بنت من الصعيد (قصة قصيرة)

بقلم: سارة الليثي

  • اجهزي وجهزي بنتك النهاردة بالليل في عريس جاي يخطبها.
  • عريس؟! عريس ايه مين ومنين؟ انت مكلمتنيش في الموضوع ده قبل كدة وبعدين البنت لسة صغيرة!
  • أكلمك ليه هو انت اللي هتقرري إذا كنت هجوزها ولا لا؟! وبعدين مين دي اللي صغيرة أنا لما أتجوزتك كنت أصغر منها! أنا مش عايز كتر كلام وقلبة دماغ على الصبح، العريس هيجي هو وأهله بالليل، أرجع من الشغل ألاقيكم جاهزين عشان تستقبلوهم انت وهي.

………………………………….

     نعم كنت أصغر منها عندما تزوجتك، لم أكن أعي شيئاً في الحياة سوى مريلتي وكتبي وأحلامي، كنت أظن أن الحياة ستحلو لي لأحقق كل ما أحلم به، لم أكن أدرك أن أحلامي سيتم وأدها بيد أقرب الناس إلي بينما أتلقى دروسي بسعادة وأمل، كنت كعصفور طليق يحلق بفرح في سماء الأحلام، نتفوا ريشه وقصوا جناحيه وأودعوه قفصاً ذهبياً، فما أغناه ذاك يوماً عن حريته، ولا رد له يوماً فرحته، لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي عدت فيه إلى منزلي في نهاية يومي الدراسي؛ لتنفرد بي أمي تزف إلي هذا الخبر السار: جالك عريس يا بت، والله وكبرتي وبقيتي عروسة.

    كانت تتوقع أن تحمر وجنتي خجلاً، أنظر للأرض وعلى وجهي ابتسامة عريضة تدل على فرحتي الغامرة، أن أجري من أمامها فرحة لأغزل أحلامي مع ذاك العريس المجهول وحدي في عشي الصغير، ولكني بمنتهى البساطة والسذاجة صدمتها بقولي: بس أنا لسة بدرس ولسة قدامي حجات كتير عايزة أعملها قبل ما أفكر في موضوع الجواز ده!

    ابتلعت صدمتها في ذهول لترد علي قائلة: وهم يعني اللي درسوا خدوا ايه من دراستهم؟! البنت ملهاش غير بيتها وجوزها في الآخر ولا انت عايزة تعنسيلنا وتعديلنا للأبد؟!

  • يا ماما الجواز ده رزق ومكتوب لكل واحد، محدش بياخد غير اللي مكتوب له.
  • وأهو رزقك جالك لحد عندك هتتبتري عليه عشان تتحرمي منه!
  • أنا لا بتبتر ولا حاجة أنا كل اللي بقوله اني لسة صغيرة وعايزة أكمل دراستي الأول!
  • صغيرة مين ده أنا لما كنت في سنك كنت مخلفاكي انت واخواتك وإن كان على دراستك ابقي كمليها في بيت جوزك إن وافق.
  • يعني ايه إن وافق؟! يعني أنا ممكن كمان مكملش دراستي أصلاً؟!
  • بقولك ايه يا بت انت متخوتيش دماغي العريس جاي بالليل هو وأهله عشان يشوفوكي خليكي محترمة كدة وتطلعي بأدبك تقابليهم بدل ما أقول لأبوكي وانت عارفة هيعمل فيكي ايه ساعتها.

    مر بخاطري في هذه اللحظة كل ذكرياتي السيئة مع أبي، فقد كان يود حرماني من الدراسة منذ أن حصلت على شهادة الإبتدائية لولا تدخل أخي الأكبر، أقنعه بالعدول عن رأيه، وأن التعليم مهم حتى أحظى بفرص زواج أفضل، لم يكن هذا رأيه الحقيقي حول التعليم ولكنه كان يدرك أن والدنا لن يقتنع ويرضى سوى بهذه الطريقة، قررت أن ألجأ لأخي أيضاً هذه المرة عله يستطيع مساندتي، ولكنه أخبرني أن حججه نفذت، كان يتحجج دائماً بفرصة الزواج الأفضل ولكن هذه المرة قد أتى ذلك الزواج الذي كانوا بانتظاره فبماذا سيقنعهم؟

   أخبرني أن الحل الوحيد الذي قد يخرجني من هذا المأزق هو أن أطيعهم وألتقي بهذا العريس، ربما يكون هو نقطة الأمل التي تمنحني حياة أفضل، فيوافق على استكمال دراستي ويساعدني على تحقيق أحلامي، تمنيت ذلك، ولكن… أتظل أحلامي كلها معلقة برجل إن شاء حققها وإن شاء في لحظة حطمها؟! لم يكون مستقبلي بيد شخص آخر غيري؟! لم علي أن أقبل أن تدور حياتي في فلك شخص آخر؟! رجل لا أعرف عنه شيئاً أصبح بين ليلة وضحاها هو الآمر الناهي في حياتي وعلي أن أطيع وأرضى!

