جولة في الكتب: رواية تل العقارب

لـ/ أيمن رجب طاهر

    تدور الرواية في زمنين متوازيين، العصر الحالي من خلال “فيليب” السائح الفرنسي الذي يأتي إلى مصر باحثاً عن تاريخ جده الذي شارك في الحملة الفرنسية على مصر منذ قرنين من الزمان ويشاع في عائلته أنه من سقى “سليمان الحلبي” آخر قطرة ماء وهو على الخازوق، ويتعرف على “سمير” الشاب المصري الذي يعمل مترجماً للغة الفرنسية ويعيش في منطقة تل العقارب حيث أعدم “سليمان الحلبي”، ويكتشفا معاً مذكرات لجد “سمير” “عبد البر” الذي عاصر الحملة الفرنسية وكان مقرباً لسليمان الحلبي.

    من خلال تلك المذكرات تكون الرواية الموازية للعصر الماضي، فيحكي “عبد البر” في مذكراته كيف بدأت الحملة الفرنسية على مصر، وما اقترفه الفرنسيون من فظائع في حق الشعب المصري باسم المدنية والحضارة، ومن خلال علاقته بسليمان الحلبي يحكي أيضاً ما حدث في سوريا وفلسطين على أيدي جيش الحملة، وصولاً لرغبة سليمان الحلبي في الانتقام من الفرنسيين بقتل ساري عسكرهم “كليبر”، على الرغم من أنه كان موكولاً بهذه المهمة في البداية من الأمير العثمانلي في سوريا لقتل نابليون بونابرت.

    فعندما علم برحيل نابليون وأن كليبر حل محله، انتوى التراجع عن المهمة وارسال رسالة للأمير العثمانلي يعلمه بمستجدات الأمور كما نصحه رفقائه المشايخ بالأزهر، ولكن عندما علم بالفظائع التي اقترفها جيش الحملة الفرنسية في مصر من صديقه “عبد البر”، مزق رسالته وقرر المضي في مهمته جهاداً في سبيل الله، وكان له ما أراد، حتى صدر الحكم عليه بالإعدام على الخازوق، واعدام رفاقه في الأزهر بقطع الرقاب واحراق الجثث؛ لأنهم علموا بنيته ولم يبلغوا عنه.

     بعد وضع “سليمان الحلبي” على الخازوق، يذهب “عبد البر” واخته “عفيفة” إلى موضعه بقنينة ماء عندما يعرف أن شربه للماء سيعجل بموته ويريحه من عذابه، يستجيب له الضابط الفرنسي الرؤوف الذي أنقذهما سابقاً من تحرش بعض الضباط بأخته في السوق، ويعطي “سليمان الحلبي” شربة الماء التي ستودي بحياته وتريحه من عذابه، عندما يذكر “عبد البر” اسم ذلك الضابط الفرنسي “أدمون” يتعرف “فيليب” فوراً عليه؛ فذاك هو اسم جده الذي أتى هنا خصيصاً ليكتشف صدق روايته من عدمها.

      تنتهي مذكرات الجد “عبد البر” بانتهاء الحملة الفرنسية على مصر ليذكر بعدها ومضات من حياته الشخصية بزواجه وزواج أخته من أبناء عمهما وإدارته لمخبز والده، ومع انتهاء المذكرات تنتهي فترة اقامة “فيليب” في مصر، والتي خلالها لم يطلع على المذكرات فقط، بل اختلط وعاش بين أناس حقيقين يحفظون تراث بلادهم بين جوانحهم، لا كما يصورهم الإعلام الغربي همج لا يقدرون العلم والثقافة والحضارة يقتلون لأجل القتل فقط! وتنتهي الرواية بتوديع “سمير” لـ”فيليب” في المطار بعد أن يعطيه نسخة مصورة من المذكرات ليترجمها ويحتفظ بها أو ينشرها كما أراد.

    هدفت الرواية إلى تسليط الضوء على كيفية التقاء الحضارات، ليكون هناك حواراً بناء بينهما يتبادلا من خلاله النفع والمعرفة، بدلاً عن الصراع الدائم الذي يدور بين الشرق والغرب في محاولة كل منهما التسلط على الآخر واثبات الفضل له فيما وصلت إليه الحضارة وما حازه العالم من تقدم وازدهار، تمتعت الرواية بلغة سلسة واضحة حتى بعض الكلمات التي بدت عصية على التفسير للفرنسية من مذكرات “عبد البر” لاستخدامها مصطلحات قديمة اندثر التعامل بها في الوقت الحالي، ولكنها بدت مفهومة في سياق الكلام.

Advertisements