مصر ودورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط

بقلم: سارة الليثي

تقام في هذه الأونة الدورة الثامنة عشر من ألعاب البحر الأبيض المتوسط في مدينة تراجوتا بأسبانيا، والتي تشارك فيها المنتخبات المصرية في مختلف الألعاب الرياضية، ولكن علاقة مصر بدورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط لا تقوم فقط على المشاركة، بل إن مصر هي صاحبة المبادرة في اقامة هذه الدورة حين اقترح فكرتها رئيس اللجنة الأولمبية المصرية “محمد طاهر” باشا أثناء دورة الألعاب الأوليمبية الصيفية لعام 1948، لذا كان من الطبيعي أن تستضيف مصر أول دورة في الإسكندرية عام 1951.

   وقد تشكلت لجنة مصرية لتنظيم هذه الدورة الوليدة برئاسة مقترح فكرتها طاهر باشا، وافتتحها الملك فاروق، وشارك فيها 969 رياضياً ورياضية يمثلون 10 دول في 11 لعبة، هي: أسبانيا وفرنسا وإيطاليا ويوغسلافيا واليونان وتركيا وسوريا ولبنان ومالطة وموناكو بالإضافة إلى مصر، واستغرق حفل الافتتاح في استاد الإسكندرية 22 دقيقة واحتلت فرنسا صدارة الدورة وجاءت ايطاليا في المرتبة الثانية ومصر المضيفة في الثالثة، والدورة تضم حالياً 23 دولة، هي: الجزائر ومصر وليبيا والمغرب وتونس ولبنان وسوريا وتركيا وألبانيا وأندورا والبوسنة والهرسك وكرواتيا وفرنسا واليونان وايطاليا ومالطة وموناكو وجبل طارق وسان مارينو وصربيا وسلوفينيا وأسبانيا وقبرص.

     وأغلب الدول هي دول مطلة على البحر الأبيض المتوسط ما عدا أندورا وصربيا وسان مارينو، حيث انها دول مستقلة حديثاً نسبياً وكانت تشارك في الألعاب قبل الاستقلال باعتبارها مطلة على البحر الأبيض المتوسط مع الدول المسيطرة عليها ولم تتوقف عن الاشتراك بعد أن نالت استقلالها، وتنظم الدورة اللجنة الدولية لألعاب البحر الأبيض المتوسط كل أربع سنوات، وقد جرت العادة في البداية على أن تسبق دورة الألعاب الأولمبية بعام ولكن منذ عام 1993 أصبحت تنظم في العام الذي يلي الألعاب الأوليمبية.

     وعلى الرغم من أن مصر هي مقترحة الدورة إلا انها لم تنظمها سوى مرة واحدة في الدورة الإفتتاحية بينما هناك عدة دول نظمتها أكثر من مرة في أكثر من مدينة بها، فأسبانيا المضيفة للدورة الحالية نظمتها مرتين سابقتين عام 1955 في مدينة برشلونة وعام 2005 في مدينة المرية، وأيضاً نظمت إيطاليا الدورة ثلاث مرات عام 1963 في مدينة نابولي وعام 1997 في مدينة باري وعام 2009 في مدينة بيسكارا، بينما تونس نظمتها مرتين في مدينة تونس عامي 1967 و2001.

    وكان من نصيب تركيا عام 1971 في مدينة أزمير والدورة السابقة عام 2013 في مدينة مرسين، ومن المقرر أن الدورة القادمة لعام 2021 تنظمها الجزائر في مدينة وهران وقد سبق لها تنظيم دورة عام 1975 في مدينة الجزائر، بينما الدول التي حظت بتنظيم الدورة مرة واحدة فقط كمصر فهي: لبنان عام 1959 في مدينة بيروت، وكرواتيا عام 1979 في مدينة سبليت، والمغرب عام 1983 في مدينة الدار البيضاء، وسوريا عام 1987 في مدينة اللاذقية، واليونان عام 1991 في مدينة أثينا، وفرنسا عام 1993 في منطقة لنكدوك- روسيون.

