الملاكم العالمي محمد علي

 

     ولد “محمد علي” في 17 يناير 1942م، في مدينة لويفيل بولاية كنتاكي لعائلة أمريكية سوداء من الطبقة المتوسطة، وكان اسمه “كاسيوس مارسيلوس كلاي جونيور” والذي غيره إلى “محمد علي” بعد اعتناقه الاسلام ورفضه لاسم “كلاي” الذي كان يدل على عبودية السود في أمريكا، كان يحلم أن يكون من أقوى أبطال العالم في الملاكمة، في حين أن الناس جميعاً كانوا يسخرون منه، ولكنه حاول مرة بعد مرة، وضُرب أكثر من مرة، ولكنه كان يعيد المحاولة في كل مرة.

     تدرب وتمرن، وكان يلاحظ حركات اللاعبين.. حركات أرجلهم.. أيديهم.. أعينهم.. أنفاسهم، وخسر أكثر من مرة، ولكنه بعد ذلك أستطاع أن يفوز وينتصر، حتى وصل به الأمر إلى أن تحدى “جورج فورمان” ذلك الرجل الذي كان يهابه الجميع، فقد كانت ضربته أقوى من ضربة الحصان. ومع ذلك فقد تحداه محمد علي كلاي ولعب أمامه، ولكنه خسر، فقد أصابه “جورج فورمان” بإصابات عديدة، منها 12 غرزة في وجهه، وكذلك اصابة في فكه، وكسر في ذراعه، ودخل المستشفى في حالة سيئة جداً.

     نصحه الناس ألا يلعب مرة أخرى، ولكنه استطاع أن يلعب ثانية، وقرر أن يلعب أمام “جورج فورمان” مرة أخرى، بعد أن شاهد الفيلم التسجيلي للمباراه التي لعبها معه حتى استوعبها تماماً وعرف نقاط القوة والضعف فيها، وتدرب بشكل مكثف ليلاً ونهاراً. وعندما علم “جورج فورمان” بالأمر قال للناس: سوف تشتاقون للقاء هذا الرجل مرة أخرى؛ فهذه هي آخر مرة يمكنكم أن تروه فيها، فإنه لم يستوعب الدرس من المرة الأولى، فودعوه بشده؛ لأنني سوف أخلصكم منه تماماً..

    وكانت المنافسة بينهما قد تحدد مكانها في أفريقيا؛ فذهب “محمد علي” قبل البطولة بشهر كامل إلى الناس هناك، وكان ينزل إلى الشارع ويجري وسط الناس، ولأنه كان ذو شخصية محبوبة وجذابة فقد أحبه الناس وكانوا يشجعونه ويهتفون باسمه وهو يتمرن بينهم. ولما بدأت المباراة أراد “محمد علي” أن يقنع “جورج فورمان” أن ضربته مهما بلغت من قوة لا تؤثر فيه، في حين أن أي ملاكم آخر كان يتقي ضرباته ولا يثبت أمامه أكثر من حلقتين أو ثلاث.

    ولكن “محمد علي” استمر أمامه اثنتى عشرة حلقة، وفي النهاية فاز عليه بالضربة القاضية وقضى عليه، وكان قد أشهر اسلامه وقتها؛ فصرح قائلاً: بفضل الله سبحانه وتعالى وحده، ثم المجهود الشخصي والكفاح والإصرار والتقدير والمرونة والرؤية والهدف استطعت أن أحقق أهدافي.. وقد فاز “محمد علي” ببطولة العالم للوزن الثقيل ثلاث مرات على مدى عشرين عاماً في 1964 و1974 و1978، وكان يصف نفسه بأنه “يطير كالفراشة ويلسع كالنحلة”، وهو صاحب أقوى وأسرع لكمة في العالم حيث تعادل قوتها حوالي ألف باوند.

