعرية أخرى: “أقول لكم” (1961)، “أحلام الفارس القديم” (1964)، “تأملات في زمن جريح” (1970)، “شجر الليل” (1973)، “الإبحار في الذاكرة” (1977)، وسرعان ما وظف هذا النمط الشعري الجديد في المسرح فأعاد الروح وبقوة في المسرح الشعري الذي خبا وهجه في العالم العربي منذ وفاة الشاعر الكبير “أحمد شوقي” عام 1932م، وتميز مشروعه المسرحي بنبرة سياسية ناقدة لكنها لم تسقط في الانحيازات والانتماءات الحزبية. وقد كتب للمسرح الشعري خمس مسرحيات: “مأساة الحلاج” (1964)، “مسافر ليل” (1968) “الأميرة تنتظر” (1969)، “ليلى والمجنون” (1971)، “بعد أن يموت الملك” (1973).

    كما كان لعبد الصبور إسهامات في التنظير للشعر خاصة في أعماله النثرية “حياتي في الشعر” و”قراءة جديدة لشعرنا القديم”، وكانت له كتابات نثرية في مختلف المجالات منها: “على مشارف الخمسين”، “وتبقى الكلمة”، “أصوات العصر”، “ماذا يبقى منهم للتاريخ”، “رحلة الضمير المصري”، “حتى نقهر الموت”، و”رحلة على الورق”، وكانت أهم السمات لأعماله الأدبية استلهامه للتراث العربي وتأثره البارز بالأدب الإنجليزي، ولم يُضِع عبد الصبور فرصة إقامته بالهند مستشاراً ثقافياً لسفارة مصر هناك، بل أفاد خلال تلك الفترة من كنوز الفلسفات الهندية ومن ثقافات الهند المتعددة.

   في 13 أغسطس من العام 1981 رحل الشاعر “صلاح عبد الصبور” إثر تعرضه إلى نوبة قلبية حادة أودت بحياته، وذلك بعد مشاجرة كلامية ساخنة مع الفنان الراحل بهجت عثمان، في منزل صديقه الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، وكان عبد الصبور يزور حجازي في منزله بمناسبة عودته من باريس ليستقر في القاهرة. وقد ارجعت زوجته سبب وفاته أنه تعرض إلى نقد واتهامات من قبل أحمد عبد المعطي حجازي، وبعض المتواجدين في السهرة الذين اتهموه بأنه قبل منصب رئيس مجلس إدارة هيئة الكتاب، طمعاً في الحصول على المكاسب المالية، متناسياً واجبه الوطني والقومي في التصدي للخطر الصهيوني الذي يسعى للتطبيع الثقافي، وأنه يتحايل بنشر كتب عديمة الفائدة لئلا يعرض نفسه للمساءلة السياسية..

      وتصدى الشاعر حجازي لنفي الاتهام عن نفسه من خلال مقابلة صحفية أجراها معه الناقد جهاد فاضل قائلاً:- «أنا طبعاً أعذر زوجة صلاح عبد الصبور،  فهي تألمت كثيراً لوفاة صلاح. ونحن تألمنا كثيراً ولكن آلامها هي لا أقول أكثر وإنما أقول على الأقل إنها من نوع آخر تماماً. نحن فقدنا صلاح عبد الصبور، الصديق والشاعر والقيمة الثقافية الكبيرة، وهي فقدت زوجها، وفقدت رفيق عمرها، وفقدت والد أطفالها.. صلاح عبد الصبور، كان ضيفاً عندي في منزلي، وأياً كان الأمر ربما كان لي موقف شعري خاص، أو موقف سياسي خاص، لكن هذا كله يكون بين الأصدقاء الأعزاء، ولا يسبب نقدي ما يمكن أن يؤدي إلى وفاة الرجل. الطبيب الذي أشرف على محاولة انقاذه، قال إن هذا كله سوف يحدث حتى ولو كان عبد الصبور في منزله، أو يقود سيارته، ولو كان نائماً. وفاته اذن لاعلاقة لها بنقدنا، أو بأي موقف سلبي اتخذه أحد من الموجودين في السهرة».

    وقد تقلد عبد الصبور عدداً من المناصب خلال حياته الحافلة، فقد عمل بالتدريس وبالصحافة وبوزارة الثقافة، وكان آخر منصب تقلده رئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب، وساهم في تأسيس مجلة فصول للنقد الأدبي، فضلاً عن تأثيره في كل التيارات الشعرية العربية  الحداثية. وقد حصل على العديد من الجوائز، منها: جائزة الدولة التشجيعية عن مسرحيته الشعرية “مأساة الحلاج” عام 1966م، وبعد وفاته حصل على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1982م.