      وقد شاركت مصر في كافة دورات الألعاب ما عدا الدورة المقامة في عام 1967 في مدينة تونس والتي وافقت عام هزيمة النكسة، وكانت أكثر الدورات التي حظت فيها بميداليات هي الدورة الأولى التي نظمتها عام 1951 بـ66 ميدالية 22 ذهبية و26 فضية و18 برونزية، والدورة الأخيرة السابقة لعام 2013 التي نظمتها تركيا بـ67 ميدالية 21 ذهبية و22 فضية و24 برونزية، ومجموع الميداليات التي حظت بها مصر في تلك الألعاب 522 ميدالية 124 ذهبية و183 فضية و215 برونزية، بالاضافة إلى 74 ميدالية أحرزتهم مصر بالاشتراك مع سوريا عندما اندمجا في الجمهورية العربية المتحدة وشاركا كدولة واحدة في دورة بيروت عام 1959.

   ولا زالت انجازاتنا متلاحقة في دورات ألعاب البحر الأبيض المتوسط المقامة حالياً، حيث وصل عدد الميداليات التي حصلنا عليها حتى الآن 30 ميدالية 11 ذهبية و8 فضية و11 برونزية، ولازالت المنافسات مستمرة حتى الأول من يوليو القادم.

الإعلانات

محمد عبده .. رائد الإصلاح في العصر الحديث

كتبت: سارة الليثي

   لم يكن الشيخ محمد عبده مجرد مصلح ديني حفزته الأوضاع الدينية المتردية التي طغت على الدين الحقيقي إلى الكشف عنها، ومحاولة إزالة الغبار الذي تراكم على المفاهيم الدينية الصحيحة على مدى قرون التخلف والإنحطاط الفكري، ولو كان هذا شأن “محمد عبده” لكفاه ذلك فضلاً وشرفاً. ولكن “محمد عبده” كان بالإضافة إلى ذلك علماً من أعلام الفكر بالمعنى الواسع لهذا المصطلح، وكان على يقين من أن قضية إصلاح الفكر الديني لا تنفصل عن قضية إصلاح الفكر بصفة عامة، فكلاهما يؤثر في الآخر إيجاباً أو سلباً.

وكان الفكر الإسلامي في مصر ومركزه الأزهر الشريف قبل ظهور الشيخ “محمد عبده”، قد توقف عن الإجتهاد وتجمد على ماوصل من فكر القرون الماضية دون أن يضيف إليه، وكانت المؤلفات التي تصدر عن علماء الأزهر تتسم يالتزمت وضيق الأفق، والعناية باللفظ أكثر من المعنى، ولم تكن تقدم جديداً، بل كانت تدور حول ماسبقها في حلقة لا نهاية لها من شروح للمتون (الكتب الأصلية)، وشروح للشروح، وهكذا في دائرة تتسع، ولكن لا تخرج عما قدمه السابقون.

 ومن هنا إتجهت همة الشيخ “محمد عبده” إلى ربط الدين بالحياة عن طريق استخدام العقل في فهم الإسلام والقرآن، مخالفاً في ذلك علماء الإسلام في عصره، الذين تعودوا التضييق على الناس فيما وسع الله لهم فيه، وتحريم ما أحل الله. وقد ولد الإمام “محمد عبده” في عام (1266هـ / 1849م) لآب تركماني الأصل وأم مصرية تنتمي إلى قبيلة (بني عدي) العربية، ونشأ في قرية صغيرة في ريف مصر هي قرية محلة نصر التابعة لمحافظة البحيرة.