   في بدايات عام 1966 طُلب للخدمة في الجيش الأمريكي وكانت أمريكا وقتها تخوض حربها ضد فيتنام؛ فرفض أن يخدم في الجيش الأمريكي واعتبر نفسه معارضاً للحرب، وصرح قائلاً: “هذه الحرب ضد تعاليم القرآن، وإننا كمسلمين ليس من المفترض أن نخوض حروباً إلا إذا كانت في سبيل الله، لن أحاربهم فهم لم يلقبوني بالزنجي!”، ونتيجة لذلك تم سحب لقب بطولة العالم منه ولكنه تلقى دعم الكثيرين لآراءه وموقفه خاصة بعد الخسائر التي تكبدها الجيش الأمريكي في تلك الحرب.

   وفي عام 1970 عاد “محمد علي” للملاكمة مرة ثانية في مباراة وصفت أنها مباراة القرن ضد جو فريزرحيث لم تسجل هزيمة لأي منهما في مباراة من قبل، وكانت مباراة مقسمة على ثلاث مباريات منفصلة فاز “محمد علي” باثنتين منهم، ورصيد “محمد علي” في الملاكمة 61 مباراة فاز في 56 مباراة 37 منهم بالضربة القاضية وخسر في خمس مباريات فقط، وتزوج “محمد علي” أربع مرات (كل على حدة) أنجب فيهم سبع بنات وولدين، وأصغر أبنائه هي الملاكمة ليلى محمد علي الوحيدة من أبنائه التي احترفت الملاكمة سيراً على خطاه وإن لم تعتنق الاسلام مثله.

    في عام 1999 توج “محمد علي” بلقب رياضي القرن من مجلة “سبورتس ايلاستريتد” وذلك بعد أن اعتزل الملاكمة عام 1981 وكان عمره وقتها 39 عاماً ليتفرغ بعدها لمشاريعه الخيرية، وفي عام 1984 أصيب بداء باركنسون (الشلل الرعاش) ولكنه أستطاع ان يقاومه كثيراً حتى تدهورت حالته الصحية بشكل ملحوظ عام 2005 وتوالت بعدها نكساته الصحية إلى أن توفي في 4 يونيو 2016 تاركاً للبشرية ارثاً من الانجازات الرياضية والمشاريع الخيرية في كافة المجالات لا يمكنها تجاهله، لم يستسلم يوماً لا لهزيمة ولا لمرض، لم يقعده شيء في الحياة عن تحقيق أهدافه والوصول لمآربه.

الإعلانات

الإمام أبو حنيفة النعمان …. إمام أهل السنة

كتبت: سارة الليثي

    ولد “أبو حنيفة النعمان” بالكوفة سنة 80 هـ من أسرة فارسية، وسمي “النعمان” تيمناً بأحد ملوك الفرس، وما لبث أن شب على حب العلم والمعرفة فانطلق يرتاد حلقات العلماء في مسجد الكوفة.. يتدارس فيها أصول العقائد والأحاديث النبوية الشريفة والفقه وتفسير القرآن الكريم .. ودرس على عدة شيوخ في مسجد الكوفة ثم استقر عند شيخ واحد فلزمه.. حتى إذا ما ألم بالشيخ ما جعله يغيب عن الكوفة، نصب “أبا حنيفة” شيخاً على الحلقة حتى يعود..

    وكانت نفس “أبي حنيفة” تنازعه أن يستقل هو بحلقة، ولكنه عندما جلس مكان أستاذه سئل في مسائل لم تعرض له من قبل، فأجاب عليها وكانت ستين مسألة. وعندما عاد شيخه عرض عليه الإجابات، فوافقه على أربعين، وخالفه في عشرين.. فأقسم “أبو حنيفة” ألا يفارق شيخه حتى يموت. ومات الشيخ و”أبو حنيفة” في الأربعين، فأصبح “أبو حنيفة” شيخاً للحلقة وكان قد دارس علماء آخرين في رحلات  إلي البصرة وإلي مكة والمدينة خلال الحج والعمرة، وأفاد من علمهم، وبادلهم الرأي، ونشأت بينه وبين بعضهم مودات، كما انفجرت خصومات.