اعرف كاتبك: تشارلز ديكنز

    يعد “تشارلز ديكنز” من أعظم الروائيين الإنجليز في العصر الفكتوري بإجماع النقاد، فقد تميزت كتاباته بالتحليل الدقيق للشخصيات التي كانت تعيش في المجتمع الإنجليزي إبان القرن التاسع عشر، وانتقاد ما كان يسود الحياة الاجتماعية من شرور، وقد شن حملة شعواء على مسئولي المياتم والمدارس والسجون وما يحدث فيها، ومن أشهر رواياته “أوراق بيكويك” 1836، “أوليفر تويست” 1838، “دافيد كوبرفيلد” 1850، “الأوقات العصيبة” 1854، و”قصة مدينتين” 1859، وقد ترجمت العديد من رواياته إلى اللغة العربية، ولا تزال العديد من أعماله تحظى بشعبيتها حتى الآن.

    اسمه الكامل “تشارلز جون هوفام ديكنز” ولد في 7 فبراير 1812 في بورتسموث بجنوب انجلترا، وكان ثاني اخوته الثمانية، وعاش طفولة بائسة لأن أباه كان يعمل في وظيفة متواضعة ويعول أسرته كبيرة العدد لهذا اضطر إلى السلف والدين ولم يستطع السداد فدخل السجن، لهذا اضطر تشارلز لترك المدرسة وهو صغير وألحقه أهله بعمل شاق بأجر قليل حتى يشارك في نفقة الأسرة، وكانت تجارب هذه الطفولة التعسة ذات تأثير في نفسه فتركت انطباعات إنسانية عميقة في حسه والتي انعكست بالتالي على أعماله فيما بعد.

    وقد كتب تشارلز عن هذه الانطباعات والتجارب المريرة التي مر بها أثناء طفولته في العديد من قصصه ورواياته التي ألفها عن أبطال من الأطفال الصغار الذين عانوا كثيراً وذاقوا العذاب ألواناً وعاشوا في ضياع تام بسبب الظروف الاجتماعية الصعبة التي كانت سائدة في انجلترا في عصره، وعلى الرغم من تلك الظروف الصعبة التي كان يعايشها في طفولته إلا انه كان يستغل أوقات فراغه القليلة في القراءة والاطلاع لتعويض ما فاته من استكمال دراسته، حتى تمكن أخيراً وهو في العشرين من عمره من الالتحاق بأحد المدارس ليستكمل دراسته، وفي نفس الوقت كان يعمل مراسلاً لأحدى الجرائد المحلية الصغيرة لقاء أجر متواضع.

    وفي سن الرابعة والعشرين بالتحديد في عام 1836م أصدر ديكنز أولى رواياته الأدبية والتي كانت بعنوان “مذكرات بيكويك” والتي لاقت نجاحاً ساحقاً بالفعل وجعلته من أكثر الأدباء الإنجليز شعبية وشهرة، ثم ازدادت شهرته في انجلترا وخارجها عندما توالت أعماله في العالم بلغات مختلفة. ومن أشهر رواياته التي اشتهرت عالمياً وتُرجمت لعدة لغات عالمية ونشرت عام 1861م هي رواية (الآمال العظيمة Great Expectations)  والتي اصبحت محط أنظار السينمائيين ليصنعوا منها اكثر من 250 عمل مسرحي وتلفزيوني.

    وفي عام 1870م مات “تشارلز ديكنز” عن عمر يناهز 58 عاماً اثر اصابته بسكتة دماغية، بعد أن ترك للإنسانية هذا الكم الهائل من الكنوز الأدبية، ودفن في مدافن وست مينستر ابي.

كتاب: فقه السنة

فقه السنة

السيد سابق

في رأيي أن هذا الكتاب لا غنى عنه في أي بيت مسلم؛ فهو يتضمن بين دفتيه –المقسمة على ثلاثة أجزاء- كل ما قد يطرأ على ذهن المسلم من تساؤلات في أي فرع من فروع الدين والدنيا التي نظمها الاسلام من زواج وطلاق وعلاقات اجتماعية ومعاملات تجارية وحدود وعبادات وتنظيم شئون الدولة، كما ان حداثة وضعه –حيث نشر الكتاب لأول مرة عام 1365هـ الموافق 1945م وهو ما يعد تاريخاً حديثاً مقارنة بأمهات الكتب الأخرى في التفاسير وفقه السنة والسيرة كتفسير ابن كثير وكتب صحيح البخاري ومسلم وشروحهما المتقدمة-.