وكانت أسرة محمد عبده تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وقد تعلم القراءة والكتابة في منزل والده، ثم انتقل إلى دار حفظ القرآن فحفظه خلال عامين، وعندما شبَّ أرسله أبوه إلى “الجامع الأحمدي”- جامع السيد البدوي- بطنطا، ليجوّد القرآن بعد أن حفظه،  ويدرس شيئًا من علوم الفقه واللغة العربية، وكان محمد عبده في نحو الخامسة عشرة من عمره، وقد استمر يتردد على “الجامع الأحمدي” قريبًا من العام ونصف العام، إلا أنه ارتطم بطريقة التعليم التي تفرض عليه حفظ نص الآجرومية وشرحها.

 فقضى سنة ونصف كما يقول: «لا أفهم شيئا…»، لم يستطع أن يتجاوب مع المقررات الدراسية أو نظم الدراسة العقيمة التي كانت تعتمد على المتون والشروح التي تخلو من التقنين البسيط للعلوم، وتفتقد الوضوح في العرض، وإثر ذلك هرب عدة مرات وعمل بالزراعة، ثم التقى بالشيخ الصوفي “درويش خضر”- خال أبيه- الذي كان له أكبر الأثر في تغيير مجرى حياته. حيث استطاع أن يعيد الثقة إلى محمد عبده، بعد أن شرح له بأسلوب لطيف ما استعصى عليه من تلك المتون المغلقة.

 وتصوفه المنفتح لم يمنعه من توجيهه إلى تعلم الحساب والهندسة والمنطق وعلوم الحياة، فاقبل على القراءة والإطلاع والعلم، ومن ثم عاد إلى الجامع الأحمدي بروح جديدة فوجد نفسه كما يقول: «أفهم ما أقرأ وما أسمع»، لقد صار “محمد عبده” شيخًا ومعلمًا لزملائه يشرح لهم ما غمض عليهم قبل موعد شرح الأستاذ. وهكذا تهيأ له أن يسير بخطى ثابتة على طريق العلم والمعرفة بعد أن عادت إليه ثقته بنفسه، ثم انتقل من الجامع الأحمدي إلى الجامع الأزهر فدرس الفقه والحديث والتفسير واللغة والنحو والبلاغة، وغير ذلك من العلوم الشرعية واللغوية.

 ولم يكن رأي محمد عبده في الجامع الأزهر خيراً من رأيه في الجامع الأحمدي لعقم أساليبه التعليمية، وظل 4 أعوام يقرأ دروس الأزهر المقررة، و يعتمد على نفسه في علوم الدنيا التي لا يدرسها الأزهر، وهي المنطق والرياضيات و الهندسة والفلسفة، ومنذ وصول جمال الدين الأفغاني إلى مصر 1871 التقاه محمد عبده ولازمه كظله، فأخرجه من حياة العزلة إلى دراسة العلوم الحديثة كالفلسفة والرياضيات والأخلاق والسياسة والفن وغير ذلك مما لم يكن مألوفا في مناهج الأزهر.

 وبدأ محمد عبده الكتابة باسمه في جريدة الأهرام وعمره يومئذ سبعة وعشرون عاما. وبعد تخرجه في الأزهر 1877  مارس التدريس فيه، وقرأ لطلابه المنطق والفلسفة والتوحيد وتهذيب الأخلاق لمسكويه وتاريخ المدنية في أوروبا وفرنسا لفرانسوا جيزو، ثم عمل مدرساً للتاريخ في دار العلوم عام 1295 هـ – 1838 م، وقرأ لطلابه فيها مقدمة ابن خلدون، وألف كتابا في علم الاجتماع والعمران، وعين مدرسا للعلوم العربية في “مدرسة الألسن”، كما اتصل بالحياة العامة. وساهمت انتقاداته في تأسيس المجلس الأعلى للمعارف.

   وعندما اشتعلت الثورة العرابية سنة (1299هـ – 1882م) انضم محمد عبده إلى المؤيدين للثورة، وأصبح واحدًا من قادتها وزعمائها، فتم القبض عليه، وأودع السجن ثلاثة أشهر، ثم حُكم عليه بالنفي لمدة ثلاث سنوات. فانتقل إلى بيروت حيث أقام بها نحو عام، ثم ما لبث أن دعاه أستاذه الأفغاني للسفر إليه في باريس حيث منفاه، واستجاب “محمد عبده” لدعوة أستاذه حيث اشتركا معًا في إصدار مجلة “العروة الوثقى” التي صدرت من غرفة صغيرة متواضعة فوق سطح أحد منازل باريس.

