أبو تمام

 

   يمثل “أبو تمام” مرحلة متطورة فى مسيرة الشعر العربى، فقد سبق عدداً من شعراء المرحلة العباسية، من أمثال: “مسلم بن الوليد”، و”أبى نواس”، و”أبى العتاهية” حيث طرق كل موضوعات الشعر تقريباً وقدم منها معانى جديدة وألواناً بهيجة. وهو “حبيب بن أوس الطائى”، ولد بقرية جاسم قرب دمشق سنة 190هـ، رحل إلى مصر في بداية حياته واتصل بجامع “عمرو بن العاص” الذى كان بمثابة مدرسة ضخمة للعلم والأداب والفقه وسائر أنواع الثقافة الإسلامية والعربية، ويذكر أنه عمل سقاء فى المسجد، فمضى يستمع إلى الدروس التى كانت تلقى فيه، واستطاع أن يستوعب كثيراً من ضروب العلم والمعرفة فى هذه المرحلة.

   واتصل “أبو تمام” فى مصر بشاعر مصرى مشهور فى ذلك الوقت وهو “يوسف السراج” وكانت الصلة بينهما صلة هجاء، وكان شاعراً يأخذ نفسه بالغريب وبالتعمق فى المعانى فعابه “أبو تمام” بهذا، ولكن ما لبث حين تعرف على أسرار “يوسف السراج” أن تأثر به، وكان “أبو تمام” محباً للتنقل والرحلات، وفى أثناء هذه الرحلات جمع “أبو تمام” ديوان الحماسة فى خرسان عندما كان هناك يمدح أميرها “عبد الله بن ظاهر”، وأثناء عودته سقط الثلج فلم يتمكن من مواصلة سفره، فاستقر فى همذان عند “أبى الوفاء بن سلمة”، وكانت له مكتبة ذاخرة عكف عليها حتى يذوب الثلج وتعود طرق المواصلات كما كانت، وفى هذه الأثناء جمع ديوان الحماسة.

   وقيل أنه حفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز الحرب غير القصائد والمقطوعات، وكان يحمل ديواني “مسلم بن الوليد” و”أبى نواس” أينما ذهب وقد سئل عنهما، وكانا فى شكل حزمتين من الأوراق واحدة عن يمينه والأخرى عن شماله، فأجاب: أما التى عن يمينى فاللات وأما التي عن يسارى فالعزى، وأنا أعبدها منذ عشرين سنة. وقد رمى بالكفر لهذا القول. وتوفى عام 226هـ وهو في الثلاثين من عمره وكان والياً على الموصل وقتها، وقيل فى أوصافه بأنه كان أسمر اللون طويلاً حلو الكلام فى لسانه جسة.

من شعر أبي تمام:

خليفة الخضر من يربع على وطن … فى بلدة فظهور العيش أوطاني

بالشام أهلى وبغداد الهوى … وأنا بالرقتين وبالفسطاط اخواني

وما أظن النوى ترضى بما صنعت … حتى تطوح بى أقصى خرسان