دموع الأمل (قصة قصيرة)

    أفقت من غيبوبتي ليضع الطبيب بين يدي كتلة لحم صغيرة يخبرني أنها آخر ما تبقى لي من ابنتي، على الرغم من تفحم جثتها إلا إنهم قد استطاعوا استخراج جنينها منها بصحة جيدة، نظرت له بين دموعي أحاول استرجاع تلك اللحظات الأليمة التي أودت بنا إلى هذا الحال، لم يكن يوماً عادياً وإن كنا اعتدنا على أيام مشابهة كثيرة، ولكنه كان أشد قسوة، لم يزورني النوم لحظة منذ عدة ليال، كانت أصوات طلقات الرصاص والمدافع تطرق مسامعي ليل نهار ولا تمكنني من التقاط أنفاسي.

    كنت أمضي أيامي قلقة على أبنتي وجيراني وأقاربي جميعاً، أهاتفهم جميعاً المرة تلو الآخرى لأطمئن أن أحداً منهم لم يصبه شيئ في تلك الغارات، ولو كنت أستطيع لمررت على بيوتهم بيتاً بيتاً حتى أطمئن عليهم بنفسي، فقد كنت أخشى خسارة المزيد يكفيني ما خسرته سابقاً بالفعل، وإن كان الموت لابد آتياً فليأتيني أنا أولاً ويريحني من ألم الخسارة والفقدان. ولكن كانت الغارة هذه المرة أعنف من كل سابقاتها، وتزايد القلق داخلي، هرولت ثانية إلى الهاتف أهاتف كل من أعرفهم من قريب أو بعيد أطمئن عليهم.

    اطمأننت على الجميع، ما عدا ابنتي، لم ترد على مكالماتي المتكررة، داخلني الرعب، ماذا لو كان أصابها شيء في تلك الغارة؟ ماذا لو أصاب منزلها أحد القذائف؟ هل تكون وجنينها  الآن جثة هامدة تحت الأنقاض؟ لم أحتمل قلقي أكثر من ذلك، ارتديت عبائتي وحجابي، وانطلقت مهرولة في الشارع إلى بيتها، لم أفكر في سني أو صحتي اللذاين لا يسمحان لي بهذا المجهود، كل ما كان يشغل تفكيري آنذاك هو ابنتي وما قد يكون حل بها.

   في الطريق رأيت شاباً محمولاً على نقالة فقد أطرافه والدم يسيل من جوانحه، ولكنه لا يزال على قيد الحياة، يلهج لسانه بآيات من الذكر الحكيم وهو لا يعي شيئاً مما حوله، دمعت عيناي وأنا لا أدري أذاك ما قد يتمناه المرء أم يخشاه؟! كل ما كنت أدركه في تلك اللحظة أنني بالتأكيد لا أريد أن يصيب ابنتي أي مكروه، أريدها سليمة معافاة أمامي، أريد أن أحمل طفلها بين ذراعي، أن أرى معه مستقبلاً آخر يدحض فيه تلك الوحشية وذلك العدوان.

   أسرعت في مشيتي حتى وصلت بيتها، كان الوضع جيداً مقارنة بما رأيته على طول الطريق، إذاً ماذا أصابها حتى لا تجيب هاتفها؟! هل يعقل أن تكون خارج البيت وقد أصيبت مع من أصيبوا في الشوارع؟! أكلت سلالم الدرج صعوداً وأخذت أطرق الباب بعنف ولكن لا مجيب، فجأة سمعت صرخات مكتومة من الداخل، طرقت الباب على الجيران طالبة العون منهم، لم يجدوا طريقة لفتح الباب سوى كسره، هرعت إلى الداخل أبحث عن ابنتي، كانت بخير، ولكنها تعاني آلام المخاض وحيدة في المنزل.

