جولة في معرض الخزف الياباني “ياكشيميه” في متحف محمود خليل بالقاهرة

الإعلانات

جولة في الكتب: رواية عالم صوفي

لـ/ جوستاين غاردر

     هي رواية في تاريخ الفلسفة، إذ تتعرض للفكر الفلسفي منذ نشوءه في هيئة أساطير مروراً بتطوراته من خلال الفلسفة الإغريقية واليونانية القديمة المتمثلة في كبار الفلاسفة كديمقريطس وسقراط وأفلاطون وأرسطو وصولاً لفلاسفة العصر الحديث كديكارت وكانت وهيغل وماركس وداروين وفرويد وغيرهم الكثير مع شرح معمق بطريقة مبسطة لأفكارهم وفلسفاتهم المختلفة، ولكن ما صدمني في ذلك هو عدم تعرض الرواية لفلسفة الشرق المتمثلة في بلاد الهند والصين واليابان وكذا الحضارة الإسلامية القديمة، إلا في بعض الإشارات البسيطة من بعيد لبوذا وبعض الفلسفات الهندية القديمة.

    فقد قفزت الرواية من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الغربية الحديثة دون أن تعرج على الفلسفات الأخرى مما يوحي للقارئ بتعصب الكاتب الغربي ليتعمد تجاهل فلسفة الشرق، على كل حال هي رواية جيدة جداً خاصة وأنها موجهة للأطفال والمراهقين لتعريفهم بالفلسفة وتاريخها وهي أيضاً صالحة للكبار كمدخل للتعرف على تاريخ الفلسفة، أحداث الرواية لم تكن ذات أهمية قصوى هي فقط تضفي عالم روائي للكتاب لتجذب القارئ، فتبدأ الرواية بالفتاة صوفي التي تستعد لاتمام عامها الخامس عشر.

    فجأة تتلقى تلك الفتاة خطابات في دروس الفلسفة من شخص لا تعرفه كما أن تلك الخطابات أيضاً تتضمن خطابات تهنئة موجهة لفتاة أخرى من أبيها واسمها هيلد تتم هي أيضاً عامها الخامس عشر في نفس اليوم، تحاول صوفي مراراً التعرف على هوية مراسلها وإن كانت تستمتع بدروس الفلسفة تلك وتتجاوب معه عبر الخطابات، ولكنه يرفض الإفصاح عن هويته لفترة من الوقت حتى يلتقيها في كنيسة ليحدثها عن العصور الوسطى، وتبدأ لقائاتهم في التكرار، حتى تشك أمها أنها في علاقة غرامية.

    ولكن صوفي تخبرها أنها فقط تتلقى دروس في الفلسفة وستعرفها على أستاذها ذلك في حفلة عيد ميلادها، ويستمر المايجور والد هيلد في ارسال خطابات التهنئة لابنته بعيد ميلادها من خلال صوفي، حتى نكتشف في النهاية أن لا وجود لصوفي وأستاذها من الأساس وما هما إلا شخصيات في كتاب روائي أرسله المايجور كهدية لابنته في عيد ميلادها من تأليفه، هذه النقطة تحديداً أثارت لدي هواجس لطالما انتابتني منذ سنوات طفولتي الغضة، فكم تخيلت أن حياتي كلها قد تكون مجرد حلم سواء حلمي أنا أو حلم لشخص آخر.

   عرفت فيما بعد عندما كبرت أن هذا كان توجه فلسفي في أحد العصور، وهنا في الرواية يطرح ألبرتو أستاذ الفلسفة تساؤل عن ما إذا كانت هيلد وأبيها أيضاً ما هما إلا شخصيات أخرى في رواية أكبر تكتب –وهذه هي الحقيقة- ليكون تساؤل القارئ عن ماهية أن يكون هو أيضاً شخصية خيالية في رواية أخرى وهو لا يدرك ذلك، لتظل الدائرة تدور إلى ما لا نهاية، ويحاول ألبرتو وصوفي الفكاك من سيطرة المايجور عليهما فيختفيا في حفلة عيد ميلاد صوفي ويخرجا من رواية المايجور والتي كانت معنونة أيضاً بعالم صوفي.

   يصبح ألبرتو وصوفي بعد خروجهما من الرواية كائنات لا تُرى في العالم الواقعي، ويلتقيا بباقي الشخصيات الخيالية لكافة القصص والروايات التي كُتبت من قبل، ويذهبا ليطلعا على عالم هيلد والمايجور الحقيقي ويشعرا بلذة الانتقام في كونهما أصبحا يراقبا المايجور ويرياه وهو لا يراهما بعد أن كان هو من يراقبها ويتحكم في تصرفاتهما، وإن كانت صوفي تحسد هيلد على كونها فتاة حقيقية ستكبر وتتزوج ويصير لها أطفال بينما ستظل هي للأبد في الخامسة عشر من عمرها.

     يحاول ألبرتو أن يفهمها أن ضريبة الحياة الحقيقية هي الموت في النهاية بينما حياتها هي أبدية عبر كافة العصور ولن تنتهي أبداً بالموت، وتنتهي الرواية بشعور هيلد بتواجد صوفي وألبرتو حولها في المكان وهي جالسة مع أبيها في الحديقة.