   أقول أن حداثة تاريخ كتابة كتاب “فقه السنة” جعلت من لغته سهلة واضحة مفهومة بيسر وسهولة حيث يندر وجود تعبيرات وكلمات مهجورة من اللغة العربية الفصحى والتي تكثر في كتب أخرى وضعت في عصور الخلافة الإسلامية، وأيضاً تلك الحداثة جعلت من تعليقات كاتبه -التي يربط بها الأحاديث النبوية والدلالات الفقهية بالواقع المعاش- لازالت ملموسة للآن وقريبة للذهن، ففي ظني أن الأوضاع الاجتماعية والسياسية في مصر لم تختلف كثيراً عن زمن كتابة الكتاب مما يجعله مواكباً للعصر وقابلاً للفهم والادراك.

رحلتي مع الكتابة

 

منذ نعومة أظافري عشقت الورقة والقلم؛ فقبل حتى أن أتعلم الكتابة كنت أمسك بالقلم لأنقش على الورق أي شخابيط لا معنى لها، وفور أن تعلمت الحروف الأبجدية كنت أكتبها على الورق ليل نهار وأكون بها كلمات بسيطة، وخطوة بخطوة أصبحت أجيد القراءة والكتابة؛ فبدأت أكتب قصص أطفال كتلك التي يرويها لي أبي التي تحكي عن الحيوانات وماشابه، وأيضاً بعض الأشعار الطفولية، وأذكر أن أول ما كتبته شعراً كان عن مقتل الشهيد الفلسطيني “محمد الدرة” وأنا في الصف الرابع الابتدائي.

كنت أيضاً حريصة على كتابة يومياتي يوماً بيوم أسجل كل مشاعري وما يدور بخاطري تجاه الأحداث اليومية التي أتعرض لها أو أعاصرها، كنت أتسابق مع رفاقي وزملاء صفي في موضوعات التعبير والانشاء المختلفة التي تختبرنا فيها معلمتنا، كنت -ولا زلت- أعشق اللغة العربية والتعرف على مفرداتها وتراكيبها واتقان قواعدها ولغوياتها؛ حتى انني قررت حينها أن أعمل كمعلمة لغة عربية في كبري، ولكن تدريجياً وجدت أن الكتابة أوسع وأشمل من أن أحصرها في مهنة التدريس، وأني من خلالها يمكنني التأثير والوصول إلى الآلاف والملايين وبث الأفكار والقيم التي أرغب في نشرها والارتقاء والدفاع عن لغتي العربية التي أعشقها.

وذلك بخلاف العدد المحدود من الأطفال الذين يمكنني التأثير فيهم من خلال التدريس والذين قد لا يسمح سنهم الصغير بأن يعوا ما أريد أيصاله لهم، لذا قررت دراسة الاعلام، وطوال فترة دراستي الثانوية كنت دائمة الاشتراك في أنشطة الصحافة والإذاعة المدرسية ومسابقات الأبحاث والمقالات حتى حصلت على المركز الأول على مستوى الجمهورية في مسابقة الابداع الفلسفي من خلال بحث عن الإمام محمد عبده، ومنذ سنتي الأولى في الجامعة حرصت على الانطلاق والتدريب في مختلف الصحف الإقليمية المتوافرة في محافظتي محل إقامتي ودراستي أسيوط.

وبعد تخرجي من الجامعة شرعت أراسل شتى الصحف والمواقع الالكترونية، وأنشأت لنفسي مدونات شخصية على مختلف مواقع التدوين وصفحة فيس بوك لنشر كتاباتي، التي أحاول الاشتراك بها في مسابقات عدة للتأليف في مجالات القصص القصيرة وشعر الفصحى والعامية والتي أربح أحياناً في معظمها، ولازلت أحاول أن أتعلم في كل يوم كل جديد تطاله يداي في عالم الكتابة، وأن أنمي قراءاتي في كافة المجالات لأغذي عقلي بكل جديد يمكنني الكتابة عنه والاستفادة منه، وأن أقرأ لكل كاتب وأحضر كافة النقاشات والتدريبات في عالم الكتابة، ولازلت أرى أن أمامي الطريق طويل.