    ساعدنا الجيران في الذهاب إلى المستشفى، ولكن في طريقنا فاجأتنا غارة جديدة؛ فإذا بصاروخ يسقط بيننا لنتناثر على جنبات الطريق، آخر ما رأته عيناي قبل أن أغيب عن الوعي، كان لون ابنتي الذي تحول للأسود. الآن أفيق ليخبرني الطبيب أن أحتسب ابنتي شهيدة، وأحمد الله أن من علي بمعجزة بقاء حفيدي على قيد الحياة لم يمسسه سوء على الرغم من احتراق والدته، أتأمل بين دموعي عينيه الصغيرتين اللتين لا تدركان شيئاً من مرارة الواقع الذي نحياه علهما تحملان لي الأمل في المستقبل.

الإعلانات

ذاكرة القلب (قصة قصيرة)

سارة الليثي

 

    التقت عيناهما على حين غرة بإحدى الكافيهات على النيل، كان كل منهما يجلس وحيداً، كانت تلك هي المرة الأولى التي يراها فيها ولكنها لم تكن مرتها الأولى، لقد عاشت معه قصة حب طويلة لم يرى أحداً مثيلاً لها، كان الجميع يحسدهم على ذاك الحب، وقد أصابته عين الحسد في مقتل. أفاق يوماً بعد حادثٍ مروعٍ فلم يعرفها، أنكر حقيقة وجودها في حياته ومسح كل ذكرياتهما معاً. آثرت الرحيل بما بقى لها من ذكريات وهي تثق أن صدق حبها سيعيده إليها يوماً ما.

    وها هو اليوم أمامها، تعلن نظراته أن إذا كانت ذاكرة العقل قد محت وجودها إلا إن ذاكرة القلب تأبى فقدانها. منذ أن تلاقت أعينهما شعر بوخز في قلبه لم يعلم له تفسيراً، شعر أن نظرتها تخترق قلبه وأن قلبه ذاك ملكاً لها منذ بدء الخليقة. التقط وردتها المفضلة من شجرتهما -التي زرعاها معاً يوماً على ضفاف النيل لتظلل حبهما وتقيهما حرارة الشمس وتمنحهما عطراً فواحاً وهما يحتسيا قهوتهما الصباحية معاً-. توجه إليها متوجساً وفي يده الوردة ليقدمها لها.

    خفق قلبها بشدة حتى خيل إليها أن الجالسين حولها يسمعون دقاته، قبلت وردته بعد أن أحمرت وجنتاها خجلاً وفرحاً وعشقاً، لتبدأ فصول قصتهما من جديد في نفس المكان الذي شهدها سابقاً.

قصص من التراث

استخلفت ذلك المال عند الله

قال أحد التجار: قصدتُ الحجَّ في بعض الأعوام، وكانت تجارتي عظيمةً، وأموالي كثيرة، وكان في وسطي هميان، وفيه دنانير وجواهر قيّمة، وكان الهمْيان من ديباج أسود.

فلمّا كنت ببعض الطريق نزلتُ لأقضي بعض شأني، فانحلَّ الهمْيان من وسطي، وسقط ولم أعلم بذلك إلا بعد أن سرتُ عن الموضع فراسخ، ولكنّ ذلك لم يكن يؤثِّر في قلبي لما كنت أحتويه من غنىً، واستخلفت ذلك المال عند الله إذ كنت في طريقي إليه تعالى.

ولما قضيتُ حجتي وعُدتُ، تتابعت المحنُ عليّ حتى لم أملك شيئاً، فهربت على وجهي من بلدي. ولمّا كان بعد سنين من فقري أفضيتُ إلى مكان وزوجتي معي، وما أملك في تلك الليلة إلا دانقاً ونصفاً، وكانت الليلة مطيرة، فأويت في بعض القرى إلى خان خراب، فجاء زوجتي المخاض فتحيّرتُ، ثم ولدتْ فقالت: يا هذا، الساعة تخرج روحي، فاتخذ لي شيئاً أتقوّى به، فخرجتُ أخبط في الظلمة والمطر حتى جئت إلى بدَّال فوقفت عليه، فكلَّمني بعد جهد، فشرحتُ له حالي، فرحمني وأعطاني بتلكَ القطع حلبةً وزيتاً، وأعارني إناءً جعلتُ ذلك فيه، وجئت أريد الموضع، فلمّا مشيتُ بعيداً وقربتُ من الخان زُلقتْ رجلي، وانكسر الإناء وذهب جميع ما فيه، فوردَ على قلبي أمرٌ عظيم ما ورد عليَّ مثلهُ قط! فأقبلت أبكي وأصيح، وإذا برجل قد أخرج رأسه من شبّاك في داره،وقال: ويلك! مالك تبكي! ما تَدَعنا أن ننام!.