 

لمحبي قراءة الروايات والفلسفة
رابط تحميل رواية #عالم_صوفي لـ #جوستاين_غاردر 
أتمنى لكم قراءة مثمرة ووقتاً ممتعاً
https://www.file-up.org/33ep5yipvvf2

 

جولة في الكتب: رواية سيدهارتا

لـ/ هرمان هسه

      أخيراً قرأتها، كنت أتشوق كثيراً لقراءة هذه الرواية، وعلى الرغم من أنها جاءت مخالفة لتوقعاتي إلا أنني لا أندم على قرائتها، فقد كنت أتوقع من المراجعات التي قرأتها عنها على موقع الجودريدز أنها تدور حول بوذا، حياته وأفكاره وفلسفته وذاك الدين الذي أنشأه واعتنقه الملايين من بعده وأصبح دينا رسمياً للعديد من الدول الآسيوية إلى يومنا هذا، من بينها اليابان التي قضيت فيها أربع سنوات من طفولتي وزرت فيها العديد من المعابد البوذية دون أن أعرف تفاصيل حياة بوذا نفسه.

     ظننت أن سيدهارتا بطل الرواية هو الاسم الحقيقي لبوذا، وعلى الرغم من أن بوذا ليس الاسم الأصلي فعلاً لصاحبه، إلا أنني اكتشفت من الرواية ان اسمه الأصلي “جوتام”، بينما سيدهارتا بطل الرواية هو شخصية وهمية من المفترض أنه عاش في عصر بوذا والتقى به، وكان ايضاً باحثاً عن الحقيقة، أفنى عمره في البحث عنها، وجرب كل شيء في الحياة للوصول إليها، أمضى طفولته وبدايات مراهقته بين كهنة البراهمة، أعلى طائفة في الديانة الهندوسية، التي كان ينتمي أهله لهم.

    تمرد في مراهقته وأراد أن يصل للحقيقة بنفسه لا يكتفي بأخذها عن الكهنة، فهجر أهله مع صديقه “جوفيندا” وتبع زهاد السامانا، تعلم منهم التقشف والزهد وتتابع الصيام لفترات طويلة، حتى زهدهم وذهب رفقة صديقه “جوفيندا” ليتعرف على الدعوة الجديدة التي يدعو إليها بوذا، التقاه وتأثر به ولكنه قرر أن يسلك طريقه وحده لا تابعاً لأحد، بينما قرر جوفيندا الانضمام لبوذا؛ فتفرق الصديقان، في خضم بحثه عن ذاته وعن الحقيقة التقى بالغانية كاملا؛ فقرر أن يتعلم منها فنون الحب.

    لكي يكون جديراً بمرافقة كاملا كان لابد أن يكون حسن المظهر ممتلئاً بالمال، فانخرط في حياة التجارة والربح، وتعلم من كاملا كافة فنون الحب، ومارس تلك الحياة العادية التي كان يراها تافهة دوماً، حتى استيقظ يوماً من تلك الحياة اللاهية واكتشف أن أيامها كلها تشبه بعضها ولا تفيده بشيء ولا يمكنه أن يتعرف على الحقيقة من خلالها، وليس لأجل ذاك ترك أهله وبيته في صباه، فترك أيضاً تلك الحياة واختفى منها، واكتشفت كاملا بعد اختفاءه أنها حامل بابنه.

    عاد إلى النهر الذي قطعه يوماً ذاهباً إلى تلك الحياة اللاهية، وقابل ذاك الملاح الذي حمله يومها إلى شط تلك الحياة؛ فعرض عليه أن يشاركه حياته ويعمل معه ويعلمه فنون النهر، وذات يوم عبرت كاملا النهر في رحلة حج لزيارة بوذا ومعها ابنهما، لدغها ثعبان بين يدي سيدهارتا ورحلت عن الدنيا تاركة له ابنهما، يتعرف معه على مشاعر جديدة لم يكن يعرفها من قبل، تلك المشاعر التي تجعله يفضل إنساناً آخر عليه ويجوع ليشبع هو ويرغب في إسعاده بأي طريقة.

    ولكن ابنه ذو الحادية عشر عاماً كان قد اعتاد على حياة الرفاهية في كنف أمه، لم يكن يتحمل ذلك التقشف الذي يعيشه أبوه الذي ظهر فجأة في حياته، كان دائماً معترضاً هائجاً حتى هرب ذات يوم وعاد إلى المدينة، حاول سيدهارتا البحث عنه وفي خضم ذلك تذكر ما فعله في مراهقته، فقد ترك أيضاً أبويه، ولم يعد لهما يوماً، ولم يسأل يوماً عن حالهما، اليوم فقط عرف ما قد يكونا عانياه بغيابه، وعرف أن “هكذا تسير الأمور، كل شيء لم يبلغ نهايته من المعاناة، ولم يبلغ خاتمته النهائية، يعود من جديد، ويعاني الأحزان نفسها”.

     بعد فترة رحل صديقه الملاح إلى الغابات بغير رجعة بعد أن تأكد من اكتمال المعرفة لسيدهارتا، وأصبح وحده الملاح، وذاع صيته كحكيم، حتى سمع به صديقه “جوفيندا” فأراد أن يستطلع ذلك الحكيم ويتعلم منه، ليكتشف أنه صديق طفولته، ويعطيه خلاصة حكمته بأنه هو ذاك الحب الذي يجعلنا نعيش مطمئنين “يبدو لي يا جوفيندا أن الحب هو أعظم شيء في العالم، وقد يكون من المهم لكبار المفكرين أن يفحصوا العالم، وأن يفسروه أو يحتقروه، ولكنني أعتقد أن الشيء المهم الوحيد هو أن تحب العالم، لا أن تزدريه، وليس لنا أن يبغض أحدنا الآخر، بل أن نكون قادرين على أن ننظر للعالم وإلى أنفسنا وإلى كل الكائنات في حب وإعجاب وإجلال”.