   ووزع وقته بين التجارة والعلم.. وأفادته التجارة في الفقه، ووضع أصول التعامل التجاري على أساس وطيد من الدين، وعلى الرغم من أنه كان يكسب أرباحاً طائلة، فقد كان لا يكنز المال.. فهو ينفق أمواله على الفقراء من أصدقائه وتلاميذه. ويحتفظ بما يكفيه لنفقة عام ويوزع الباقي على الفقراء والمعسرين، وكان يدعو أصحابه إلي الاهتمام بمظهرهم فقد كان إذا قام للصلاة لبس أفخر ثيابه وتعطر، لأنه سيقف بين يدي الله. ورأى مرة أحد جلسائه في ثياب رثة، فدس في يده ألف درهم وهمس: أصلح بها حالك.

    فقال الرجل: لست احتاج إليها وأنا موسر وإنما هو الزهد في الدنيا. فقال “أبو حنيفة”: أما بلغك الحديث: إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده؟ وكان شديد التواضع، كثير الصمت، يقتصد في الكلام، وإذا أغلظ إليه أحد أثناء الجدال صبر عليه. وكان مخالفوه في الرأي يغرون به السفهاء والمتعصبين ويدفعونهم إلي اتهامه بالكفر، وإلي التهجم عليه، فيقابلهم بالابتسام. ولقد ظل أحد هؤلاء السفهاء يشتمه، فلم يتوقف الإمام ليرد عليه، وعندما فرغ من درسه وقام، ظل السفيه يطارده بالسباب.

    حتى إذا بلغ داره توقف عند باب الدار قائلاً للسفيه: “هذه داري فأتم كلامك حتى لا يبقى عندك شيء أو يفوتك سباب فأنا أريد أن أدخل داري“..! ، وعندما وقع خلاف بين الخليفة المنصور وزوجته لأنه أراد أن يتزوج عليها، أراد أن يحتكما إلي فقيه، فرفضت الزوجة الاحتكام إلي قاضي القضاة ابن أبي ليلى أو إلي تابعه شبرمة أو إلي أحد الفقهاء من بطانة المنصور! وطلبت “أبا حنيفة”. وعندما حضر “أبو حنيفة” أبدى الخليفة رأيه أن من حقه الزواج لأن الله أحل للمسلم الزواج بأربع، والتمتع بمن يشاء من الإماء مما ملكت يمينه.

    فرد “أبو حنيفة”: “إنما أحل الله هذا لأهل العدل، فمن لم يعدل فواحدة. قال الله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَٰحِدَةً}(النساء،الآية:3). فينبغي علينا أن نتأدب بأدب الله ونتعظ بمواعظه”. وضاق الخليفة بفتواه، ولكنه أخذ بها وخرج “أبو حنيفة” إلي داره. فأرسلت له زوجة الخليفة خادماً ومعه مال كثير وأحمال من الثياب الفاخرة النادرة وجارية حسناء وحمار مصري فاره هدايا لأبي حنيفة. فقال “أبو حنيفة” للخادم: “أقرئها سلامي، وقل لها إني ناضلت عن ديني وقمت بذلك المقام لوجه الله، لم أرد بذلك تقرباً إلي أحد ولا التمست به دنيا”، ورد الجارية الحسناء والثياب والمال والحمار المصري جميعاً.

   وكان للإمام “أبو حنيفة” آراء اجتهادية سبقت عصره فقد أنصف المرأة في عصر بدأت المرأة فيه تتحول إلي حريم للمتاع؛ فأفتى بأن للبالغة أن تزوج نفسها وهي حرة في اختيار زوجها. كما أفتى بعدم جواز الحجر على أحد، لأن في الحجر إهداراً للآدمية وسحقا للإرادة.. وأفتى بعدم جواز الحجر على أموال المدين، حتى لو استغرقت الديون كل ثروته. لأن في هذا مصادرة لحريته.. وفي كل أمر من أمور الحياة تتعرض فيه حرية الإنسان لأي قيد، أفتى الإمام “أبو حنيفة” باحترام الحرية وكفالتها.