فشرحتُ له القصة، فقال: يا هذا، البكاء كلهُ بسبب دانقٍ ونصف. قال: فداخلني من الغمّ أعظم من الغمّ الأول، فقلتُ: يا هذا، والله ما عندي شيء لما ذهب منّي، ولكن بكائي رحمةٌ لزوجتي، ولنفسي، فإنّ امرأتي تموتُ الآن جوعاً، ووالله لقد حججتُ في سنة كذا وأنا أملك من المال شيئاً كثيراً، فذهب منّي هيمانٌ فيه دنانير وجواهر تساوي ثلاثة آلاف دينار، فما فكّرت فيه، وأنت تراني الساعة أبكي بسبب دانق ونصف، فسأل الله السلامة، ولا تُعايرْني فتُبلى بمثل بلْوَايَ.

فقال لي: بالله يا رجل، ما كانت صفةُ هيمانك، فأقبلت أبكي، وقلت: ما ينفعُني ما خاطبتني به أو ما تراه من جهدي وقيامي في المطر حتى تستهزئ بي أيضاً وما ينفعني وينفعك من صفة هيماني الذي ضاع منذ كذا وكذا.

ومشيتُ، فإذا الرجل قد خرج وهو يصرخ بي: خذ يا هذا، فظننتهُ يتصدق عليّ، فجئت وقلتُ لهُ: أي شيء تُريد؟ فقال لي: صف هيمانك وقَبَض عليّ، فلم أجد للخلاص سبيلاً غير وصفه له، فوصفته فقال لي: ادخُل، فدخلتُ، فقال: أين امرأتك؟ قلتُ: في الخان، فأنفذ غلمانه فجاءوا بها، وأدخلت إلى حُرَمه، فأصلحوا شأنها وأطعموها كلَّ ما تحتاج إليه وجاؤوني بجُبة وقميص وعمامة وسَراويل، وأدخلتُ الحمام سحراً، وطرح ذلك عليّ، وأصبحت في عيشة راخية.

وقال: أقم عندي أياماً، فأقمتُ عشرة أيام، كان يُعطيني في كل يوم عشرة دنانير، وأنا مُتحيّر في عظم برِّه بعد شدّة جفائه.

فلمّا كان بعد ذلك قال لي: في أي شيء تتصرّف؟ قلت: كنت تاجراً، قال: فلي غلاّت وأنا أعطيك رأس مال تتّجر فيه وتشْركني. فقلت: أفعل، فأخرج لي مائتي دينار فقال: خذها واتَّجر فيها منها، فقلت: هذا معاش قد أغناني به الله يجب أن ألزمه، فلزمته.

فلمّا كان بعد شهور ربحتُ فجئتُه وأخذت حقِّي وأعطيتهُ حقّه، فقال: اجلس، فجلستُ، فأخرج لي همياني بعينه وقال: أتعرفُ هذا؟ فحين رأيتُه شهقْتُ وأُغمي عليّ، فما أفقتُ إلا بعد ساعة، ثم قلت: يا هذا؟ أملك أنت أم نبيٌّ؟ فقال: أنا أحفظه مُنذ كذا وكذا سنة، فلمّا سمعتك تلك الليلة تقول ما قلته، وطالبتك بالعلامة فأعطيتها أردتُ أن أُعطيكَ للوقت هميانك، فخفتُ أن يُغشَى عليك، فأعطيتك تلك الدنانير التي أوهمتك أنها هبة، وإنما أعطيتُكها من هميانك، فخذ هِمْيانك واجعلني في حلّ، فشكرته ودعوتُ لهُ.