حمى ارتفاع الأسعار

كتبت: سارة الليثي

         طفح كيل الشعب بعد الارتفاعات الأخيرة في أسعار الوقود والمحروقات، والتي نتج عنها بالضرورة ارتفاع أسعار كل السلع الأخرى التي تحتاج لوسائل النقل المختلفة في نقلها من أماكن انتاجها لأماكن تسويقها وبيعها، فكثر اللغط في الشارع وكان رد الحكومة المستفز أن تلك هي الأسعار العالمية التي تتعامل بها كل الدول المتقدمة وأن ذلك هو سبب تقدمها ونهضتها الاقتصادية، وكأن حكومتنا الموقرة نست أو تناست أن سبب تقدم وتحضر أي أمة هو احترامها وتقديرها للإنسان المواطن القائم على نهضتها وتحضرها والذي يعطيها من عرقه وجهده ودمه إن تطلب الأمر.

     تتجاهل حكومتنا الموقرة أن تلك الدول التي تقارن بها الآن في أسعار السلع قبل أن تحدد تلك الأسعار وتأخذ من مواطنيها تعطيهم ما يستحقونه، تغض الطرف حكومتنا الموقرة عن مرتبات ودخل الفرد في أي دولة من تلك الدول التي تقارن بها الآن في أسعار السلع والمحروقات، فكل دولة من تلك الدول لا يقل متوسط دخل الفرد فيها عن ألفي دولار شهرياً أي ما يساوي 43 ألف جنيه مصري تقريباً، كفرنسا التي يصل متوسط دخل الفرد فيها إلى 28799 دولار سنوياً أي ألفي دولار ونصف في الشهر.

   وفرنسا تلك تأتي في ذيل القائمة التي وضعها موقع “توب مينز” لأعلى 10 دول في متوسط دخل الفرد[i] والتي ضمت كل من: فرنسا، السويد، كندا، النمسا، ألمانيا، أستراليا، سويسرا، النرويج، لوكسمبورج، وأمريكا، بينما في مصرنا الحبيبة فالراتب الشهري للمدرس الجامعي في بداية حياته المهنية هو ألفي جنيه فقط! وهذا كما أعلم من أصدقائي ومعارفي الذين هم على درجة معيد الجامعة وهذا ما يتقاضونه شهرياً، وذلك على الرغم من أن تلك الفئة تعد من أعلى الفئات الاجتماعية في المجتمع ناهيك عن دخل مدرس الابتدائي والاعدادي الذي قد لا يصل للألف جنيه شهرياً وفقاً لقانون التعليم الجديد[ii]!!

     وكمواطنة مصرية فقد نلت شرف الحياة في بلد متقدم لأربع سنوات في أوائل سنوات مراهقتي حيث كان أبي دارساً للدكتوراه في الهندسة المعمارية في “كوكب اليابان الشقيق”، والحق يقال أن أسعار السلع كافة كانت ضعف أسعار السلع في مصر، ولكن… راتب أبي الشهري كان يقدر بثلاث آلاف دولار شهرياً وقتها في حين راتبه في مصر لم يكن يتعدى الألف جنيه! وقياساً على نفس المنوال يمكننا أن نقيس كافة الوظائف مع كافة الدول المعنية التي تقارن حكومتنا الموقرة وضعنا معها.

   وكم صرحوا لنا أن نحمد الله أننا أفضل من سوريا والعراق، ولكن للأسف فإن حتى سوريا والعراق وضعهم المادي والاقتصادي أفضل منا، فمتوسط دخل الفرد في العراق 13600 دولار سنوياً بحسب صحيفة السومرية العراقية[iii]، وهذا يعني أن متوسط دخل الفرد شهرياً يساوي ألف دولار شهرياً أي ما يزيد عن  سبعة عشر ألف جنيه مصري، بينما متوسط دخل الفرد في سوريا حوالي 100 دولار شهرياً أي ما يساوي 1750 جنيه مصري، وذلك حسب مؤشر Numbeo لمتوسط الراتب الشهري في العالم في نسخته الأخيرة للعام 2017، وهو قاعدة بيانات عالمية حول متوسط دخل الفرد وأجره الشهري وكذلك مستوى الرعاية الصحية في بلدان العالم.

     أما في مصر فمتوسط دخل الفرد حسب تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء هو سبعة آلاف جنيه سنوياً أي حوالي 583 جنيه شهرياً! أي أن وفقاً لتقارير الحكومة الرسمية فإن سوريا والعراق -اللاتي نحمد الله دائماً أن السياسات الرشيدة لحكومتنا الموقرة حمتنا من الوصول إلى وضعهما البائس- هم أفضل حالاً منا ويتمتعون برخاء اقتصادي لا نحظى به! وليس ذلك فقط بل إن حتى فلسطين المحتلة التي ترزح تحت أغلال الاحتلال الصهيوني متوسط دخل الفرد فيها 698 دولار شهرياً أي ما يزيد عن اثنى عشر آلاف جنيه مصري! وذلك وفقاً لنفس المؤشر السابق.