محمد عبده .. رائد الإصلاح في العصر الحديث

كتبت: سارة الليثي

   لم يكن الشيخ محمد عبده مجرد مصلح ديني حفزته الأوضاع الدينية المتردية التي طغت على الدين الحقيقي إلى الكشف عنها، ومحاولة إزالة الغبار الذي تراكم على المفاهيم الدينية الصحيحة على مدى قرون التخلف والإنحطاط الفكري، ولو كان هذا شأن “محمد عبده” لكفاه ذلك فضلاً وشرفاً. ولكن “محمد عبده” كان بالإضافة إلى ذلك علماً من أعلام الفكر بالمعنى الواسع لهذا المصطلح، وكان على يقين من أن قضية إصلاح الفكر الديني لا تنفصل عن قضية إصلاح الفكر بصفة عامة، فكلاهما يؤثر في الآخر إيجاباً أو سلباً.

وكان الفكر الإسلامي في مصر ومركزه الأزهر الشريف قبل ظهور الشيخ “محمد عبده”، قد توقف عن الإجتهاد وتجمد على ماوصل من فكر القرون الماضية دون أن يضيف إليه، وكانت المؤلفات التي تصدر عن علماء الأزهر تتسم يالتزمت وضيق الأفق، والعناية باللفظ أكثر من المعنى، ولم تكن تقدم جديداً، بل كانت تدور حول ماسبقها في حلقة لا نهاية لها من شروح للمتون (الكتب الأصلية)، وشروح للشروح، وهكذا في دائرة تتسع، ولكن لا تخرج عما قدمه السابقون.

 ومن هنا إتجهت همة الشيخ “محمد عبده” إلى ربط الدين بالحياة عن طريق استخدام العقل في فهم الإسلام والقرآن، مخالفاً في ذلك علماء الإسلام في عصره، الذين تعودوا التضييق على الناس فيما وسع الله لهم فيه، وتحريم ما أحل الله. وقد ولد الإمام “محمد عبده” في عام (1266هـ / 1849م) لآب تركماني الأصل وأم مصرية تنتمي إلى قبيلة (بني عدي) العربية، ونشأ في قرية صغيرة في ريف مصر هي قرية محلة نصر التابعة لمحافظة البحيرة.

وكانت أسرة محمد عبده تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وقد تعلم القراءة والكتابة في منزل والده، ثم انتقل إلى دار حفظ القرآن فحفظه خلال عامين، وعندما شبَّ أرسله أبوه إلى “الجامع الأحمدي”- جامع السيد البدوي- بطنطا، ليجوّد القرآن بعد أن حفظه،  ويدرس شيئًا من علوم الفقه واللغة العربية، وكان محمد عبده في نحو الخامسة عشرة من عمره، وقد استمر يتردد على “الجامع الأحمدي” قريبًا من العام ونصف العام، إلا أنه ارتطم بطريقة التعليم التي تفرض عليه حفظ نص الآجرومية وشرحها.

 فقضى سنة ونصف كما يقول: «لا أفهم شيئا…»، لم يستطع أن يتجاوب مع المقررات الدراسية أو نظم الدراسة العقيمة التي كانت تعتمد على المتون والشروح التي تخلو من التقنين البسيط للعلوم، وتفتقد الوضوح في العرض، وإثر ذلك هرب عدة مرات وعمل بالزراعة، ثم التقى بالشيخ الصوفي “درويش خضر”- خال أبيه- الذي كان له أكبر الأثر في تغيير مجرى حياته. حيث استطاع أن يعيد الثقة إلى محمد عبده، بعد أن شرح له بأسلوب لطيف ما استعصى عليه من تلك المتون المغلقة.

 وتصوفه المنفتح لم يمنعه من توجيهه إلى تعلم الحساب والهندسة والمنطق وعلوم الحياة، فاقبل على القراءة والإطلاع والعلم، ومن ثم عاد إلى الجامع الأحمدي بروح جديدة فوجد نفسه كما يقول: «أفهم ما أقرأ وما أسمع»، لقد صار “محمد عبده” شيخًا ومعلمًا لزملائه يشرح لهم ما غمض عليهم قبل موعد شرح الأستاذ. وهكذا تهيأ له أن يسير بخطى ثابتة على طريق العلم والمعرفة بعد أن عادت إليه ثقته بنفسه، ثم انتقل من الجامع الأحمدي إلى الجامع الأزهر فدرس الفقه والحديث والتفسير واللغة والنحو والبلاغة، وغير ذلك من العلوم الشرعية واللغوية.

 ولم يكن رأي محمد عبده في الجامع الأزهر خيراً من رأيه في الجامع الأحمدي لعقم أساليبه التعليمية، وظل 4 أعوام يقرأ دروس الأزهر المقررة، و يعتمد على نفسه في علوم الدنيا التي لا يدرسها الأزهر، وهي المنطق والرياضيات و الهندسة والفلسفة، ومنذ وصول جمال الدين الأفغاني إلى مصر 1871 التقاه محمد عبده ولازمه كظله، فأخرجه من حياة العزلة إلى دراسة العلوم الحديثة كالفلسفة والرياضيات والأخلاق والسياسة والفن وغير ذلك مما لم يكن مألوفا في مناهج الأزهر.