  لقد أفتى بكل ما ييسر الدين والحياة على الإنسان فذهب إلي أن الشك لا يلغي اليقين، وضرب لذلك مثلاً بأن من توضأ ثم شك في أن حدثاً نقض وضوءه، ظل على وضوئه، فشكه لا يضيع يقينه. وكانت آراؤه وفتواه تلك توغر صدور الفقهاء المتزمتون ذوي العقول المتحجرة فيوغروا صدور الخلفاء والحكام عليه، مما كان يجعله دائماً عرضة لغضب الحكام والخلفاء، ولكنه لم يتراجع يوماً عما يراه حقاً ولم يخاف في الحق لومة لائم، مما أدى لسجنه في أواخر عمره وهو شيخاً في السبعين من عمره.

    وظل في سجنه يعرضون عليه الجاه والمنصب والمال فيأبى.. ويعذب من جديد! وتدهورت صحته، وأشرف على الهلاك. وخشي معذبوه أن يخرج فيروي للناس ما قاسى في السجن، فيثور الناس!. وقرروا أن يتخلصوا منه فدسوا له السم. وأخرجوه وهو يعاني سكرات الموت، وما عاد يستطيع أن يروي لأحد شيئا بعد!! وحين شعر بأنها النهاية أوصى بأن يدفن في أرض طيبة لم يغتصبها الخليفة أو أحد رجاله. وهكذا مات فارس الرأي الذي عرف في السنوات الأخيرة من حياته باسم الإمام الأعظم.

    وشيع جنازة الامام الأعظم خمسون ألفا من أهل العراق، واضطر الخليفة أن يصلي على الإمام الذي استقر إلي الأبد في جوار ربه، والخليفة يهمهم: “من يعذرني من أبي حنيفة حياً وميتاً؟“.

محمد عبده .. رائد الإصلاح في العصر الحديث

كتبت: سارة الليثي

   لم يكن الشيخ محمد عبده مجرد مصلح ديني حفزته الأوضاع الدينية المتردية التي طغت على الدين الحقيقي إلى الكشف عنها، ومحاولة إزالة الغبار الذي تراكم على المفاهيم الدينية الصحيحة على مدى قرون التخلف والإنحطاط الفكري، ولو كان هذا شأن “محمد عبده” لكفاه ذلك فضلاً وشرفاً. ولكن “محمد عبده” كان بالإضافة إلى ذلك علماً من أعلام الفكر بالمعنى الواسع لهذا المصطلح، وكان على يقين من أن قضية إصلاح الفكر الديني لا تنفصل عن قضية إصلاح الفكر بصفة عامة، فكلاهما يؤثر في الآخر إيجاباً أو سلباً.

وكان الفكر الإسلامي في مصر ومركزه الأزهر الشريف قبل ظهور الشيخ “محمد عبده”، قد توقف عن الإجتهاد وتجمد على ماوصل من فكر القرون الماضية دون أن يضيف إليه، وكانت المؤلفات التي تصدر عن علماء الأزهر تتسم يالتزمت وضيق الأفق، والعناية باللفظ أكثر من المعنى، ولم تكن تقدم جديداً، بل كانت تدور حول ماسبقها في حلقة لا نهاية لها من شروح للمتون (الكتب الأصلية)، وشروح للشروح، وهكذا في دائرة تتسع، ولكن لا تخرج عما قدمه السابقون.

 ومن هنا إتجهت همة الشيخ “محمد عبده” إلى ربط الدين بالحياة عن طريق استخدام العقل في فهم الإسلام والقرآن، مخالفاً في ذلك علماء الإسلام في عصره، الذين تعودوا التضييق على الناس فيما وسع الله لهم فيه، وتحريم ما أحل الله. وقد ولد الإمام “محمد عبده” في عام (1266هـ / 1849م) لآب تركماني الأصل وأم مصرية تنتمي إلى قبيلة (بني عدي) العربية، ونشأ في قرية صغيرة في ريف مصر هي قرية محلة نصر التابعة لمحافظة البحيرة.

وكانت أسرة محمد عبده تنتمي إلى الطبقة الوسطى، وقد تعلم القراءة والكتابة في منزل والده، ثم انتقل إلى دار حفظ القرآن فحفظه خلال عامين، وعندما شبَّ أرسله أبوه إلى “الجامع الأحمدي”- جامع السيد البدوي- بطنطا، ليجوّد القرآن بعد أن حفظه،  ويدرس شيئًا من علوم الفقه واللغة العربية، وكان محمد عبده في نحو الخامسة عشرة من عمره، وقد استمر يتردد على “الجامع الأحمدي” قريبًا من العام ونصف العام، إلا أنه ارتطم بطريقة التعليم التي تفرض عليه حفظ نص الآجرومية وشرحها.

