مصطفى أمين .. أستاذ الصحافة الحديثة

كتبت: سارة الليثي

   “مصطفى أمين” هو أستاذ الصحافة المصرية الحديثة، وهو مؤسس جريدة “الأخبار” عام 1944م مع أخيه التوأم “علي أمين”، والتي كانت نبراساً لباقي الصحف المصرية وقائدة التطوير، وهي التي حولت اهتمام الصحف من المقالات إلى الأخبار، وظهر فيها السبق الصحفي والتحقيقات الهامة بعد أن كانت جميع الصحف المصرية تعتمد فقط على مقالات كبار الكتاب. وقد ولد “مصطفى أمين” في شهر فبراير من عام 1914م.. وبالطبع ولد “علي أمين” توأمه في نفس التاريخ.

    نشأ التوأمان في بيت خال الأم –الزعيم “سعد زغلول”- (بيت الأمة) وعاشا طفولة مثيرة.. وكانت الحكايات التي يرويها “سعد زغلول” أهم وأكثر إثارة لهما من حكايات الأطفال.. وتعلموا منه الديمقراطية والاعتماد على النفس.. وأن يفتخرا بانتمائهما للفلاحين، ويعتزوا بمصريتهما.. وانتقل التوأمان مع أسرتهما إلى دمياط، وهناك عاشا جانباً من ثورة 1919م، وشاركا فيها وكان سنهما وقتها يقترب من السابعة؛ فأقاموا مسرح في أحد الشوارع مع صديقهما “جلال الدين الحمامصي” ليقدموا من خلاله الأناشيد والأغاني التي كانوا يسمعوها في القاهرة.. وأثار الحفل إعجاب كل المشاهدين.

    وشاركا أيضاً في الثورة بطبع المنشورات مع ابن عمهما، وكان “مصطفى أمين” يشارك في صياغة هذه المنشورات، حتى إن أباه كان يعتقد أن هناك خلية ثورية هي التي تقوم بطبع هذه المنشورات.. ولم يدر بخاطره أن ولديه هما هذه الخلية الثورية.. وعندما عادا إلى القاهرة كانا يشاركان في تهريب المنشورات التي كانت تطبع في بيت الأمة، وكانا يضعاها داخل كرة القدم وجرادل الأطفال.. وكانت أول صحيفة أصدرها التوأمان “مصطفى وعلي أمين” باسم “الحقوق”، وهما لا يزالا في المرحلة الابتدائية، وكانت جريدة منزلية تحمل أخبار البيت الذي يعيشا فيه.. ولأنه بيت الأمة فقد كانت تحمل أخبار مصر كلها..

   ثم تحولوا إلى إصدار جريدتهما في المدرسة وتوزيعها على زملائهما مقابل سن ريشة جديدة للنسخة.. وأصدرا بعدها مجلات أخرى، منها: “البيان” و”حارة البابلي”، وقد ورث “مصطفى أمين” عن أمه الإصرار والصمود والعناد، وهي التي شجعته على الالتحاق بالجامعة والحصول على الشهادة الجامعية، فقد شغل موقع نائب رئيس تحرير مجلة “روز اليوسف” وهو في السابعة عشر من عمره وهو لا يزال يدرس في المرحلة الثانوية ويترأس محررين يحملون شهادات جامعية، ولم يكن يرغب في مواصلة دراسته بالجامعة.

   ولكن أمه أصرت على أن يواصل دراسته، حتى حصل على ماجستير في العلوم السياسية. وكان “مصطفى أمين” سبباً في التحاق أخيه “علي أمين” بمهنة الصحافة، فقد كان ينشر له رسائله التي يرسل له بها من لندن –أثناء دراسته الهندسة هناك- موقعة باسم “السندباد البحري” في “روز اليوسف”. وقد شجع ذلك “علي أمين” أن يلتقي بشخصيات صحفية مرموقة في لندن، ويجري عدة مقابلات صحفية مهمة هناك، وبعد عودته عملا معاً في جريدة (المصري) في منتصف عام 1934م.