   واستطاع الإنجليز إخماد صوت “العروة الوثقى” الذي أضج مضاجعهم وأقلق مسامعهم، فاحتجبت بعد أن صدر منها ثمانية عشر عددا في ثمانية أشهر، وعاد الشيخ “محمد عبده” إلى بيروت بعد أن تهاوى كل شيء من حوله، فقد فشلت الثورة العرابية، وأغلقت جريدة “العروة الوثقى”، وابتعد عن أستاذه الذي رحل بدوره إلى “فارس”. وكان على “محمد عبده” أن يشغل وقته بالتأليف والتعليم، فشرح “نهج البلاغة” ومقامات “بديع الزمان الهمذاني”، وأخذ يدرس تفسير القرآن في بعض مساجد “بيروت”.

عاد محمد عبده إلى مصر على ألا يشتغل بالسياسة، فاتجه الى الأصلاح، وكان سبيله إلى ذلك إصلاح الأزهر والمدرسة الدينية وإقامة الجمعيات الخيرية. وعين قاضياً في المحاكم الشرعية في محكمة بنها، ثم الزقازيق، ثم عابدين، ثم عين مستشارًا في محكمة الاستئناف. وبدأ يتعلم اللغة الفرنسية وهو قاضٍ في “عابدين”- وكانت سنه حينئذ قد شارفت على الأربعين- حتى تمكن منها، فاطلع على القوانين الفرنسية وشروحها، وترجم كتابًا في التربية من الفرنسية إلى العربية. وفي عام (1317هـ – 1899م) تم تعيينه مفتيًا للبلاد.

ولكن علاقته بالخديوي عباس كان يشوبها شيء من الفتور، الذي ظل يزداد على مر الأيام، خاصة بعدما اعترض على ما أراده الخديوي من استبدال أرض من الأوقاف بأخرى له إلا إذا دفع الخديوي للوقف عشرين ألف فرقًا بين الصفقتين. وتحول الموقف إلى عداء سافر من الخديوي، فبدأت المؤامرات والدسائس تُحاك ضد الإمام الشيخ، وبدأت الصحف تشن هجومًا قاسيًا عليه لتحقيره والنيل منه، ولجأ خصومه إلى العديد من الطرق الرخيصة والأساليب المبتذلة لتجريحه وتشويه صورته أمام العامة.

 اضطر الامام محمد عبده في النهاية إلى الاستقالة من الأزهر في سنة (1323هـ – 1905م)، وإثر ذلك أحس الشيخ بالمرض، واشتدت عليه وطأة المرض، الذي تبيّن أنه السرطان، وما لبث أن تُوفي بالإسكندرية في (8 من جمادى الأولى 1323 هـ = 11 من يوليو 1905م) عن عمر بلغ ستة وخمسين عامًا.

شمس السينما المصرية التي لا تغيب

كتبت: سارة الليثي

    منذ دخول السينما مصر كان النصيب الأكبر في النجومية يحظى به العنصر الذكوري فبطل الفيلم هو محور الحدث وهو نجم الشباك الذي يشتري الجمهور التذاكر خصيصاً لمشاهدته والبطلة عادة ما تكون عنصر مساعد فقط حيث ينسب الفيلم لبطله لا للبطلة، حتى ظهرت من كسرت تلك القاعدة لتكون نجمة الشباك الأولى التي يسعى كل الجمهور لمشاهدة الفيلم لأجلها هي لا لأجل البطل:

مولدها

   ولدت الفنانة الكبيرة “فاتن حمامة” في 27 مايو عام 1931، في مدينة المنصورة بمحافظة الدقهلية وذلك حسب سجلها المدني لكنها وحسب تصريحاتها ولدت في حي عابدين في القاهرة. وكان والدها موظفاً في وزارة التعليم. وقد ذكرت الفنانة “فاتن حمامة”، في أحدى الحوارات الصحفية لها، أن أسمها له حكاية لطيفة معها، حيث كان لأخيها “منير” الذي يكبرها بعامين عروسة أطلق عليها أسم «فاتن»، وكان اسمًا نادرًا في ذلك الوقت. وعندما ولدت ظل والديها حائرين في اختيار اسم لها وفجأة جاء أخيها “منير” إلى فراشها ووضع العروسة بجوارها كهدية منه لها، وعلى الفور أطلقت والدتها اسم العروسة عليها.

نشأتها

   ارتبطت “فاتن حمامة” مع والدها بعلاقة مميزة حيث كانت موضع إعجابه فكان يراها ابنة مختلفة وينتظرها مستقبل جيد، وكان يردد ذلك دائمًا وسط دهشة الجميع من كلامه بما فيهم أمها نفسها. وقد بدأ ولعها بعالم السينما في سن مبكرة عندما كانت في السادسة من عمرها حيث أخذها والدها معه لمشاهدة فيلم في إحدى دور العرض في مدينتها وكانت الممثلة “آسيا داغر” تلعب دور البطولة في الفيلم المعروض، وعندما بدأ جميع من في الصالة بالتصفيق لآسيا داغر قالت لوالدها إنها تشعر بأن الجميع يصفقون لها ومنذ ذلك اليوم بدأ ولعها بعالم السينما.

 درست في معهد التمثيل، وتخرجت ضمن دفعته الأولي عام 1946، التي ضمت فريد شوقي“، “حمدي غيث“، “شكري سرحان“، وكانت أصغرهم سنًا.

مشوارها الفني

  ظهرت فاتن حمامة على شاشة السينما للمرة الأولى حين اختارها المخرج “محمد كريم” مخرج أفلام عبدالوهاب، لتشارك بدور صغير فى فيلم “يوم سعيد” الذي عرض فى 15 يناير 1940، وكان «كريم» قد نشر إعلانا فى الصحف عن حاجته إلى طفلة صغيرة، فأرسل والد “فاتن” صورتين لابنته بعد فوزها بمسابقة أجمل طفلة في مصر؛ فلفتت براءتها فى الصورة انتباه المخرج الذى بهر بذكائها ورقتها حين استدعاها لمقابلته، وأعاد كتابة السيناريو ليزيد من حجم دور الطفلة “أنيسة”. وأصبح المخرج “محمد كريم” مقتنعاً بموهبة الطفلة فقام بإبرام عقد مع والدها ليضمن مشاركتها في أعماله السينمائية المستقبلية.

  وبعد 4 سنوات استدعاها نفس المخرج مرة ثانية للتمثيل أمام “محمد عبد الوهاب في فيلمرصاصة في القلب(1944)، ومع فيلمها الثالث “دنيا” (1946) استطاعت تثبيت قدمها في السينما المصرية، وانتقلت العائلة إلى القاهرة تشجيعًا منها للفنانة الناشئة، ولاحظ الفنان الكبير “يوسف وهبي” موهبتها وطلب منها تمثيل دور ابنته في فيلم “ملاك الرحمة” 1946. وبهذا الفيلم دخلت مرحلة جديدة في حياتها وهي الميلودراما وكان عمرها آنذاك 15 سنة فقط وبدأ اهتمام النقاد والمخرجين بها. واشتركت مرة أخرى في التمثيل إلى جانب “يوسف وهبي” في فيلم “كرسي الاعتراف” 1949.