 فقضى سنة ونصف كما يقول: «لا أفهم شيئا…»، لم يستطع أن يتجاوب مع المقررات الدراسية أو نظم الدراسة العقيمة التي كانت تعتمد على المتون والشروح التي تخلو من التقنين البسيط للعلوم، وتفتقد الوضوح في العرض، وإثر ذلك هرب عدة مرات وعمل بالزراعة، ثم التقى بالشيخ الصوفي “درويش خضر”- خال أبيه- الذي كان له أكبر الأثر في تغيير مجرى حياته. حيث استطاع أن يعيد الثقة إلى محمد عبده، بعد أن شرح له بأسلوب لطيف ما استعصى عليه من تلك المتون المغلقة.

 وتصوفه المنفتح لم يمنعه من توجيهه إلى تعلم الحساب والهندسة والمنطق وعلوم الحياة، فاقبل على القراءة والإطلاع والعلم، ومن ثم عاد إلى الجامع الأحمدي بروح جديدة فوجد نفسه كما يقول: «أفهم ما أقرأ وما أسمع»، لقد صار “محمد عبده” شيخًا ومعلمًا لزملائه يشرح لهم ما غمض عليهم قبل موعد شرح الأستاذ. وهكذا تهيأ له أن يسير بخطى ثابتة على طريق العلم والمعرفة بعد أن عادت إليه ثقته بنفسه، ثم انتقل من الجامع الأحمدي إلى الجامع الأزهر فدرس الفقه والحديث والتفسير واللغة والنحو والبلاغة، وغير ذلك من العلوم الشرعية واللغوية.

 ولم يكن رأي محمد عبده في الجامع الأزهر خيراً من رأيه في الجامع الأحمدي لعقم أساليبه التعليمية، وظل 4 أعوام يقرأ دروس الأزهر المقررة، و يعتمد على نفسه في علوم الدنيا التي لا يدرسها الأزهر، وهي المنطق والرياضيات و الهندسة والفلسفة، ومنذ وصول جمال الدين الأفغاني إلى مصر 1871 التقاه محمد عبده ولازمه كظله، فأخرجه من حياة العزلة إلى دراسة العلوم الحديثة كالفلسفة والرياضيات والأخلاق والسياسة والفن وغير ذلك مما لم يكن مألوفا في مناهج الأزهر.

 وبدأ محمد عبده الكتابة باسمه في جريدة الأهرام وعمره يومئذ سبعة وعشرون عاما. وبعد تخرجه في الأزهر 1877  مارس التدريس فيه، وقرأ لطلابه المنطق والفلسفة والتوحيد وتهذيب الأخلاق لمسكويه وتاريخ المدنية في أوروبا وفرنسا لفرانسوا جيزو، ثم عمل مدرساً للتاريخ في دار العلوم عام 1295 هـ – 1838 م، وقرأ لطلابه فيها مقدمة ابن خلدون، وألف كتابا في علم الاجتماع والعمران، وعين مدرسا للعلوم العربية في “مدرسة الألسن”، كما اتصل بالحياة العامة. وساهمت انتقاداته في تأسيس المجلس الأعلى للمعارف.

   وعندما اشتعلت الثورة العرابية سنة (1299هـ – 1882م) انضم محمد عبده إلى المؤيدين للثورة، وأصبح واحدًا من قادتها وزعمائها، فتم القبض عليه، وأودع السجن ثلاثة أشهر، ثم حُكم عليه بالنفي لمدة ثلاث سنوات. فانتقل إلى بيروت حيث أقام بها نحو عام، ثم ما لبث أن دعاه أستاذه الأفغاني للسفر إليه في باريس حيث منفاه، واستجاب “محمد عبده” لدعوة أستاذه حيث اشتركا معًا في إصدار مجلة “العروة الوثقى” التي صدرت من غرفة صغيرة متواضعة فوق سطح أحد منازل باريس.