وأخذت الهمْيان ورجعت إلى بلدي، فبعتُ الجوهر وضممت ثمنه إلى ما معي واتّجرتُ، فما مضت إلا سنين حتى صرت صاحب عشرة آلاف دينار وصلحت حالي.

 

أشجار التوت

   كبرت تلك الطفلة التي كانت تلعب كل صباح مع صديقها تحت أشجار التوت، كانا يتسلقان الأشجار ويهزا فروعها لتتساقط عنها حبات التوت الشهية التي يتلذذا بطعمها.

   كبرت تلك الطفلة لترى صديقها يوارى الثرى مع أحلامه التي أغرقها بحر اليأس، قتلوه باهمالهم وجبروتهم وقتلوا معه المئات والآلاف غير عابئين، بعد أن قتلوا أشجار التوت لترتفع مكانها حجارة صماء.

   لم يتبقى لديها سوى بضع حبات التوت التي احتفظت بهم من ذكريات طفولتها الضائعة، أودعتهم باستسلام قبر صديقها علهم يؤنسوا وحشته!

شرقي

جرس الهاتف المحمول

جنة: ألو…ازيك يا حبيبي؟

آدم: وحشتيني جداً يا روحي.

جنة: أنت أكتر يا عمري.

آدم: ايه رأيك نروح السينما النهاردة؟ في فيلم تحفة هيعجبك أوي.

جنة: بابا وماما مش هيوافقوا.

آدم: ليه احنا مش مخطوبين وهنتجوز قريب إن شاء الله؟!

جنة: إن شاء الله بس بابا وماما مش هيوافقوا نخرج وحدنا قبل ما نتجوز.

آدم: خلاص تعالي من غير ما تقوليلهم.

جنة: إزاي؟

آدم: قولي لهم إنك خارجة مع واحدة صاحبتك.

جنة: اكذب عليهم؟!

آدم: وايه يعني؟

جنة: لا مقدرش، متعودتش اكذب على بابا وماما واعمل حاجة من وراهم.

آدم: لا هتقدري، هستناكي الساعة ستة قدام السينما إذا ماجتيش هحضر الفيلم مع أي واحدة تانية، أنت حرة، مع السلامة.

  أخذت “جنة” تفكر فهي لا تريد اغضاب حبيبها وكذلك هي لم تعتد الكذب على أمها، ولكنها أيضاً تود الخروج معه، ولم تجد بد من أن تنفذ ما قاله لها، ادعت لأمها أنها سوف تذهب  للسينما مع صديقاتها وذهبت إليه.

آدم: قولتيلهم ايه في البيت؟

جنة: زي ما قلت لي.

آدم: كذبتي عليهم؟!

جنة: ايوة وضميري بيأنبني جداً بس عشان تعرف أنا بحبك أد ايه.

آدم: مش اكتر مني يا حبيبتي وأنا طلبت منك نخرج مع بعض وحدنا عشان بحبك وعايز أخرج معاكي ونقضي وقت مع بعض وحدنا من غير عزول معانا.

 وتكرر الموقف كثيراً، واعتادت “جنة” أن تكذب على والديها؛ لتخرج مع خطيبها إلى أن تزوجا، وبعد فترة قصيرة من زواجهما:

جنة: حبيبي أنا هخرج بكرة مع صحباتي.

آدم: لا مفيش خروج.

جنة: ليه؟!

آدم: وأنا ايه اللي يضمن لي انك هتخرجي فعلاً مع صحباتك؟

جنة باستغراب: يعني ايه؟!

آدم: انت مش كنت بتقولي لأمك وأبوكي انك خارجة مع صحباتك وتخرجي معايا؟

جنة: أنت اللي طلبت مني كدة!