   وفي الفترة من عام 1938م وحتى عام 1944م تولى “مصطفى أمين” مواقع قيادية وصحفية مؤثرة في أكثر من مكان، فقد تولى رئاسة تحرير مجلة “آخر ساعة” في أبريل 1938م، وإلى جانب ذلك رئيساً لقسم الأخبار بالأهرام ورئيساً لتحرير مجلة (الاثنين) التي كانت تصدرها دار الهلال في 1939م، بالإضافة إلى قيامه بالتدريس في قسم الصحافة بالجامعة الأمريكية في الفترة ما بين عامي 1941م و1944م، وفي نهاية 1944م أصدر “مصطفى أمين” وتوأمه “علي” جريدة “أخبار اليوم” الأسبوعية، وكان أكثر ما يميزها الخبطات الصحفية التي كانت تنفرد بها والتي كان “مصطفى أمين” وراء معظمها.

   كان “مصطفى أمين” شديد الإيمان بأهمية دور المرأة في المجتمع، وكثيراً ما كان يقول أنني مدين بكثير من أسباب نجاحي للمرأة.. ولذلك فقد كافح كثيراً من أجل حصول المرأة على كافة حقوقها، وطالب بأن تحصل المرأة على حق الانتخاب وحق الترشح ودخول البرلمان وأن تكون وزيرة. وإلى جانب ذلك كان “مصطفى أمين” صاحب العديد من الأفكار الإنسانية التي جسدها من خلال “أخبار اليوم”، مثل: مشروع ليلة القدر، وعيد الحب الذي حدد له يوم 4 نوفمبر من كل عام، وكذلك عيد الأم الذي حدد له يوم 21 مارس، وعيد الأب والذي حدد له 12 مارس من كل عام.

  وسجن “مصطفى أمين” مرات عديدة: عام 1928م قبض عليه أثناء اشتراكه في مظاهرة ضد الدكتاتورية وسقوط “محمد محمود” باشا، وقبض عليه مرة أخرى بتهمة تنظيم إضرابات في المدارس الثانوية احتجاجاً على إلغاء دستور 1923م، وصدر قرار بفصله من جميع المدارس الحكومية وحرمانه من الامتحانات.. وفي عام 1940م حكم عليه بالسجن ستة أشهر مع إيقاف التنفيذ؛ لتطاوله على ولي العهد، ويذكر أنه قبض عليه في عهد “مصطفى النحاس” عام 1951م ستة وعشرين مرة. وألقي القبض عليه أيضاً في 24 يوليو 1952م، وظل محبوساً ثلاثة أيام إلى أن أصدر مجلس قيادة الثورة بياناً يبرئه من التهم التي نسبت إليه.

   وأمضى بعد ذلك سبع سنوات في السجن من عام 1965م وحتى عام 1974م لاقى فيهم أشد أنواع التعذيب والإذلال. وقد تزوج “مصطفى أمين” من ابنة عمته “إيزيس طنطاوي” بعدما جاءت لزيارته في السجن، وكانت تعرف أنه محكوم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة.. وكان عمره خمسة وخمسين عاماً.. ومع ذلك اختارت وهي شابة أن تحبه وتتزوجه وتنتظره خمسة وعشرون عاماً.. وكانت تلعب دوراً هاماً في تهريب رسائله من داخل السجن، وتوزيعها على الذين يطيرون بها وراء الحدود.

   وتوفي “مصطفى أمين” في نفس الشهر الذي توفي فيه توأمه “علي” الذي توفي يوم 4 أبريل 1976م. فقد صعدت روح “مصطفى أمين” إلى بارئها في الساعة الخامسة والربع من مساء الأحد 13 أبريل 1997م بعد صراع مع المرض استمر أكثر من ثلاثة أشهر، عانى خلالها من الالتهاب الرئوي وارتفاع في السكر.. وتشيع جثمانه ظهر يوم الاثنين 14 أبريل من دار أخبار اليوم بناء على وصيته.. وأقيمت صلاة الجنازة في مسجد جمعية الشبان المسلمين، ودفن في مقابر الأسرة بمنطقة الإمام الشافعي.

    وأقيم سرادق العزاء مساء نفس اليوم أمام دار أخبار اليوم، وهي نفس المراسم التي جرت مع شقيقه الراحل “علي أمين” قبل 21 سنة.