 وفي نفس السنة قامت بدور البطولة في الفيلمين “اليتيمتين” و”ست البيت” 1949، وحققت هذه الأفلام نجاحا عاليا على صعيد شباك التذاكر. وفي عام 1947 تزوجت من المخرج “عز الدين ذو الفقار” أثناء تصوير فيلم “أبو زيد الهلالي” 1947، وأسسا معًا شركة إنتاج سينمائية قامت بإنتاج فيلم “موعد مع الحياة” (1954) (وكان هذا الفيلم سبب إطلاق النقاد لقب سيدة الشاشة العربية عليها). وكانت الخمسينيات بداية ما سمي العصر الذهبي للسينما المصرية، وكان التوجه العام في ذلك الوقت نحو الواقعية وخاصة على يد المخرج “صلاح أبو سيف“.

   وقد قامت “فاتن حمامة” بدور البطولة في فيلم “لك يوم يا ظالم” (1952) الذي اعتبر من أوائل الأفلام الواقعية واشترك هذا الفيلم في مهرجان كان السينمائي. وكذلك اشتركت في أول فيلم للمخرج “يوسف شاهين” “بابا أمين” (1950) ثم في فيلم صراع في الوادي (1954) الذي كان منافسا رئيسيا في مهرجان كان السينمائي. كذلك اشتركت في أول فيلم للمخرج كمال الشيخ “المنزل رقم 13الذي يعتبر من أوائل أفلام اللغز أو الغموض. وظلّت منذ ذلك اليوم وإلى آخر أعمالها: مسلسل “وجه القمر” (2000) صاحبة أعلى أجر على صعيد الفنانات.

 ويرى معظم النقاد أنها وصلت إلى مرحلة النضج الفني مع فيلمدعاء الكروان” (1959) هذا الفيلم الذي اختير كواحد من أحسن ما أنتجته السينما المصرية وكانت مستندة على رواية لعميد الأدب العربي طه حسين، وكانت الشخصية التي قامت بتجسيدها معقدة جدًا من الناحية النفسية، ومن هذا الفيلم بدأت بانتقاء أدوارها بعناية فتلى هذا الفيلم فيلمنهر الحب” (1960) الذي كان مستندًا على رواية ليوتولستوي الشهيرةآنا كارنيناوفيلم “لا تطفئ الشمس” (1961) عن رواية إحسان عبد  القدوس وفيلم “لا وقت للحب” (1963) عن رواية يوسف إدريس.

 وقد صاحب عودتها للعمل الفني بعد غياب طويل ضجة إعلامية، حيث شاركت عام 2000 في المسلسل التلفزيوني  “وجه القمر والذي عرض على 24 قناة فضائية ومحطة تلفزيونية عربية والذي انتقدت فيه العديد من السلبيات بالمجتمع المصري من خلال تجسيدها شخصية مذيعة كبيرة بالتليفزيون، وكان المسلسل يتعاطف مع الانتفاضة الفلسطينية عبر مشاهدة أبطال المسلسل للأحداث على أرض فلسطين في شاشات التلفزيون وتأييدها، خصوصًا عبر تعليقات المذيعة ابتسام البستاني (التي تقوم بدورها الفنانة فاتن حمامة) حول الانتفاضة وتجار السلاح.

  وقد تم اختيار “فاتن حمامة” كأحسن ممثلة ومسلسل وجه القمر كأحسن مسلسل. وقدمت الفنانة “فاتن حمامة” ما يزيد على 103 أفلام، آخرها “أرض الأحلام”، كما شاركت بالفيلم الأمريكي “القاهرة”،  وقدمت دوراً مميزاً حفر فى ذاكرة التاريخ بمسلسل “ضمير أبلة حكمت”، الذى أنتج عام 1991، إضافة إلى مسلسل إذاعى وحيد

زواجها من عمر الشريف

 

  ترجع قصة لقائها بـ”عمر الشريف” والذي كان اسمه آنذاك “ميشيل شلهوب” إلى اعتراضها على مشاركة “شكري سرحان” البطولة معها في فيلم المخرج “يوسف شاهين” “صراع في الوادي” فقام “شاهين” بعرض الدور على صديقه وزميل دراسته “عمر الشريف” حيث كان “الشريف” زميل دراسته بكلية فيكتوريا بالإسكندرية، وكان في ذلك الوقت يعمل في شركات والده بتجارة الخشب؛ فوافقت “فاتن حمامة” على الممثل الشاب، وأثناء تصوير هذا الفيلم حدث الطلاق بينها وزوجها “عز الدين ذو الفقار” عام 1954 بعد أن أنجبت منه ابنتهما “نادية”.