آدم: ويمكن حد تاني يطلب منك كدة دلوقتي أو على الأقل يمكن تروحي أماكن أنا مش عايزك تروحيها.

جنة: انت بتشك فيا؟!

آدم: أنا مبثقش فيكي، اللي تكذب على أهلها تقدر تكذب على جوزها.

جنة: انت اللي طلبت مني ده، أنا عملت كدة عشانك!

آدم: لو مكنتيش سمعتي كلامي ساعتها ورفضتي كنت قدرتك واحترمتك ووثقت فيكي من غير شك.

جنة: واتجوزتني ليه مدام بتشك فيا ومبتحترمنيش؟!

آدم: لاني ارتبطت بكلمة مع أبوكي يوم ما خطبتك وأنا رجل بحافظ على كلمتي وإن كانت على رقبتي واعرف كويس ازاي احافظ على بيتي واتحكم في مراتي.

جنة: إذا كان ارتباطك بكلمتك مع أبويا هو اللي غصبك على جوازك مني؛ فأنا بحلك من الارتباط ده.

آدم: قصدك ايه؟

جنة: طلقني.

آدم: إذا طلقتك انت الوحيدة اللي هتخسر، هتاخدي لقب مطلقة ومش هتقدري تتجوزي تاني بسهولة خصوصاً ان طلاقنا هيبقى بعد فترة قصيرة من الجواز يعني الناس كلها هتتكلم عليكي وهيعيبوا فيكي انت مش فيا.

جنة: أي خسارة في الدنيا أهون عندي من أني أعيش معاك تحت سقف واحد بعد النهاردة، مش هخسر أكتر من اللي خسرته…طلقني.

آدم: أنت طالق.

تلات سنين جواز

 

تصحى رحمة من نومها فتلاقي جنبها كوباية قرفة بالعسل دافية؛ فتسأل جوزها –اللي كان بيربط جرافتته قدام المراية عشان ينزل شغله-: ايه ده يا حبيبي؟

  • دي ليكي يا حبيبتي، صوتك مش عاجبني من امبارح وشكلك داخلة على دور برد؛ فلازم نلحقه من الأول.

تبتسم ابتسامة خجولة وتقوله: تسلم يا حبيبي.

يميل عليها ويبوسها قبل ما يروح شغله: مع السلامة يا حبيبتي، خدي بالك من نفسك.

  • وانت كمان خد بالك من نفسك.

يروح محمد على شغله وتفضل هي قاعدة في السرير بتشرب كوباية القرفة اللي عملهالها وتسرح في حياتهم مع بعض، فات تلات سنين على جوازهم ولسة بيهتم بيها كأنها عروسته الجديدة، لسة بيحبها زي أول يوم شافها فيه، كل أهله وقرايبه بيقولوا انها سحراله، بس اللي مش قادرين يفهموه انه انسان طبيعي بيتصرف على طبيعته واللي بيحس بيه بيعمله مبيكبتش مشاعره جواه عشان خايف من كلامهم ولا عشان يثبت لحد انه كدة راجل ومبيتأثرش بالعواطف والمشاعر أصل دي ملهاش دعوة بالرجولة خالص أساساً!

بس حبه واهتمامه ده خلاها تتعلق بيه أكتر، وتحاول تسعده زي ما بيسعدها، معاه كل يوم بتحس أنها عروسة جديدة، لسة فاكرة كلام أهلها ليها قبل الجواز أنها لازم تنسى أحلامها وطموحاتها الكبيرة عشان البنت ملهاش في الآخرغير بيت جوزها ومفيش راجل هيرضى ان مراته يبقى ليها حياة خاصة وأحلام وطموح بتسعى له غير بيتها وعيالها وخدمته، بس هي كانت واثقة انها هتلاقي الراجل اللي يقدرها لحد ما فعلاً قابلته، أول مرة قابلته فيها كان في خناقة في الشارع.