    أسئلة كلها لا زلت أبحث لها عن إجابة حتى اليوم، تزوجت وأنجبت ولم يكن لي الخيار حتى في أسماء من أنجبتهم، واليوم يأتى زوجي ببساطة ليخبرني أنه سيأتي بعريس لابنتي في المساء! يُذكرني أنه تزوجني أيضاً وأنا أصغر منها، نعم كيف لي أن أنسى، لم أنسى يوماً أنه تزوجني وأنا أصغر منها، وفرط عقد أحلامي ليربط به عقد زواجه، لم يترك لي يوماً أمراً آخذ قراراً بشأنه، ولكن لأول مرة سأتخذ قراراً.

بنت من الصعيد

 

    ككل صباح ذهبت صباح إلى جامعتها مفعمة بالنشاط والحيوية، تحمل معها أحلامها بمستقبلها الباهر الذي تنتظر تحقيقه بفارغ الصبر، لم تكن تعي أن هذا المستقبل يتم وأده في ذات اللحظة بيد أقرب الناس إليها بينما تتلقى هي محاضراتها بسعادة وأمل.

   عادت إلى منزلها في نهاية يومها الدراسي لتنفرد بها والدتها لتزف إليها هذا الخبر السار: جالك عريس يا بت، كبرتي وبقيتي عروسة، كانت أمها تتوقع أن تحمر وجنتي ابنتها خجلاً وتنظر للأرض وعلى وجهها ابتسامة عريضة تدل على فرحتها الغامرة، ولكنها ببساطة قالت لها: بس أنا لسة بدرس ولسة قدامي حجات كتير عايزة أعملها قبل ما أفكر في موضوع الجواز ده!

   صدمت أمها من جوابها ولكنها ردت عليها قائلة: وهم يعني اللي درسوا خدوا ايه من دراستهم البنت ملهاش غير بيتها وجوزها في الآخر ولا انت عايزة تعنسيلنا وتعديلنا للأبد؟!

  • يا ماما الجواز ده رزق ومكتوب لكل واحد محدش بياخد غير اللي مكتوب له.
  • وأهو رزقك جالك لحد عندك هتتبتري عليه عشان تتحرمي منه!
  • أنا لا بتبتر ولا حاجة أنا كل اللي بقوله اني لسة صغيرة وعايزة أكمل دراستي الأول!
  • صغيرة مين ده أنا لما كنت في سنك كنت مخلفاكي انت واخواتك وإن كان على دراستك ابقي كمليها في بيت جوزك إن وافق.
  • يعني ايه إن وافق؟! يعني أنا ممكن كمان مكملش دراستي أصلاً؟!
  • بقولك ايه يا بت انت متخوتيش دماغي العريس جاي بالليل هو وأهله عشان يشوفوكي خليكي محترمة كدة وتطلعي بأدبك تقابليهم بدل ما أقول لأبوكي وانت عارفة هيعمل فيكي ايه ساعتها.

    مر بخاطر صباح في هذه اللحظة كل ذكرياتها السيئة مع أبوها، كيف أنه كان يود حرمانها من دخول الجامعة من الأساس لولا تدخل أخيها الأكبر الذي أقنعه بالعدول عن رأيه وأن التعليم مهم لها حتى تحظى بفرص زواج أفضل، لم يكن هذا رأي أخيها الحقيقي حول التعليم ولكنه كان يدرك أن والدهم لن يقتنع ويرضى سوى بهذه الطريقة، قررت أن تلجأ لأخيها أيضاً هذه المرة لعله يستطيع مساندتها، ولكنه أخبرها أن حججه قد نفذت فقد كان يتحجج دائماً بفرصة الزواج الأفضل ليحصل لها على بعض الحقوق والمميزات ولكن هذه المرة قد أتى ذلك الزواج الذي كانوا بانتظاره فبماذا سيقنعهم؟

   أخبرها أن الحل الوحيد الذي قد يخرجها من هذا المأزق هو أن تتطيعهم ولتلتقي بهذا العريس فقد يكون هو نقطة الأمل التي تمنحها حياة أفضل ويوافق على استكمال دراستها وتحقيقها لأحلامها، تمنت ذلك ولكن أتظل أحلامها كلها معلقة برجل إن شاء حققها وإن شاء في لحظة دمرها؟! لما يكون مستقبلها بيد شخص آخر غيرها؟! لما عليها أن تقبل أن تدر حياتها في فلك شخص آخر؟! رجل لا تعرف عنه شيئاً أصبح بين ليلة وضحاها هو الآمر الناهي في حياتها وعليها أن تطيع وترضى!

    أسئلة كلها دارت في ذهن صباح لازالت تبحث لها عن اجابة حتى اليوم بعد أن تزوجت وأنجبت ولم يكن لها الخيار حتى في أسماء من أنجبتهم، واليوم أتى زوجها بعريس لابنتهم وهي لازالت بعد أيضاً طالبة في الجامعة تحلم بمستقبل وطموحات مشرقة تعرف صباح جيداً أنه سيتم وأدها، ولكنها لأول مرة أخذت قرارها، لن تدع ابنتها تحيا مآساتها، لن ترى ابنتها تذرف الدموع أمامها وتقنع نفسها كذباً أنها دموع الفرح، لم تقاتل لأجل نفسها يوماً ولكنها اليوم ستقاتل –ولو الدنيا بأسرها- لأجل ابنتها.