    بل إن حتى قطاع غزة المحاصر فإن متوسط دخل الفرد فيه سنوياً 966 دولار أي 80.5 دولار شهرياً وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كما ذكر موقع العربي الجديد[iv]، أي ما يساوي 1409 جنيه مصري. فبالله عليكم خبروني أي سياسة تلك التي تنتهجها حكومتنا الموقرة لتجعل وضعنا أسوأ من وضع دولة محتلة منذ ما يقرب من قرن من الزمان وقطاع محاصر منذ عقد من الزمان وبلاد تتناحر وترزح تحت الفتن الطائفية والحروب الأهلية؟! أي اقتصاد دولة ذاك الذي يقوم على فرض ضرائب ورفع أسعار على المواطنين دون أن يحظوا بأي خدمات أو حقوق وتقدير إنساني في المقابل؟!

     أي علاقة تلك التي تقوم على الأخذ فقط من طرف واحد بدون أي نوع من العطاء للطرف الآخر؟! وإلى متى سنظل صامتين ونرضى بالذل والقهر الذي نحيا فيه دونما اعتراض؟!

جولة في الكتب: دين الإنسان

لـ/ فراس السواح

     يدور الكتاب حول تفسير الظاهرة الدينية للإنسان وتطورها عبر مراحله التاريخية المختلفة ومراحل تطوره ونضجه العقلي، يبدأ بمحاولة تعريف الدين ومكانته لدى البشر، ثم يفرق ما بين نوعين من الدين وهو الدين الفردي والدين الجمعي، ففي الدين الفردي يكون المعتقد الديني خاصاً بالفرد وحده ولا يحاول اشراك جماعته معه لاعتقاد نفس الدين، ولكن عندما يتحول الفرد لداعية لهذا الدين ويتبعه أفراد آخرين يتحول الدين من دين فردي لدين جمعي، وتلا ذلك ظهور المؤسسة الدينية متمثلة في المعابد ودور العبادة لترعى الدين الجمعي وتخصص كهنة لاقامة الطقوس الدينية.

    وحدد المكونات الأساسية للدين المتمثلة في المعتقد والطقس والأسطورة، حيث يعتقد الإنسان في إله ما، يقيم له الطقوس لعبادته، وينشئ له الأساطير الدالة على مدى قوته وقدرته، وهناك مكونات ثانوية تتمثل في الأخلاق والشرائع، ولكنها ليست أساسية حيث أن هناك أديان قامت بدون أخلاق أو شرائع تعود إليها كالديانات الإغريقية حيث كان الآلهة أنفسهم يفتقرون إلى الأخلاق اللازمة وترك الأمر لتقييم البشر، كما فرق الكاتب ما بين دين القوم والدين الشمولي، فدين القوم يقوم على ايمان مجموعة من الأفراد قد تكون قبيلة أو مجتمع ما بدين معين ولكنهم لا يسعون لفرضه والدعوة إليه عبر العالم، أما الدين الشمولي فهو الذي يسعى لتوطيد حكمه عبر العالم.

    وقد تمثل للأديان الشمولية بمحاولات كل من اخناتون بنشر دعوته لعبادة اله الشمس آتون، وكذا ايلاجابال في روما ودعوته لعبادة اله الشمس السوري، وأيضاً ماني ودعوته لديانته المانوية، ثم تناول بداية ظهور الدين في تاريخ البشرية منذ ظهور الإنسان على الأرض فيما سمي بعصر الباليوليت، وما وجد من آثار لهذا العصر متمثلاً في فن الكهوف وطرق الدفن، تلا ذلك عصر النيوليت وبداية ظهور تقديس هيئات متمثلة لحيوانات وبشر مع نفي عبادة الحيوان أو البشر ذاته ولكنه كان عنصر تمثيلي للقوة المسيطرة ليس إلا.

    وتطرق أيضاً إلى فكرة الطوطم أو التمائم التي أتخذت لبعض الشعوب شارحاً اياها من خلال شعب الهنود الحمر والأستراليين بشكل خاص لانتشار تلك الفكرة لديهم، كما فرق بين السحر والدين على الرغم من وجود بعض الطقوس التي قد تكون متشابهة بين الاثنين، ثم تناول ببعض من الشرح فلسفة ديانات الشرق الأقصى كالكامي والشينتو في اليابان والتاوية في الصين والهندوسية والجاينية والبوذية في الهند، منتقلاً بعد ذلك لظاهرة التصوف الاسلامي مقارناً بينها وبين أفكار النيرفانا وفلسفة التصوف الهندي.

    وفي الباب الأخير تناول الظاهرة الدينية بشكل علمي من منظوره من الناحية الفيزيائية، حقيقة الأمر لم أفهم شيئاً مطلقاً من هذا الجزء ولم أفهم ما علاقته بالأمر، فقد استمتعت بقراءة الكتاب وأضاف لمعلوماتي معلومات قيمة جداً في تاريخ الأديان وكيفية ظهورها في المجتمعات المختلفة، فعلى الرغم من قراءتي واطلاعي على العديد من الأساطير الدينية لشعوب العالم ولكني لم أكن أعرف منشأ التفكير في تلك الأمور وقد ساعدني هذا الكتاب كثيراً في الربط بين الأمور والديانات المختلفة وتفسير معتقدات الشعوب.