كان بيدافع عن واحدة ميعرفهاش واحد اتحرش بيها، ومصمم يروح بيه القسم، مع ان كل الناس في الشارع كانوا بيغلطوه هو ويقولوا له ان البنت متستاهلش حد يدافع عنها لان هي اللي لابسة محزق وملزق عشان الشباب يعاكسوها ويتحرشوا بيها، الكلام اللي قاله ساعتها عن احترام المرأة واحترام حرية كل انسان وان الغلط ميبررش غلط تاني كل الكلام اللي قاله خلاها انبهرت بيه، عمرها ما قابلت حد بيفكر بالطريقة دي قبل كدة. بعد فترة طويلة من الموقف ده القدر جمعهم في مكان شغل واحد.

أول ما شافته عرفته، وكل يوم كان بيعدي كانت بتكتشف ان فيه كل الصفات اللي تتمناها في شريك حياتها، وكانت شايفة ان من حقها تقول ده ومتضيعش وقتها وعمرها في انها تعد تستنى ان هو اللي يفاتحها الأول، وفعلاً راحت وقالت له بمنتهى الصراحة انها شايفة فيه كل مواصفات الزوج اللي تتمنى تكمل معاه بقية حياتها، قالها انه مكنش عايز يصارحها باعجابه بيها لان لسة قدامه طريق طويل يبني فيه حياته المهنية ويكون نفسه عشان يكون قادر على تكاليف الجواز اللي بقت كل يوم في الطالع.

ساعتها قالت له انها مش عايزة تعيش مع واحد على الجاهز بعد ما يكون حقق كل حاجة في حياته أو يكون أهله هم اللي حققواهاله، انها عايزة تبني حياتها ركن ركن وطوبة طوبة مع الانسان اللي هترتبط بيه وتتجوزه، أعجب بيها أكتر وعرف ان دي نصه التاني اللي هيكمله صح، اتقدملها واتجوزها، أخوها يوم فرحهم قاله دي اختي الوحيدة لو شفت يوم في عينها دموع هتبكي انت بدالها دم، قاله متخفش دي في قلبي وعنيا وعمرها ما هتشوف مني جرح.

لسة فاكرة أول مرة دخلت فيها المطبخ بعد جوازهم، كانت مامتها مدياها لستة نصايح عشان ترضيه بطبختها الأولى بما إن أقصر طريق لقلب الراجل معدته، هي كانت محتاسة ومش عارفة تعمل حاجة، بس هو دخل معاها ووقف يساعدها رغم انه مكنش يعرف أي حاجة عن المطبخ هو كمان، بس أكلوا يومها أحلى بيض أومليت محروق، ومن يومها وهم كل يوم يطلعوا وصفة جديدة من النت ويعكوها سوا لحد ما بقوا أحسن شيفين في المطبخ، وأهلهم بيعزموا نفسهم عندهم مخصوص عشان ياكلوا من ايديهم.

الأكل من ايديهم بيبقى له طعم تاني خالص، مبيكونش مجرد أكل والسلام، بيكون متغمس بيحبهم وسعادتهم بيخلي أي حد يدوقه يدوق طعم السعادة فيه.

وصل محمد شركته اللي بقت أهم شركة دعاية واعلان في البلد، أول حاجة عينه بتقع عليها أول ما يدخل مكتبه صورته هو ورحمة اللي على مكتبه، رحمة اللي لولاها مكنتش الشركة دي هتبقى موجودة أصلاً، كان خايف ان كلامها قبل الجواز يتغير بعده لما تعيش الحياة بجد وتلاقي انها مش عايشة في نفس المستوى والرفاهيات اللي كانت متعودة عليها في بيت أهلها، بس هي كانت قد كلامها، وقفت جنبه وساعدته في كل خطوة، صدقت حلمه وآمنت بيه يمكن أكتر منه هو نفسه.