الإعلانات

عائشة عبد الرحمن …. بنت الشاطئ

كتبت: سارة الليثي

    نشأت الدكتورة “عائشة عبد الرحمن” في عصر لم يكن فيه للنساء أي حقوق، لم تكن الفتاة تخرج للتعليم الأولي فما بالك بالحصول على الدكتوراة وامتهان التدريس الجامعي! فقد ولدت الدكتورة “عائشة عبد الرحمن” في دمياط 6 نوفمبر 1912م، وكان والدها معلماً في معهد دمياط الديني. ورغم ذلك عندما صارحته برغبتها في الذهاب إلى المدرسة، جائها الرد حازماً حاسماً بأن ليس لبنات المشايخ أن يخرجن إلى المدارس الفاسدة المفسدة، وإنما يتعلمن في بيوتهن، وتدخل جدها لأمها الشيخ “محمد الدمهوجي” حتى وافق والدها مكرهاً على التحاقها بمدرسة اللوزي للبنات على ألا يتدخل إطلاقاً بأي شأن يتصل بالمدرسة من قريب أو بعيد.

  وبعد أن حصلت على شهادة مدرسة المعلمات حرصت على أن تستكمل طريقها في التعليم ولا تتوقف عند هذا الحد؛ فعملت بالتدريس في مدارس البنات وأكملت دراستها الثانوية براتبها الخاص حتى حصلت على شهادة البكالوريا ومن ثم تقدمت للإلتحاق بالجامعة، لتكون ثالث فتاة مصرية تلتحق بالجامعة بعد “أمينة السعيد” “وسهير القلماوي”، وفي هذه الأثناء كانت تراسل المجلات والجرائد تكتب فيهم المقالات والقصائد الشعرية حتى ذاع صيتها وصارت تطلب مقالاتها للجرائد الكبرى، وخوفاً من أن يعلم والدها بمراسلاتها للصحف فيمنعها من ذلك أختارت أن تذيل مقالاتها وكتاباتها باسم مستعار “بنت الشاطئ” أختارته تيمناً بشاطئ دمياط الذي كبرت في أحضانه.

   وفي الجامعة التقت بأستاذها “أمين الخولي” الذي صار زوجاً لها فيما بعد لعشرين عاماً حتى توفاه الله وأثمر زواجهما عن ثلاثة أبناء “أمينة” و”أديبة” و”أكمل”، وحصلت بنت الشاطئ على شهادتها الجامعية ليسانس الآداب من قسم اللغة العربية بتقدير عالي عينت من بعده معيدة بالكلية ومن ثم حصلت على الماجستير والدكتوراه، وتدرجت في المراتب العلمية حتى وصلت إلى أستاذ ورئيس قسم، ثم أستاذ كرسي. وفي هذه الفترة وضعت الدكتورة “عائشة عبد الرحمن” كتب عديدة في شتى المجالات.

  فقد كتبت الدكتورة “عائشة عبد الرحمن” في تحقيق التراث والدراسات الأدبية والإجتماعية والقضايا الفكرية والدراسات القرآنية والأدب (قصص قصيرة وروايات وسير ذاتية) ونشرت مقالات متنوعة في العديد من المجلات والصحف والدوريات المقروءة المختلفة، وكانت تحارب في جبهات كثيرة حتى صدق عليها وصف “المجاهدة”، وكان ميدان جهادها الأول هو تحرير المرأة العربية من ربقة الجهل الذي خيم عليها لقرون طويلة، ولكنها لم تنادي بما نادى به غيرها من المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، فقد طالبت فقط بحصول المرأة على حقوقها التي منحها إياها الإسلام وحرمها المجتمع بجهله وتسلطه وجاهليته منها تحت ستار الدين كذباً وافتراءاً.

   وتقول “بنت الشاطئ” عن نفسها: أنا محافظة ولست رجعية، وفرق كبير بين المحافظة والرجعية، إنني أريد تعليم المرأة واشتغالها بالحياة العامة، ولكني لا أؤيد شربها للخمر، ومراقصتها للرجال، وتبذلها وتحديها لآداب الحياء، وهذه محافظة وليست رجعية، لن يثمر هذا المجتمع إلا إذا حرصنا على فضائله. وأمضت حياتها كاملة تدافع عن دينها وبنات جنسها -في نيل حقوقهن التي أقرها الدين- بقلمها، وأفنت عمرها في سبيل المبادئ التي آمنت بها، حتى أراد الله أن يسترد أمانته لتصعد روحها إلى بارئها في اليوم الأول من ديسمبر 1998 بعد حياة حافلة بالإنجازات والكفاح المشرف لتخلد اسمها في ذاكرة التاريخ للأبد.