    ومن المفترض أن الباب الأخير يفسر ذلك بشكل علمي ولكن لم يصلني المغزى ولم يضف لي شيئاً وشعرت أنه جزء زائد على الكتاب، ربما يستطيع فهمه من يدرس الفيزياء ويستطيع تفسير علاقته بموضوع الكتاب أما أنا فلا.

بالصور…. اليابان والهند في ساقية الصاوي

كتبت: سارة الليثي

    نظمت ساقية الصاوي اليوم الخميس من الرابعة إلى العاشرة مساءاً في قاعة النهر معرضاً لثقافات دول الشرق، تضمن دول: اليابان، كوريا، الصين، فيتنام، الفلبين، اندونيسا، أستراليا، تركيا، تايلاند، نيبال، الهند، ودولة فلسطين، وقد حرصت كل دولة على التفاعل مع الحضور، وعرض ثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم من خلال الكتيبات الدعائية والمجلات الثقافية وبعض الألعاب البسيطة، وكذلك تعليم الحضور كتابة أسمائهم بلغة كل دولة، والتقاط الصور التذكارية بالملابس الشعبية التقليدية لكل دولة، كما حرصت بعض الدول على تقديم أنواع مختلفة من مأكولاتهم الشعبية.

     وقد قدمت معظم الدول عروضاً فنية حية على المسرح للحضور، وكانت البداية مع عرض راقص من دولة نيبال، تبعه عرض يوجا ايقاعي لدولة الهند، تلاه عرض غنائي من دولة الفلبين، ثم قدمت اليابان عرض كاراتيه تبعته بحديث لمسئولي العلاقات العامة بمؤسسة اليابان بالقاهرة عن أنشطة المؤسسة الثقافية والترفيهية والاجتماعية وتعليم اللغة اليابانية، تلا ذلك عرض هندي راقص تبعه عرض راقص لدولة أندونيسيا تلاه عرض لفنون القتال الإندونيسية، وعرضت بعض الدول مقاطع فيديو دعائية عن بلدانهم.

    وقد شهد المعرض اقبالاً وتفاعلاً شديداً من مختلف الفئات من الشعب المصري وكذلك الأجانب، واختتم اليوم بعرض غنائي راقص لفرقة نوبية.

البوب الياباني في ساقية الصاوي

كتبت: سارة الليثي

       نظمت مؤسسة اليابان بالقاهرة بالتعاون مع ساقية الصاوي حفلاً موسيقياً للمغنية اليابانية “إيتو ميو” اليوم الأحد السابعة والنصف مساءاً على مسرح النهر، وقد أعربت الفنانة “إيتو ميو” عن سعادتها بالتواجد على أرض مصر التي تزورها لأول مرة، وقد ألقت التحية باللغة العربية عند صعودها على المسرح قائلة: “السلام عليكم، اسمي إيتو ميو”، وفي حوار لها على المسرح مع مسئولة العلاقات العامة لمؤسسة اليابان بالقاهرة أعربت عن سعادتها عند حضورها بالأمس فعاليات يوم “إيجي كون” بنادي الشمس، والذي تضمن ألعاب وفنون يابانية وشخصيات المانجا والأنمي اليابانية التي فوجئت بمعرفة المصريين بها واستمتاعهم بتأديتها وتقمصها خلال اليوم.

     كما ذكرت ميو خلال الحوار زيارتها للأهرامات اليوم وانبهارها بمنظرها وكبر حجمها الذي فاق خيالها، وأيضاً عبرت عن سعادتها بخوض تجربة ركوب الجمال، كما أعربت عن سعادتها بالشعب المصري الذي يشبه كثيراً مواطني محافظة أوساكا اليابانية –مسقط رأسها- في طيبتهم وترحيبهم بالضيوف ومحبتهم للآخرين وكذلك في سرعتهم وتهورهم في قيادة السيارات، مما أعطاها الإحساس بأنها عادت إلى موطنها الأصلي، وقد غنت “ميو” خلال الحفل بعض من أغاني أفلام الأنمي التي تفاعل معها الجمهور بشدة وكذلك بعض الأغاني اليابانية الكلاسيكية القديمة بالإضافة إلى أغانيها الأصلية، وقد شاركها المسرح عازف الجيتار “توكوانا”.

     وقد حضر الحفل عدد من الجمهور الياباني المقيم بالقاهرة بالإضافة إلى الشباب المصري المهتم بالثقافة والفنون اليابانية، وفي نهاية الحفل حرص الجمهور على التقاط بعض الصور التذكارية وصور السيلفي مع الفنانة “إيتو ميو”، الجدير بالذكر أن “ميو” هي واحدة من مغنين البوب البارزين في اليابان وهي من طليعة مطربي الـ “كايوكيوكو” من البوب الياباني التقليدي وهو نوع من الأغاني مبني على موسيقى البوب اليابانية في فترة الستينات والسبعينات، وقد بدأت “ميو” مسيرتها الفنية عام 2011 وحصلت في نفس العام على جائزة أفضل ظهور أول من مهرجان “Japan Records“، وقد صدر لها حتى الآن خمس ألبومات غنائية.