لما مامتها جات في يوم وقالت لها ان بنت عمها جوزها جاب لها عربية ولازم جوزك يجيب لك زيها عشان متبقيش أقل منها، قالت لها ان فرحتها الحقيقية يوم ما محمد يحقق حلمه ويفتح شركته ويكبروها مع بعض يوم بعد يوم ساعتها يبقوا يجيبوا أسطول عربيات حتى، كانت هي مصدر قوته ودعمه طول الطريق ولسة مكملين مع بعض عشان يحققوا أكتر. ابتسم محمد وهو بيفتكر كل الذكريات الحلوة مع حبيبته، وطلع موبايله عشان يطمن عليها.

  • ازيك يا حبيبتي عاملة ايه؟
  • وحشتني، ابنك بيسلم عليك، خد كلمه.
  • وااااااااااااء وااااااااء
  • طب ابعتي له البوسة دي.
  • وأنا فين بوستي؟
  • لما أجي هديهالك بنفسي متنفعش ع الطاير كدة.
  • قليل الأدب.
  • أموت أنا في قلة الأدب، يلا سلام دلوقتي ورانا مصالح.
  • طب متزقش، مع السلامة يا حبيبي.
  • بحبك
  • بحبك

تقفل رحمة التليفون وتتأمل في ابنها، وتكلمه: عارف ياواد انت اكتر حاجة بحبها فيك ايه؟ مش انك ابني انا اد ما انت ابنه هو، أبوك وأنا بولدك في المستشفى كان خايف عليا موت، كان بيقولي أنا لو أعرف انك هتتعبي كدة في الولادة كان بلاش منها الخلفة خالص، كان خايف أسيبه ميعرفش اني قاعدة على قلبكم انتم الاتنين، وانت لما تكبر هتشوف ازاي بابا وماما بيحبوا بعض وانهم جابوك بالحب مش زي أي اتنين بيجيبوا عيال وخلاص عشان لازم يخلفوا، ولما تكبر لازم تبقى راجل زي بابا مش زي ما الناس فاهمة الرجولة غلط.

الذوبان

   عاهدت نفسها مراراً أن لا تقع ثانية في نفس الخطأ، عاهدت قلبها أن لا تؤلمه بهذه الطريقة البشعة ثانيةً، لازالت تذكر تلك الأوقات عندما كانت معه، لم يكن لها وجود في تلك الحياة سوى أن يكون مقترناً بوجوده، كانت تأتمر بأمره وتنتهي بنهيه، كانت كالدمية بين يديه وهو من يملك كافة خيوطها يحركها كيف يشاء وقتما شاء، كانت كقطعة سكر ذابت في فنجان شاي فلم يعد لها وجود، هي قطعاً تضيف مذاقاً حلواً للشاي ولكنها في سبيل ذلك تختفي عن الوجود، ولا يذكرها أحد.

    بينما يظل الشاي باقياً لآخر رشفة في الفنجان. يرتشف الناس الشاي مستمتعين بمذاقه ولا يذكر أحد فضل قطعة السكر الذائبة التي أعطته ذلك المذاق الرائع، كما أن الشاي يمكنه استبدالها بسهولة بشيء آخر كالحليب أو النعناع أو البسكويت ليعطيه مذاقاً مختلفاً بينما تظل هي –قطعة السكر- مهملة لا يعيرها أحد انتباهاً، وعندما تذوب في فنجان الشاي فهي لا تستطيع الانفصال مرة أخرى، تظل مرتبطة بوجوده للنهاية ولا يكون لها أي هوية خاصة، كذلك كانت هي.

   كانت كقطعة السكر تلك، ذائبة في حبه ولا وجود لها سوى ما يقترن بوجوده. لولا آدميتها التي حباها الله بها، لولا أنها لم تكن مجرد قطعة سكر فعلاً، لما أستطاعت الفكاك من وجوده، ولكن ذلك الفكاك –أو أنه ذلك الذوبان- كلفها كثيراً، فقد أمضت سنوات غالية من عمرها تضمد جراحها وتكفكف دموعها وحدها بينما مضى هو في حياته غير عابئاً بشيء كأنها لم تكن يوماً هنا!

