حمى ارتفاع الأسعار

كتبت: سارة الليثي

         طفح كيل الشعب بعد الارتفاعات الأخيرة في أسعار الوقود والمحروقات، والتي نتج عنها بالضرورة ارتفاع أسعار كل السلع الأخرى التي تحتاج لوسائل النقل المختلفة في نقلها من أماكن انتاجها لأماكن تسويقها وبيعها، فكثر اللغط في الشارع وكان رد الحكومة المستفز أن تلك هي الأسعار العالمية التي تتعامل بها كل الدول المتقدمة وأن ذلك هو سبب تقدمها ونهضتها الاقتصادية، وكأن حكومتنا الموقرة نست أو تناست أن سبب تقدم وتحضر أي أمة هو احترامها وتقديرها للإنسان المواطن القائم على نهضتها وتحضرها والذي يعطيها من عرقه وجهده ودمه إن تطلب الأمر.

     تتجاهل حكومتنا الموقرة أن تلك الدول التي تقارن بها الآن في أسعار السلع قبل أن تحدد تلك الأسعار وتأخذ من مواطنيها تعطيهم ما يستحقونه، تغض الطرف حكومتنا الموقرة عن مرتبات ودخل الفرد في أي دولة من تلك الدول التي تقارن بها الآن في أسعار السلع والمحروقات، فكل دولة من تلك الدول لا يقل متوسط دخل الفرد فيها عن ألفي دولار شهرياً أي ما يساوي 43 ألف جنيه مصري تقريباً، كفرنسا التي يصل متوسط دخل الفرد فيها إلى 28799 دولار سنوياً أي ألفي دولار ونصف في الشهر.

   وفرنسا تلك تأتي في ذيل القائمة التي وضعها موقع “توب مينز” لأعلى 10 دول في متوسط دخل الفرد[i] والتي ضمت كل من: فرنسا، السويد، كندا، النمسا، ألمانيا، أستراليا، سويسرا، النرويج، لوكسمبورج، وأمريكا، بينما في مصرنا الحبيبة فالراتب الشهري للمدرس الجامعي في بداية حياته المهنية هو ألفي جنيه فقط! وهذا كما أعلم من أصدقائي ومعارفي الذين هم على درجة معيد الجامعة وهذا ما يتقاضونه شهرياً، وذلك على الرغم من أن تلك الفئة تعد من أعلى الفئات الاجتماعية في المجتمع ناهيك عن دخل مدرس الابتدائي والاعدادي الذي قد لا يصل للألف جنيه شهرياً وفقاً لقانون التعليم الجديد[ii]!!

     وكمواطنة مصرية فقد نلت شرف الحياة في بلد متقدم لأربع سنوات في أوائل سنوات مراهقتي حيث كان أبي دارساً للدكتوراه في الهندسة المعمارية في “كوكب اليابان الشقيق”، والحق يقال أن أسعار السلع كافة كانت ضعف أسعار السلع في مصر، ولكن… راتب أبي الشهري كان يقدر بثلاث آلاف دولار شهرياً وقتها في حين راتبه في مصر لم يكن يتعدى الألف جنيه! وقياساً على نفس المنوال يمكننا أن نقيس كافة الوظائف مع كافة الدول المعنية التي تقارن حكومتنا الموقرة وضعنا معها.

   وكم صرحوا لنا أن نحمد الله أننا أفضل من سوريا والعراق، ولكن للأسف فإن حتى سوريا والعراق وضعهم المادي والاقتصادي أفضل منا، فمتوسط دخل الفرد في العراق 13600 دولار سنوياً بحسب صحيفة السومرية العراقية[iii]، وهذا يعني أن متوسط دخل الفرد شهرياً يساوي ألف دولار شهرياً أي ما يزيد عن  سبعة عشر ألف جنيه مصري، بينما متوسط دخل الفرد في سوريا حوالي 100 دولار شهرياً أي ما يساوي 1750 جنيه مصري، وذلك حسب مؤشر Numbeo لمتوسط الراتب الشهري في العالم في نسخته الأخيرة للعام 2017، وهو قاعدة بيانات عالمية حول متوسط دخل الفرد وأجره الشهري وكذلك مستوى الرعاية الصحية في بلدان العالم.

     أما في مصر فمتوسط دخل الفرد حسب تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء هو سبعة آلاف جنيه سنوياً أي حوالي 583 جنيه شهرياً! أي أن وفقاً لتقارير الحكومة الرسمية فإن سوريا والعراق -اللاتي نحمد الله دائماً أن السياسات الرشيدة لحكومتنا الموقرة حمتنا من الوصول إلى وضعهما البائس- هم أفضل حالاً منا ويتمتعون برخاء اقتصادي لا نحظى به! وليس ذلك فقط بل إن حتى فلسطين المحتلة التي ترزح تحت أغلال الاحتلال الصهيوني متوسط دخل الفرد فيها 698 دولار شهرياً أي ما يزيد عن اثنى عشر آلاف جنيه مصري! وذلك وفقاً لنفس المؤشر السابق.