ليت هوندا … من الفقر المدقع إلى العالمية

  ولد “ليت هوندا” في عائلة فقيرة جداً في احدى مقاطعات اليابان النائية عام 1906 في 17 نوفمبر، ومن فرط فقر عائلته توفي خمسة من اخوته إثر سوء التغذية، ولم يكن هوندا محباً للدراسة والتعليم فترك المدرسة وهو في الخامسة عشر من عمره وسافر إلى العاصمة طوكيو ليعمل في ورش تصليح السيارات بعد أن وقع في غرام السيارات منذ أن رأى أول سيارة في حياته وهو طفل في قريته، وقد قال عن تلك اللحظة: “لقد تسمرت أمام أول سيارة رأيتها، واعتقد بأن هذه اللحظة ولدت لدي فكرة اختراع سيارة من تصميمي على الرغم من أنني كنت ولداً فاشلاً في تلك الأيام”.

   عمل هوندا في ورشة لتصليح السيارات لمدة 6 سنوات، حيث تعلم الكثير قبل أن يقترض مالاً ليفتح أول ورشة خاصة به لتصليح السيارات عام 1928، وفي نفس السنة حصل هوندا على براءة اختراع لتصميمه مكابح معدنية للسيارات بعد أن كانت مصنوعة من الخشب، وكانت هذه الفكرة بدايته إلى عالم الابتكار، حيث سجل أكثر من 470 ابتكار وأكثر من 150 براءة اختراع باسمه بعد ذلك،  ولكنه كان لا يزال يحلم أن يصنع سيارة باسمه وكانت سيارات التويوتا ناجحة جداً في ذلك الوقت؛ فحاول أن يتقدم للعمل بمصانعهم.

   طلبت منه شركة تويوتا أن يصنع موتوراً جديداً فصنع واحداً، ولكنه لم يناسبهم، فعاد يدرس ويحضر من جديد وحاول مرات عديدة حتى قبلوه أخيراً، ولكن الحكومة اليابانية رفضت مواصفات الموتور الذي أخترعه؛ فاستمر يدرس ثلاث سنوات أخرى، حتى وافقت الحكومة اليابانية، وبنت مصنعاً خصيصاً له، ولكن تم تفجير المصنع أثناء الحرب العالمية الثانية، فعاد يجهز لبناء مصنعه من جديد بعد انتهاء الحرب، وبعد أربع سنوات من العمل الجاد استطاع “ليت هوندا” اعادة بناء مصنعه من جديد.

    ما لبث هوندا أن افتتح مصنعه الجديد حتى حدث زلزال وانهدم المصنع، ولكنه لم ييأس، وصنع عجلات وضع فيها الموتورات التي صنعها، وكان ذلك اختراع أول موتوسيكل في العالم، وأقبل الناس على شرائها حتى أصبح لديه أكثر من 28 طلباً في أول أسبوع، فأرسل إلى كل الشركات في اليابان عن اختراعه وبدأ الاقبال يتزايد على اختراعه، لدرجة أنه حصل على جائزة أفضل اختراع موجود من إمبراطور اليابان، وأيقن هوندا بوجود سوق كبير لما أخترعه؛ فأسس شركته عام 1948م وأسماها “شركة هوندا”.

    بدأ ازدهار الشركة عام 1961 عندما بدأت تشحن 100 ألف دراجة نارية إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وفي عام 1968 كان مجموع الدراجات المشحونة إلى الولايات المتحدة الأمريكية مليون دراجة، وفي أوساط الثمانينات كانت شركة هوندا قد أخذت 60 في المئة من حصة السوق، وفي عام 1990 كانت تشحن 3 مليون دراجة في السنة، وهكذا حقق هوندا حلمه في عالم الدراجات النارية وقد جعل هذه الدراجة في متناول الجميع وبذلك أصبح جاهزاً لاجتياح عالم السيارات، دخل هوندا السوق من نقطة ضعف وهي إنتاج محركات تحافظ على البيئة حسب مواصفات الحكومة الأمريكية.

    لم يكن أحد من عمالقة صناعة السيارات مثل: جنرال موتورز، فورد، تويوتا، نيسان، مرسيدس، بي إم دبليو، بورش، قد نجح باختراع محرك صديق للبيئة، وقد أحرج هوندا الجميع عندما قام باختراع أول محرك يقاوم التلوث البيئي (cvcc) وطرح أولى سياراته بالمحرك الجديد عام 1975 التي لاقت نجاحاً باهراً فور طرحها في السوق، واستمر هوندا باستراتيجيته (السهل الممتنع) التي استعملها في صناعة الدراجات، كان هوندا ثورياً ولم يكن محبوباً من مجتمع مصنعي السيارات في اليابان، بخاصة عندما حصلت أزمة البترول عام 1974 وقرر مصنعو السيارات في اليابان رفع أسعار السيارات وتخفيض الإنتاج، أما هو فكان الوحيد الذي رفض هذه الفكرة وحاربها.

    وقد واجه هوندا هذه الأزمة بأن ضاعف الإنتاج وخفض الأسعار، وأثبت هذا القرار صحته، وبالفعل انخفضت مبيعات نيسان وتويوتا 40% وارتفعت في المقابل مبيعات هوندا 76% واستمرت في التصاعد، وفي عام 1983 كانت هوندا قد أصبحت أسرع الشركات تطوراً في العالم.  وقد حصلت سيارته “هوندا أكورد” على شرف احتلال المركز الأول للسيارات الأكثر مبيعاً في العالم الأعوام 1989،1990،1991،1992 حسب إحصاءات مجلة “كار أند تراك”، ويصف هوندا الأشخاص المحيطين به بأنه كان شخصاً عديم الصبر وثورياً، ولكنه كان يمتلك عزيمة لا تقهر ولا يستسلم أبداً لأي مشكلة ويقبل الخطأ كجزء من تطوره.