 وبدأ محمد عبده الكتابة باسمه في جريدة الأهرام وعمره يومئذ سبعة وعشرون عاما. وبعد تخرجه في الأزهر 1877  مارس التدريس فيه، وقرأ لطلابه المنطق والفلسفة والتوحيد وتهذيب الأخلاق لمسكويه وتاريخ المدنية في أوروبا وفرنسا لفرانسوا جيزو، ثم عمل مدرساً للتاريخ في دار العلوم عام 1295 هـ – 1838 م، وقرأ لطلابه فيها مقدمة ابن خلدون، وألف كتابا في علم الاجتماع والعمران، وعين مدرسا للعلوم العربية في “مدرسة الألسن”، كما اتصل بالحياة العامة. وساهمت انتقاداته في تأسيس المجلس الأعلى للمعارف.

   وعندما اشتعلت الثورة العرابية سنة (1299هـ – 1882م) انضم محمد عبده إلى المؤيدين للثورة، وأصبح واحدًا من قادتها وزعمائها، فتم القبض عليه، وأودع السجن ثلاثة أشهر، ثم حُكم عليه بالنفي لمدة ثلاث سنوات. فانتقل إلى بيروت حيث أقام بها نحو عام، ثم ما لبث أن دعاه أستاذه الأفغاني للسفر إليه في باريس حيث منفاه، واستجاب “محمد عبده” لدعوة أستاذه حيث اشتركا معًا في إصدار مجلة “العروة الوثقى” التي صدرت من غرفة صغيرة متواضعة فوق سطح أحد منازل باريس.

   واستطاع الإنجليز إخماد صوت “العروة الوثقى” الذي أضج مضاجعهم وأقلق مسامعهم، فاحتجبت بعد أن صدر منها ثمانية عشر عددا في ثمانية أشهر، وعاد الشيخ “محمد عبده” إلى بيروت بعد أن تهاوى كل شيء من حوله، فقد فشلت الثورة العرابية، وأغلقت جريدة “العروة الوثقى”، وابتعد عن أستاذه الذي رحل بدوره إلى “فارس”. وكان على “محمد عبده” أن يشغل وقته بالتأليف والتعليم، فشرح “نهج البلاغة” ومقامات “بديع الزمان الهمذاني”، وأخذ يدرس تفسير القرآن في بعض مساجد “بيروت”.

عاد محمد عبده إلى مصر على ألا يشتغل بالسياسة، فاتجه الى الأصلاح، وكان سبيله إلى ذلك إصلاح الأزهر والمدرسة الدينية وإقامة الجمعيات الخيرية. وعين قاضياً في المحاكم الشرعية في محكمة بنها، ثم الزقازيق، ثم عابدين، ثم عين مستشارًا في محكمة الاستئناف. وبدأ يتعلم اللغة الفرنسية وهو قاضٍ في “عابدين”- وكانت سنه حينئذ قد شارفت على الأربعين- حتى تمكن منها، فاطلع على القوانين الفرنسية وشروحها، وترجم كتابًا في التربية من الفرنسية إلى العربية. وفي عام (1317هـ – 1899م) تم تعيينه مفتيًا للبلاد.

ولكن علاقته بالخديوي عباس كان يشوبها شيء من الفتور، الذي ظل يزداد على مر الأيام، خاصة بعدما اعترض على ما أراده الخديوي من استبدال أرض من الأوقاف بأخرى له إلا إذا دفع الخديوي للوقف عشرين ألف فرقًا بين الصفقتين. وتحول الموقف إلى عداء سافر من الخديوي، فبدأت المؤامرات والدسائس تُحاك ضد الإمام الشيخ، وبدأت الصحف تشن هجومًا قاسيًا عليه لتحقيره والنيل منه، ولجأ خصومه إلى العديد من الطرق الرخيصة والأساليب المبتذلة لتجريحه وتشويه صورته أمام العامة.

 اضطر الامام محمد عبده في النهاية إلى الاستقالة من الأزهر في سنة (1323هـ – 1905م)، وإثر ذلك أحس الشيخ بالمرض، واشتدت عليه وطأة المرض، الذي تبيّن أنه السرطان، وما لبث أن تُوفي بالإسكندرية في (8 من جمادى الأولى 1323 هـ = 11 من يوليو 1905م) عن عمر بلغ ستة وخمسين عامًا.