   واستطاع الإنجليز إخماد صوت “العروة الوثقى” الذي أضج مضاجعهم وأقلق مسامعهم، فاحتجبت بعد أن صدر منها ثمانية عشر عددا في ثمانية أشهر، وعاد الشيخ “محمد عبده” إلى بيروت بعد أن تهاوى كل شيء من حوله، فقد فشلت الثورة العرابية، وأغلقت جريدة “العروة الوثقى”، وابتعد عن أستاذه الذي رحل بدوره إلى “فارس”. وكان على “محمد عبده” أن يشغل وقته بالتأليف والتعليم، فشرح “نهج البلاغة” ومقامات “بديع الزمان الهمذاني”، وأخذ يدرس تفسير القرآن في بعض مساجد “بيروت”.

عاد محمد عبده إلى مصر على ألا يشتغل بالسياسة، فاتجه الى الأصلاح، وكان سبيله إلى ذلك إصلاح الأزهر والمدرسة الدينية وإقامة الجمعيات الخيرية. وعين قاضياً في المحاكم الشرعية في محكمة بنها، ثم الزقازيق، ثم عابدين، ثم عين مستشارًا في محكمة الاستئناف. وبدأ يتعلم اللغة الفرنسية وهو قاضٍ في “عابدين”- وكانت سنه حينئذ قد شارفت على الأربعين- حتى تمكن منها، فاطلع على القوانين الفرنسية وشروحها، وترجم كتابًا في التربية من الفرنسية إلى العربية. وفي عام (1317هـ – 1899م) تم تعيينه مفتيًا للبلاد.

ولكن علاقته بالخديوي عباس كان يشوبها شيء من الفتور، الذي ظل يزداد على مر الأيام، خاصة بعدما اعترض على ما أراده الخديوي من استبدال أرض من الأوقاف بأخرى له إلا إذا دفع الخديوي للوقف عشرين ألف فرقًا بين الصفقتين. وتحول الموقف إلى عداء سافر من الخديوي، فبدأت المؤامرات والدسائس تُحاك ضد الإمام الشيخ، وبدأت الصحف تشن هجومًا قاسيًا عليه لتحقيره والنيل منه، ولجأ خصومه إلى العديد من الطرق الرخيصة والأساليب المبتذلة لتجريحه وتشويه صورته أمام العامة.

 اضطر الامام محمد عبده في النهاية إلى الاستقالة من الأزهر في سنة (1323هـ – 1905م)، وإثر ذلك أحس الشيخ بالمرض، واشتدت عليه وطأة المرض، الذي تبيّن أنه السرطان، وما لبث أن تُوفي بالإسكندرية في (8 من جمادى الأولى 1323 هـ = 11 من يوليو 1905م) عن عمر بلغ ستة وخمسين عامًا.

رفاعة رافع الطهطاوي

كتبت: سارة الليثي

   وُلد “رفاعة رافع الطهطاوي” في 15 أكتوبر 1801 بمدينة طهطا في محافظة سوهاج بصعيد مصر، يتصل نسبه بالحسين حفيد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وقد التحق وهو في السادسة عشرة من عمره بالأزهر في عام 1817 وشملت دراسته الحديث والفقه والتفسير والنحو والصرف، وغير ذلك. خدم بعدها كإمام في الجيش النظامي الجديد عام 1824. وفي 13 ابريل 1826 سافر فرنسا ضمن بعثة عددها أربعين طالباً أرسلها والي مصر محمد علىّ” لدراسة اللغات والعلوم الأوروبية الحديثة.

    كان الطهطاوي واعظاً واماماً للبعثة وعمره حينها 24 عاماً. ولكنه إلى جانب ذلك اجتهد ودرس اللغة الفرنسية، وبعد خمسٍ سنوات حافلة أدى رفاعة امتحان الترجمة، وقدَّم مخطوطة كتابه الذي نال بعد ذلك شهرة واسعة تَخْلِيصُ الإِبْرِيزِ فيِ تَلْخِيصِ بَارِيز“، وعاد رفاعة لمصر سنة 1831 مفعماً بالأمل منكبّاً على العمل فاشتغل بالترجمة في مدرسة الطب، ثُمَّ عمل على تطوير مناهج الدراسة في العلوم الطبيعية. وأفتتح سنة 1835م مدرسة الترجمة، التي صارت فيما بعد مدرسة الألسن وعُيـِّن مديراً لها إلى جانب عمله مدرساً بها.