    ومن أشهر ما قاله هوندا: “عندما أنظر إلى الوراء أجد أنني لم أحصد سوى سلسلة من الأعمال الفاشلة والكثير من الندم.غير أنني في المقابل فخور بما حققته، وعلى الرغم من أنني قمت بالكثير من الأخطاء واحداً تلو الآخر، لكن ليس هناك خطأ أو فشل تكرر مرتين، لذلك أؤكد لكم أن النجاح يمثل 1% من عملنا الذي ينتج عن 99% من فشلنا”. ويعد هوندا مخاطراً من الدرجة الأولى، إذ كان يقود سيارات السباق بصورة جنونية، وأوشك على أن يلقى حتفه في أحد السباقات التي ربحها، وقبع في المستشفى لمدة 3 شهور.

     وقد نصحه الأطباء بعدم الاشتراك في السباق مرة أخرى ومع ذلك تعلم قيادة طائرة الهليكوبتر عندما كان في الستين من عمره، وتوفي هوندا في الخامس من أغسطس 1991 في طوكيو تاركاً وراءه الكثير من الإنجازات والنجاحات والدروس والعبر. لم يكن أحد يعتقد أن الطفل الفقير المعدم والآتي من قرى اليابان البعيدة المسلح بالطموح والأحلام والعزيمة والإصرار، يمكنه أن يغزو العالم بأفكاره وابتكاراته ومنتجاته، والتي غيرت العالم إلى الأفضل، وجعلت اسم هوندا المغمور وغير المعروف اسماً يعرفه كل الناس في كل أرجاء الكرة الأرضية.

سكة سفر

  عدت إلى أسيوط بعد غياب دام أكثر من سبع شهور كدت فيهم أن أنسى ملامح طريق السفر، فلم أمكث هذه المدة من قبل في مكان واحد دون سفر، فيما عدا السنوات الأربع التي قضيناها في اليابان خارج مصر،  فمنذ طفولتي ونحن نقضي فترة الدراسة في أسيوط وفترة الأجازة ما بين القاهرة واسكندرية، ولا تطول أي منهما لتلك المدة، وفي الفترة الأخيرة كثر ترددنا على القاهرة منذ أن التحق أخي بمعهد الهندسة في العاشر من رمضان.

فقد صاحب ذلك أيضاً تخرجي من الكلية وتفرغي التام فلا شيء يُلزمني بالتواجد في فترات معينة في أسيوط، وتلا ذلك مرض جدتي وعدم قدرتها جسدياً على الاعتناء بأمور أخي الذي يمكث معها للدراسة،  وذلك ما اضطرنا للمكوث تلك المدة الطويلة مؤخراً، وأخيراً قررنا العودة بعد أن أطمأننا على وجود من يعتني بأمورهما معاً، وكالعادة عدنا بالسيارة، وعلى الرغم من أن السيارة تتيح لي الاستمتاع بأكثر قدر من المناظر الخارجية على جانبي الطريق أكثر من القطار خاصة بعد غياب الشمس حيث يصبح من المستحيل رؤية شيء خارج نوافذ القطار، إلا إنني أشتاق كثيراً للسفر بالقطار.

منذ أن اشترى أبي السيارة بعد عودتنا من اليابان في عام 2004 لم أركب القطار سوى مرة واحدة عندما ذهبت في رحلة فتيات للاسكندرية وأنا في الصف الثاني الثانوي. أذكر أنني في طفولتي كنت طفلة مشاغبة جداً، فعند ركوبنا للقطار كنت دائماً ما أتشاجر مع أخي الصغير للجلوس بجانب نافذة القطار لأشاهد الطريق والمناطق الزراعية، وعندما يسير القطار كنت انطلق في العربة التي نركبها ذهاباً وإياباً واتعرف على جميع الركاب أياً كانت أعمارهم وافتح معهم أبواب الحوار في شتى المواضيع المختلفة.

وما كان يمنعني من الخروج من العربة التي نركبها والانطلاق في باقي القطار هو خوفي الدائم من الأرضية الفاصلة المتحركة بين العربات حيث كنت أخشى أن أسقط بين طرفيها وافرم تحت القطار. وبسبب هذا الخوف كنت أخشى حتى دخول الحمام حيث كان يقع بين كل عربتين، فإذا ما اضطررت لدخول الحمام كنت أبكي لأبي حتى يحملني ويمر بي على تلك الأرضية دون أن أسير أنا عليها. وحقيقة لا أعلم كيف كانت تواتيني الجرأة حينها للتعرف على هؤلاء الركاب الذين أراهم لأول مرة في حياتي.

لا أتذكر كيف كنت أبدأ الحوار مع أي منهم وفيما كنت أتكلم معهم، ولكني أذكر أنني تعرفت على ركاب عديدين وقتها من بلاد مختلفة. وأغلب الركاب الذين تعرفت عليهم كانوا شباب صغار في السن يسافرون وحدهم، وأذكر تحديداً امرأة تعرفت عليها ذات مرة واكتشفت أنها تعمل مفتشة بالتربية والتعليم وقريبة لاحدى صديقاتي في المدرسة، وجاءت للتفتيش علينا في المدرسة بعد تلك الواقعة وكنت فخورة وسط صديقاتي بمعرفتي المسبقة لها. ومرة واحدة فقط تعرفت فيها على فتاة من عمري وانطلقنا معاً للعب داخل القطار، ولكنني لم أراها مرة ثانية في حياتي ولا أذكر اسمها!