  وكانت “فاتن حمامة” مشهورة برفضها أي مشهد أو لقطة فيها قبلة ولكن سيناريو الفيلم “صراع في الوادي” كان يحتوي على قبلة بين البطلين، ووسط دهشة الجميع وافقت على اللقطة. بعد الفيلم أشهر عمر الشريف إسلامه وتزوج منها عام 1955 واستمر زواجهما إلى عام 1974 والذي أثمر عن نجلهما “طارق”. واستناداً إليها في أحد المقابلات الصحفية فإن علاقتها بذو الفقار تدهورت لأنها اكتشفت أن علاقتها معه كانت علاقة تلميذة مبهورة بحب الفن وإنجذبت لأستاذ كبير يكبرها بأعوام عديدة. وأنها كانت سعيدة مع الشريف وكانت تعيش في حلم لا تريده أن ينتهي، ولكن الشائعات من جهة وكونها كانت “شديدة الغيرة عليه” هو ما أدى إلى استحالة استمرار الزواج.

نشاطها السياسي

  اضطرت “فاتن حمامة” لمغادرة مصر من عام 1966 إلى 1971 احتجاجًا لضغوط سياسية تعرضت لها، حيث كانت خلال تلك السنوات تتنقل بين بيروت ولندن، وكان السبب الرئيسي وعلى لسانها “ظلم الناس وأخذهم من بيوتهم ظلماً للسجن في منتصف الليل، وأشياء عديدة فظيعة ناهيك عن موضوع تحديد الملكية”، وقد تعرضت إلى مضايقات من المخابرات المصرية حيث طلبوا منها “التعاون معهم” ولكنها امتنعت عن التعاون بناءً على نصيحة من صديقها “حلمي حليم” “الذي كان ضيفهم الدائم في السجون”.

   ولكن امتناعها عن التعاون أدى بالسلطات إلى منعها من السفر والمشاركة بالمهرجانات، ولكنها استطاعت ترك مصر بعد تخطيط طويل. وأثناء فترة غيابها طلب الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر من مشاهير الكتاب والنقاد السينمائيين إقناعها بالعودة إلى مصر، ووصفها بأنها “ثروة قومية”. وكان قد منحها وسامًا فخريًا في بداية الستينيات، ولكنها لم ترجع إلى مصر إلا في عام 1971 بعد وفاة “عبد الناصر“. وعند عودتها بدأت بتجسيد شخصيات نسائية ذات طابع نقدي وتحمل رموزًا ديمقراطية كما حدث في فيلم “إمبراطورية ميم ” (1972).

 وحصلت عند عرض ذلك الفيلم في مهرجان موسكو على جائزة تقديرية من اتحاد النساء السوفيتي وكان فيلمها التالي “أريد حلا” (1975) نقدًا لاذعًا لقوانين الزواج والطلاق في مصر. وبعد الفيلم قامت الحكومة المصرية بإلغاء القانون الذي يمنع النساء من تطليق أزواجهن، وبالتالي سمحت بالخلع.

جوائزها

  نالت جائزة وزارة الشئون الإجتماعية كأفضل ممثلة لعام 1951 عن فيلم “أنا الماضى”، فيما حصلت على وسام الإبداع من الدرجة الأولى من رئيس الوزراء اللبنانى الأمير “خالد شهاب” 1953، وأفضل ممثلة من المركز الكاثوليكى، وأفضل ممثلة من وزارة الإرشاد للأفلام 1955، وأفضل ممثلة من وزارة الإرشاد 1961، وأفضل ممثلة مصرية 1958-1963، وأفضل ممثلة من مهرجان جاكرتا 1963 عن فيلم “الباب المفتوح”، وأيضاً في نفس العام حصلت على جائزة أحسن ممثلة عن الفيلم السياسي “لا وقت للحب” .