    بل إن حتى قطاع غزة المحاصر فإن متوسط دخل الفرد فيه سنوياً 966 دولار أي 80.5 دولار شهرياً وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كما ذكر موقع العربي الجديد[iv]، أي ما يساوي 1409 جنيه مصري. فبالله عليكم خبروني أي سياسة تلك التي تنتهجها حكومتنا الموقرة لتجعل وضعنا أسوأ من وضع دولة محتلة منذ ما يقرب من قرن من الزمان وقطاع محاصر منذ عقد من الزمان وبلاد تتناحر وترزح تحت الفتن الطائفية والحروب الأهلية؟! أي اقتصاد دولة ذاك الذي يقوم على فرض ضرائب ورفع أسعار على المواطنين دون أن يحظوا بأي خدمات أو حقوق وتقدير إنساني في المقابل؟!

     أي علاقة تلك التي تقوم على الأخذ فقط من طرف واحد بدون أي نوع من العطاء للطرف الآخر؟! وإلى متى سنظل صامتين ونرضى بالذل والقهر الذي نحيا فيه دونما اعتراض؟!

صلاح السقا…. رائد مسرح العرائس في الوطن العربي

كتبت: سارة الليثي

    من منا لا يعرف أوبريت الليلة الكبيرة الشهير؟! فقد كنا نجتمع صغاراً حول التلفاز لمشاهدته في كل عيد ومناسبة، ومن قبلنا آبائنا حيث عرض لأول مرة في 1 مايو 1961، ذلك الأوبريت الذي اشترك فيه بالغناء كبار مطربي مصر: سيد مكاوي وشفيق جلال وعبده السروجي ومحمد رشدي وحورية حسن واسماعيل شبانة وصلاح جاهين وشافية أحمد، ووضع كلماته صلاح جاهين ولحنه سيد مكاوي، ولكن أكثر ما أضفى على ذلك الأوبريت روحاً وتميزاً هو تأدية العرائس الماريونت له.

     ففي ظني لو كان هذا الأوبريت مجرد أغنية أداها هؤلاء المطربون الكبار لما كتب لها هذا الخلود، وكذلك لو كانت أديت بفرقة بشرية، فكم من مرات حاولت فرق باليه وجمباز تأدية عروض مسرحية باستخدام هذا الأوبريت ولكن لم تلقى اقبالاً كالعرض الأصلي باستخدام العرائس الماريونيت، وخلف هذا التميز وعظمة الاداء المسرحي للعرائس الماريونيت يقف المخرج الكبير صلاح السقا الذي يجهله كثير منا ومن يعرفه قد لا يعرف عنه سوى أنه والد الفنان أحمد السقا وكان يعمل بالاخراج المسرحي، ولكننا نجهل أنه هو أول من أسس فن مسرح العرائس في مصر والوطن العربي كله.

   فقد فضل المخرج الكبير صلاح السقا فن العرائس عن المحاماة؛ فبعد تخرجه من كلية الحقوق جامعة عين شمس لم يعمل بالمحاماة بل توجه لتعلم فن تحريك العرائس على يد الخبير سيرجي أورازوف الأب الروحي لفناني العرائس في العالم، وسافر بعدها إلى رومانيا ليدرس الإخراج المسرحي وتخصص في فن العرائس، وبعد عودته إلى مصر حصل على الماجستير في الاخراج من معهد السينما عام 1969 بعد أن أخرج أوبريت الليلة الكبيرة، وكان قد قدم قبلها العديد من الأعمال الفنية التي أثرت في تاريخ صناعة الفن بمصر منها: حلم الوزير سعدون، حسن الصياد، الأطفال يدخلون البرلمان، خرج ولم يعد.

    وقد تعاون مع كبار الكتاب والشعراء في تقديم عروضه المسرحية المختلفة، مثل: الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي في عرض مقالب صحصح وتابعه دندش، والشاعر سيد حجاب في عرض أبو علي، وصلاح جاهين في الليلة الكبيرة وعودة الشاطر حسن وعقلة الاصبع والديك العجيب، ولم يكتف باسهاماته المسرحية في مصر بل ساهم في انشاء العديد من مسارح العرائس بالدول العربية مثل: سوريا والكويت وقطر وتونس والعراق، كما أجرى العديد من البحوث والدراسات حول تاريخ فن العرائس والتي أصبحت مقرراً دراسياً على طلاب معاهد السينما والمسرح وكليات التربية.

    وقد حصل صلاح السقا على العديد من الجوائز من مصر والدول العربية والأجنبية منها الجائزة العالمية الثانية من بوخارست في بداياته الفنية وفى 1973 حصل على الجائزة الأولى ببرلين، كما نال شهادة تقدير من الولايات المتحدة الأمريكية في 1980 كما منحه عمدة بلدة مستل باخ بالنمسا وسام خاص بمناسبة عرض الليلة الكبيرة عام 1989، وكانت النمسا كرمته من قبل عام 1980، ونال الدرع المميز من مهرجان جرش الأردن 1985، وتقلد الميدالية الذهبية لمهرجان دول البحر المتوسط بإيطاليا 1986، كما كرمه المهرجان القومى للمسرح بعد وفاته.

      وتوفي صلاح السقا صباح يوم السبت 25 سبتمبر 2010م في مستشفى الشروق بالمهندسين متأثراً بهبوط في القلب وقصور في وظائف الكلى عن عمر يناهز 78 عاماً حيث ولد في 11 مارس 1932م، تاركاً ارثاً عظيماً من الأعمال الفنية التي أثرت في التراث الفني المصري.