الإمام أبو حنيفة النعمان …. إمام أهل السنة

كتبت: سارة الليثي

    ولد “أبو حنيفة النعمان” بالكوفة سنة 80 هـ من أسرة فارسية، وسمي “النعمان” تيمناً بأحد ملوك الفرس، وما لبث أن شب على حب العلم والمعرفة فانطلق يرتاد حلقات العلماء في مسجد الكوفة.. يتدارس فيها أصول العقائد والأحاديث النبوية الشريفة والفقه وتفسير القرآن الكريم .. ودرس على عدة شيوخ في مسجد الكوفة ثم استقر عند شيخ واحد فلزمه.. حتى إذا ما ألم بالشيخ ما جعله يغيب عن الكوفة، نصب “أبا حنيفة” شيخاً على الحلقة حتى يعود..

    وكانت نفس “أبي حنيفة” تنازعه أن يستقل هو بحلقة، ولكنه عندما جلس مكان أستاذه سئل في مسائل لم تعرض له من قبل، فأجاب عليها وكانت ستين مسألة. وعندما عاد شيخه عرض عليه الإجابات، فوافقه على أربعين، وخالفه في عشرين.. فأقسم “أبو حنيفة” ألا يفارق شيخه حتى يموت. ومات الشيخ و”أبو حنيفة” في الأربعين، فأصبح “أبو حنيفة” شيخاً للحلقة وكان قد دارس علماء آخرين في رحلات  إلي البصرة وإلي مكة والمدينة خلال الحج والعمرة، وأفاد من علمهم، وبادلهم الرأي، ونشأت بينه وبين بعضهم مودات، كما انفجرت خصومات.

   ووزع وقته بين التجارة والعلم.. وأفادته التجارة في الفقه، ووضع أصول التعامل التجاري على أساس وطيد من الدين، وعلى الرغم من أنه كان يكسب أرباحاً طائلة، فقد كان لا يكنز المال.. فهو ينفق أمواله على الفقراء من أصدقائه وتلاميذه. ويحتفظ بما يكفيه لنفقة عام ويوزع الباقي على الفقراء والمعسرين، وكان يدعو أصحابه إلي الاهتمام بمظهرهم فقد كان إذا قام للصلاة لبس أفخر ثيابه وتعطر، لأنه سيقف بين يدي الله. ورأى مرة أحد جلسائه في ثياب رثة، فدس في يده ألف درهم وهمس: أصلح بها حالك.

    فقال الرجل: لست احتاج إليها وأنا موسر وإنما هو الزهد في الدنيا. فقال “أبو حنيفة”: أما بلغك الحديث: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده؟ وكان شديد التواضع، كثير الصمت، يقتصد في الكلام، وإذا أغلظ إليه أحد أثناء الجدال صبر عليه. وكان مخالفوه في الرأي يغرون به السفهاء والمتعصبين ويدفعونهم إلي اتهامه بالكفر، وإلي التهجم عليه، فيقابلهم بالابتسام. ولقد ظل أحد هؤلاء السفهاء يشتمه، فلم يتوقف الإمام ليرد عليه، وعندما فرغ من درسه وقام، ظل السفيه يطارده بالسباب.

    حتى إذا بلغ داره توقف عند باب الدار قائلاً للسفيه: “هذه داري فأتم كلامك حتى لا يبقى عندك شيء أو يفوتك سباب فأنا أريد أن أدخل داري“..! ، وعندما وقع خلاف بين الخليفة المنصور وزوجته لأنه أراد أن يتزوج عليها، أراد أن يحتكما إلي فقيه، فرفضت الزوجة الاحتكام إلي قاضي القضاة ابن أبي ليلى أو إلي تابعه شبرمة أو إلي أحد الفقهاء من بطانة المنصور! وطلبت “أبا حنيفة”. وعندما حضر “أبو حنيفة” أبدى الخليفة رأيه أن من حقه الزواج لأن الله أحل للمسلم الزواج بأربع، والتمتع بمن يشاء من الإماء مما ملكت يمينه.

    فرد “أبو حنيفة”: “إنما أحل الله هذا لأهل العدل، فمن لم يعدل فواحدة. قال الله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً}(النساء،الآية:3). فينبغي علينا أن نتأدب بأدب الله ونتعظ بمواعظه”. وضاق الخليفة بفتواه، ولكنه أخذ بها وخرج “أبو حنيفة” إلي داره. فأرسلت له زوجة الخليفة خادماً ومعه مال كثير وأحمال من الثياب الفاخرة النادرة وجارية حسناء وحمار مصري فاره هدايا لأبي حنيفة. فقال “أبو حنيفة” للخادم: “أقرئها سلامي، وقل لها إني ناضلت عن ديني وقمت بذلك المقام لوجه الله، لم أرد بذلك تقرباً إلي أحد ولا التمست به دنيا”، ورد الجارية الحسناء والثياب والمال والحمار المصري جميعاً.

   وكان للإمام “أبو حنيفة” آراء اجتهادية سبقت عصره فقد أنصف المرأة في عصر بدأت المرأة فيه تتحول إلي حريم للمتاع؛ فأفتى بأن للبالغة أن تزوج نفسها وهي حرة في اختيار زوجها. كما أفتى بعدم جواز الحجر على أحد، لأن في الحجر إهداراً للآدمية وسحقا للإرادة.. وأفتى بعدم جواز الحجر على أموال المدين، حتى لو استغرقت الديون كل ثروته. لأن في هذا مصادرة لحريته.. وفي كل أمر من أمور الحياة تتعرض فيه حرية الإنسان لأي قيد، أفتى الإمام “أبو حنيفة” باحترام الحرية وكفالتها.

  لقد أفتى بكل ما ييسر الدين والحياة على الإنسان فذهب إلي أن الشك لا يلغي اليقين، وضرب لذلك مثلاً بأن من توضأ ثم شك في أن حدثاً نقض وضوءه، ظل على وضوئه، فشكه لا يضيع يقينه. وكانت آراؤه وفتواه تلك توغر صدور الفقهاء المتزمتون ذوي العقول المتحجرة فيوغروا صدور الخلفاء والحكام عليه، مما كان يجعله دائماً عرضة لغضب الحكام والخلفاء، ولكنه لم يتراجع يوماً عما يراه حقاً ولم يخاف في الحق لومة لائم، مما أدى لسجنه في أواخر عمره وهو شيخاً في السبعين من عمره.

    وظل في سجنه يعرضون عليه الجاه والمنصب والمال فيأبى.. ويعذب من جديد! وتدهورت صحته، وأشرف على الهلاك. وخشي معذبوه أن يخرج فيروي للناس ما قاسى في السجن، فيثور الناس!. وقرروا أن يتخلصوا منه فدسوا له السم. وأخرجوه وهو يعاني سكرات الموت، وما عاد يستطيع أن يروي لأحد شيئا بعد!! وحين شعر بأنها النهاية أوصى بأن يدفن في أرض طيبة لم يغتصبها الخليفة أو أحد رجاله. وهكذا مات فارس الرأي الذي عرف في السنوات الأخيرة من حياته باسم الإمام الأعظم.

    وشيع جنازة الامام الأعظم خمسون ألفا من أهل العراق، واضطر الخليفة أن يصلي على الإمام الذي استقر إلي الأبد في جوار ربه، والخليفة يهمهم: “من يعذرني من أبي حنيفة حياً وميتاً؟“.

الإعلانات