   لقد احتاجت لسنوات حتى تعيد بناء ذاتها ويكون لها كياناً مستقلاً غير ذاك الذي ذاب وانمحى، اعتقدت أنها تخلصت منه ومن ضعفها، وعاهدت نفسها أن لا تكرر الخطأ، ولكنها كانت واهمة، فالخطأ لم يكن منه بل هو خطأها هي، وهي لا تزال كما هي، فتاة رقيقة حالمة تسلم كل أسلحتها أمام الحب، وتعطي كل شيء بدون مقابل، فهي في الحب لا يؤمن قلبها بالحلول الوسط، فهو إما أن يحب فيعطي كل شيء، أو لا يحب فلا يعطي شيء.

    وهاهي مرة أخرى تقع في الحب لتجد نفسها لم تتعلم شيئ البتة، لتجد نفسها تخلف كل وعودها وتكرر نفس أخطائها، الفرق فقط أنها تعلم كيف ستكون النهاية!

قهر متسلسل

استيقظ في الصباح الباكر متوجهاً إلى عمله، وصل متأخراً بعد أن عارك زحام الطرق، وبخه مديره على تأخره المعتاد على الرغم من أنه يعلم أن لا حيلة بيده وأن الذنب ليس ذنبه، كلفه بأشق الأعمال ولم يتهاون معه في أي هفوة، أمضى يوماً عصيباً في عمله ككل يوم.
عاد إلى منزله؛ فوجد زوجته منهكة من متابعة أطفاله طوال اليوم، وبخها لأنها لم تنهي اعداد الطعام بعد، على الرغم من أنه يعلم أن ابنهما الصغير كان مريضاً في الصباح وأن عليها أن تعتني به وبشقيقته الكبرى!
أثناء تناولهم للغداء سكب ابنهما الشوربة على ملابسه وعلى الأرضية، وبخته على الرغم من أنها تعلم أنه مريض ولا يقوى على التحكم بيده!
بعد أن أنهوا الغداء، دخل الطفل غرفته، فأقبلت قطته تتمسح في قدمه؛ فركلها بعيداً بقوة على الرغم من أنه يعلم أنها تداعبه!

الانتقام

كان طفلاً بريئاً عندما رأى أبويه يُذبحان أمامه بدمٍ باردٍ، لم يكن بيديه حِيلةٌ وقتها، ولكنه أصر على أن يسلك درب الانتقام، في طريقه للانتقام قتل العديد من الأبرياء بدمٍ باردٍ أمام ناظري أطفالِهم، انتقم لأبويه ولكنه اكتشف في نهاية الطريق أنه أضحى هو وقاتل أبويه سواء، أنه صنع العديد من أمثاله في الطريق، كلهم يسعون لنفس الانتقام!

أنثى العنكبوت

 

في جزيرة نائية وعلى شاطئ مهجور، وضعت أنثى العنكبوت بيضها، كانت تأمل أن يخرج منها ذكوراً وإناثاً عديدة تملأ عليها أرجاء الجزيرة، ولكن خاب أملها، لم تنجو سوى بيضة واحدة، انتظرت أن تفقس بمنتهى الصبر، ولكن ما خرج منها أصابها بخيبة أمل لا حدود لها، لم يكن شبيهاً لها، لم يحظى بتلك الأرجل السحرية التي تمكنه من غزل خيوطه في كل مكان، كان جنيناً مشوهاً لا يمكنه التحرك لأي مكان، عرفت أنه سيكون عليها تحمل مسئوليته للأبد.

لم يكن أمامها سوى خيارين فقط لا ثالث لهما: إما أن تمتصه بلعابها وتلتهمه لتريحه من هذه الحياة، أو أن تتحمل مسئوليته وتسخر نفسها لرعايته، غلبتها عاطفة الأمومة؛ فقررت الابقاء على حياته، قررت أن يظل موجوداً في حياتها ولو سيكون عبئاً عليها، أدركت أن عبء وجوده أهون عليها من ألم فقدانه!