 وعام 1965 حازت على لقب أفضل ممثلة عن فيلم “الليلة الماضية”. ووسام الجمهورية من الدرجة الأولى للفن من الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر” 1965. وحصلت أيضا على تكريم وسام الدولة من الدرجة الأولى من الرئيس الراحل “محمد أنور السادات” خلال مهرجان الفن الأول 1976، كما نالت جائزة أفضل ممثلة من مهرجان طهران 1972، وجائزة من مهرجان الاتحاد السوفيتى 1973، ودبلوم الشرف من مهرجان طهران الدولى 1974، وجائزة التميز فى الأفلام المصرية 1976. فيما حصدت جائزة أفضل ممثلة في مهرجان القاهرة الدولى 1977، وجائزة تقديرية من “أنور السادات” 1977.

 وعام 1983 حصلت على جائزة من مهرجان موسكو فى الاتحاد السوفيتي، وجائزة الاستحقاق اللبناني لأفضل ممثلة عربية عن فيلم “ليلة القبض على فاطمة” 1984. وحصلت عنه أيضاً على جائزة الاعتراف وجائزة إنجاز العمر من منظمة الفن السينمائى 1984، وجائزة أفضل ممثلة من مهرجان قرطاج السينمائى الدولى. وفى عام 1991 حصلت على جائزة الإنجاز الفنى من مهرجان القاهرة الدولى، وجائزة الإنجاز مدى الحياة مهرجان مونبليه السينمائى 1993. وفي عام 1996 أثناء احتفال السينما المصرية بمناسبة مرور 100 عام على نشاطها تم اختيارها كأفضل ممثلة وتم اختيار 18 من أفلامها من ضمن 150 فيلمًا من أحسن ما أنتجته السينما المصرية.

  وحصلت على شهادة الدكتوراه الفخرية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1996، وحصلت على جائزة فخرية من مهرجان الإذاعة والتليفزيون 2001. وقد تم اختيارها عضوة في لجان التحكيم في مهرجانات موسكو وكان والقاهرة والمغرب والبندقية وطهران والإسكندرية وجاكرتا. كما حصلت على جائزة الإنجاز مدى الحياة باعتبارها نجمة القرن فى السينما المصرية فى مهرجان الإسكندرية السينمائي الدولى 2001 وأيضاً حصلت في نفس العام على جائزة المرأة العربية الأولى. وفي عام 2004 حصلت على جائزة تقديرية من أول سالا مهرجان الفيلم الدولى فى المغرب، لمساهمتها فى قضايا المرأة من خلال مسيرتها الفنية.

  وأيضاً قد حصلت على ميدالية الشرف من قبل “إميل لحود“. وحصلت على شهادة الدكتوراه الفخرية من الجامعة الأمريكية ببيروت‏ عام 2013. وغيرها من التكريمات آخرها كان تكريمها في عيد الفن 2014 عن تاريخها ومشوارها الفنى.

وفاتها

  توفيت الفنانة “فاتن حمامة” الساعة الخامسة مساء السبت 17 يناير 2015، في منزلها بالتجمع الخامس، في منتجع القطامية، وذلك بعد هبوط مفاجئ في الدورة الدموية وفارقت الحياة قبل نقلها من المنزل إلى أي مستشفى،  عن عمر ناهز 84 عاما، وكان بجوارها زوجها الدكتور “محمد عبد الوهاب”، وكانت قد تعرضت لأزمة صحية قبلها بأسابيع ونقلت على أثرها لمستشفى دار الفؤاد ولكنها خرجت بعد ساعات.