   وفى هذه الفترة تجلى المشروع الثقافي الكبير لرفاعة الطهطاوي، وظل جهد رفاعة يتنامى بين ترجمة وتخطيط وإشراف على التعليم والصحافة، فأنشأ أقساماً متخصِّصة للترجمة والرياضيات والطبيعيات والإنسانيات، وأنشأ مدرسة المحاسبة لدراسة الاقتصاد ومدرسة الإدارة لدراسة العلوم السياسية. وكانت ضمن مفاخره استصدار قرار تدريس العلوم والمعارف باللغة العربية، وهي العلوم والمعارف التي تدرَّس اليوم في بلادنا باللغات الأجنبية، وإصدار جريدة الوقائع المصرية بالعربية بدلاً من التركية، هذا إلى جانب عشرين كتاباً من ترجمته، وعشرات غيرها أشرف على ترجمتها.

   بيد أن هذه الشعلة سرعان ما خبت مع تولِّى الخديوى عباس حكم مصر، فقد أغلق مدرسة الألسن وأوقف أعمال الترجمة وقصر توزيع الوقائع على كبار رجال الدولة من الأتراك، ونفى رفاعة إلى السودان سنة 1850م، وبعد وفاة عباس الأول سنة 1854م عاد الطهطاوي إلى القاهرة، وأسندت إليه في عهد الوالي الجديد “سعيد باشا” عدة مناصب تربوية، ولم يكتف رفاعة بهذه الأعمال العظيمة، فسعى إلى إنجاز أول مشروع لإحياء التراث العربي الإسلامي، ونجح في إقناع الحكومة بطبع عدة كتب من عيون التراث العربي على نفقتها، مثل تفسير القرآن للفخر الرازي المعروف بمفاتيح الغيب، ومعاهد التنصيص على شواهد التلخيص في البلاغة، وخزانة الأدب للبغدادي، ومقامات الحريري، وغير ذلك من الكتب التي كانت نادرة الوجود في ذلك الوقت.

    وعلى الرغم من كثرة المسئوليات التي تحملها رفاعة وأخذت من وقته الكثير، فإنه لم ينقطع عن الترجمة والتأليف فيما يعود بالنفع على الأمة، ولم يقض وقته إلا فيما فيه فائدة، وقد وصفه تلميذه النابه صالح مجدي بأنه “قليل النوم، كثير الانهماك على التأليف والتراجم”. وقد بدأ رفاعة إنتاجه الفكري منذ أن كان مبعوثًا في فرنسا، ومن أهم كتبه: “مناهج الألباب المصرية في مباهج الآداب العصرية” و”المرشد الأمين في تربية البنات والبنين” و”أنوار توفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل” و”نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز”، وهو آخر كتاب ألفه الطهطاوي، وسلك فيه مسلكاً جديداً في تأليف السيرة النبوية تبعه فيه المحدثون.

    أما الكتب التي قام بترجمتها فهي تزيد عن خمسة وعشرين كتابًا، وذلك غير ما أشرف عليه من الترجمات وما راجعه وصححه وهذبه. ومن أعظم ما قدمه هو تلاميذه النوابغ الذين حملوا مصر في نهضتها الحديثة، وقدموا للأمة أكثر من ألفي كتاب خلال أقل من أربعين عامًا ما بين مؤلف ومترجم. وتوفى رفاعة الطهطاوى سنة 1873م عن عمر ناهز الإثنتين وسبعين سنة، ومن أحفاده السفير محمد رفاعة الطهطاوي الذي عمل سفيراً لمصر بليبيا وإيران وشغل منصب رئيس ديوان رئيس الجمهورية منذ أغسطس 2012 حتى يوليو 2013.