عندما أتذكر تلك المواقف الآن أتمنى لو كنت ظللت بتلك الجرأة التي كانت تجعلني أقتحم الأماكن والناس بسهولة دون خوف أو تردد. لا أستطيع أن أتذكر كيف كنت أجرؤ على ذلك وبماذا كنت أشعر وقتها وكيف لم أكن أخاف وأتردد لحظة وكيف كنت أبدأ حواراتي تلك مع الناس، فعلى الرغم من أنني لازلت أعد نفسي جريئة إلى حد ما في أفكاري وآرائي وربما في أسلوب حواري مع من أعرفهم إلا أنني أصبحت افتقد تلك الجرأة التي تجعلني أبدأ الحوار مع أشخاص أقابلهم للمرة الأولى إلا إذا كان هناك ضرورة ملحة لذلك وفي إطار موضوع معين كأن يكون حوار صحفي في إطار عملي وأيضاً يكون ذلك مصاحباً بحالة توتر وتردد شديد حتى لو لم تبدو للآخرين ولكني أشعر بها في داخلي.

عدت إلى أسيوط الآن بمشاعر متضاربة ما بين الحنين إليها والرغبة في الفرار منها، فعلى الرغم من أن أسيوط هي محل ميلادي وموطن تعليمي إلا أنني لا أرى لي أي مستقبل مهني بها، دائماً ما أحلم بالاستقرار في القاهرة والحصول على عمل بها وتسلق سلم الصحافة والاعلام هناك حتى لو كان الطريق شاقاً فعلى الأقل هناك طريق، ولكن هنا في أسيوط لا توجد أي طرق، فجميع الجرائد الأقليمية التي تصدر بها لا يقرؤها أحد ومن يكتبون بها إما أنهم يستغلونها في الحصول على المال من خلال الإعلانات لتوزيعها مجاناً على المصالح الحكومية أو لتكون نقطة تذكر في سيرتهم المهنية عند التقدم للعمل في صحيفة كبيرة يوماً ما.

ولكن هنا في أسيوط أيضاً كل ذكرياتي جيدها وسيئها وليس لي أي ذكريات في القاهرة خارج منزل جدتي ، هنا مكاني الخاص الذي أملكه ولا يستطيع أحد سلبه مني، هنا أصدقاء العمر الذين أفتقدهم في كل مرة أسافر فيها، هنا كل مكان وكل شارع لي ذكرى فيه، هنا قصص طفولتي ومراهقتي وشبابي، هنا نبض قلبي للمرة الأولى وجرح أيضاً للمرة الأولى، هنا كل شيء حلو وسيء في الوقت ذاته وأنا أحمل الوفاء لذكرياتي السيئة كما أحن لذكرياتي السعيدة لذا دائماً ما أحن لتلك المدينة.

مهما ابتعدت عن تلك المدينة تشدني إليها ثانية وكأنها لعنة ترافق حياتي لا أستطيع التخلص منها ولا أستطيع القبول بها للأبد ونسيان أحلامي ودفنها في واقعها المحبط.

أشخاص ملهمين في حياتي: أبي

 

 

   إذا كانت أمي هي من كانت تقرأ لي مجلات وقصص الأطفال في طفولتي فأبي هو من كان يشتري لي تلك المجلات، على الرغم من أنه كان لا يزال شاباً في مقتبل حياته المهنية إلا أنه كان يخصص جزءاً كبيراً من راتبه الشهري ليشتري لي كل مجلات الأطفال أسبوعياً، ما من إصدار للأطفال في تلك الفترة إلا واشتراه لي، فلدي مجلات علاء الدين وبلبل –اللتين بدأ إصدارهما في طفولتي- منذ أعدادهما الأولى، وظل الحال هكذا حتى سافرنا اليابان وأنا في العاشرة من عمري، وأيضاً قد خصص جزءاً من حمولتنا ليحمل لي في رحلتنا تلك بعض الأعداد القديمة لمجلاتي المفضلة حتى لا أفتقدها في غربتنا.

    عندما كنت في الصف الثالث الثانوي أشتركت في مسابقة بحثية ساعدني فيها أبي كثيراً حتى حصلت على المركز الأول على مستوى الجمهورية، وكان يساعدني في أبحاثي الجامعية بكتابتها لي على الكمبيوتر وطباعتها ليوفر لي الوقت للدراسة.

   أبي يفخر بنجاحي وتفوقي دائماً ويتباهى بي على طلابه، وإن كان يتمنى أن أصل لذلك النجاح وأنا قابعة في المنزل، فلديه مشكلة شرقية صعيدية مع خروج البنات من بيوتهم.

   ورثت عن أبي العديد من الصفات: حب العلم والتفوق والرغبة في النجاح وعشق الأطفال والعند وعدم القدرة على التعبير عن المشاعر بالكلام وحتى حب الأفلام الهندي أكتشفت إن أبي كان يحبها ويتابعها في طفولته ولكنه نسيها لفترة حتى أعدته إليها مرة أخرى.