إنسانية كلب

 

استيقظت كعادتها في الصباح الباكر، توجهت إلى الشاطئ لتسبح مع أول شعاع للشمس، فكم تعشق هذا اللون الأرجواني الذي يغطي السماء وصفحة الماء في هذا الوقت من الفجر، والشمس في لونها البرتقالي الفاقع الذي يشق أحجبة الظلام ليعلن بدء يوم جديد يحمل الأمل والسعادة للبشر.

أشرقت الشمس بأشعتها الكثيفة لتغرق الوجود بنهار جديد، قررت الخروج من البحر والعودة لغرفتها، ولكنها فوجئت بوجود بعض الكلاب على الشاطئ، وهي ترتعب من الكلاب، قررت البقاء لفترة حتى رحيل تلك الكلاب، ولكنها صدمت بكلب آخر ولكن على هيئة بشرية يحاول الاقتراب منها والتحرش بها، حاولت الهرب والذهاب بعيداً في البحر ولكن انزلقت قدمها لتجد نفسها تغوص للأسفل وتواجه الموت غرقاً، حاولت الصراخ بأقصى ما يمكنها، ولكن لم يكن هناك من أحد على ذلك الشاطئ.

وذلك الكلب البشري قد لاذ بالفرار فور رؤيتها تتعرض للغرق، حاولت أن تقاوم سحب المياة لتطفو على سطح البحر وتصل للشاطئ، ولكن دون جدوى، رأها ذلك الكلب على الشاطئ الذي كانت تخاف أن تخرج بسببه، فهرع إلى البحر ليساعدها، جذبها من ملابسها إلى الشاطئ وهي في حالة اعياء، قفز على بطنها ليخرج منها مياه البحر التي ابتلعتها، أفاقت من اعيائها لتجد الكلب إلى جوارها وتعرف أنه من أنقذ حياتها، لتعرف أن الكلاب الحقيقية هم أولئك البشر الساقطون وأن الكلاب أكثر انسانية وأخلاقاً من أولئك البشر.

الإعلانات

الطريق

وصل إلى القمة كما كان يحلم دائماً، تلقى التهاني والتبريكات ممن حوله، خالجه الشعور بالسعادة والفخر لأيام، ثم جلس يفكر ماذا بعد؟ لم يعد هناك من بعد فقد حاز كل شيء، اكتشف أن كل المتعة كانت تكمن في الطريق للقمة وليس في الوصول إليها، وأن ما من سعادة بعد اليوم، أمسك مسدسه وصوب طلقته في رأسه.

رحلة طموح

استيقظت “سمية” من نومها كعادتها كل صباح على صوت “أم كلثوم” تشدو:

يا صباح الخير ياللي معانا

الكروان غنى وصحانا

والشمس طالعة وضحاها

اعتادت منذ طفولتها أن تستيقظ كل صباح على ذلك الصوت الشجي منطلقاً من مذياع قهوة عم “صابر” المجاورة لمنزلهم، وكانت إذا ما طرأ طارئ على عم “صابر” ولم يفتح القهوة يوماً أو تأخر عن موعده، لا تستطيع الاستيقاظ بسهولة، وتتعب أمها حتى توقظها لتذهب إلى المدرسة، مما اضطر أمها أن تضع لها مذياعاً خاصاً في غرفتها لتوقظها به كل صباح على أغنية “أم كلثوم”، وهاهي الآن بعد أعوام عندما تريد أن تستيقظ في الصباح لابد أن تضبط منبه هاتفها الجوال بأغنية “أم كلثوم” لتستطيع الإستيقاظ.

  • اطفي الهباب ده!

صرخت بها “عبير” زميلتها في الغرفة بنزل الفتيات، وقطعت عليها حبل ذكرياتها؛ فأغلقت رنين المنبه، في البداية كانا يتشجاران كثيراً حول هذا الموضوع خاصة أن “سمية” كانت تعدها إهانة لا تغتفر لصوت “أم كلثوم”، وعلى الرغم من أن “عبير” ذوقها لا يتعدى “أوكا وأورتيجا” إلا أنها لم تكن تقصد أي إهانة لأي أحد ولكن إصرار “سمية” على أن تضع تلك الأغنية نغمة للمنبه الذي يوقظها في السابعة صباحاً بل واستمتاعها بالاستماع إليها لمدة دقيقة كاملة حتى يتوقف المنبه تلقائياً هو ما كان يثير أعصاب “عبير” التي تود استكمال نومها بأمان دون إزعاج.

استغرق منهما وقتاً طويلاً حتى يستطيعا فهم بعضهما البعض وتكوين صداقة بينهما على الرغم من اختلاف أذواقهما، ولكن بالرغم من ذلك ظلت “سمية” على اصرارها بوضع تلك الأغنية نغمة منبهها الصباحي، ولكنها لم تعد تتشاجر مع “عبير” عندما تصيح بها طالبة منها اغلاق ذلك المنبه.

خرجت من غرفتها متوجهة إلى المطبخ؛ لترى ماذا تعد الفتيات للفطور وتساعدهم فيه.

  • ماذا ستعدون اليوم للإفطار؟
  • وماذا سنعد برأيك؟ كالمعتاد بيض وفول وجبن.
  • هل تودون أي مساعدة؟
  • وهل تنتظرين أن نعد لك الطعام ونأتي به إليك كالملكة؟!
  • وماذا أفعل؟
  • افعلي ما تستطيعين فعله، على الأقل بإمكانك غسل الصحون المتسخة وتنظيم السفرة!

ذهبت “سمية” لغسل الصحون في حوض المطبخ، وهي متألمة من طريقة كلام تلك الفتاة معها، ولكنها اعتادت على ذلك واصبحت لا تشكو لأحد من أحد، ولماذا تشكو إذا كان لا أحد يسمعها من الأساس، كل منهن لديها مشاكلها وإحباطاتها التي تفرغها على من حولها، وما من أحد منهن لديها الاستعداد لتتحمل هموم ومشكلات الأخرى فما بها يكفيها بل ويفيض إذا ما وجدت أحد تفيض له ولكن لا أحد لهن!

انتهت الفتيات من اعداد الإفطار وجلسن جميعاً يتناولن الإفطار معاً وهن يتبادلن الحديث والنكات، وبعد أن انتهين من تناول الإفطار ذهبت كل منهن إلى عملها كالمعتاد، وتوجهت “سمية” إلى دار الأوبرا لتزاول تدريباتها المعتادة مع الكورس. لقد أتت إلى القاهرة منذ عامان على أمل أنها ستصبح مطربة مشهورة ولكن للأسف مضى عامان كاملان وهي لا تزال عند نقطة البداية لم تتحرك شبراً واحداً منها، كانت تظن أن صوتها سيفرش لها طريقاً من الورود لتسيره بمنتهى السهولة.

ولكنها اكتشفت الحقيقة المرة: لم يعد الصوت الشجي هو السبيل للغناء بل أضحت هناك سبل عديدة لم يعد من ضمنها إطلاقاً روعة الصوت من عدمه، ولتصل إلى تلك الحقيقة صدمت مرات عديدة على أبواب المنتجين الموسيقيين والملحنين الذين كان سؤالهم دائماً عن حجم التنازلات الأخلاقية التي هي على استعداد لتقديمها لهم ليفتحوا لها أبواب المجد والشهرة ولم يسألها أحد يوماً عن مدى روعة صوتها الذي تسعى لإيصاله للجمهور بل لم يحاول أحداً منهم أن يستمع إلى صوتها ولو مرة واحدة من الأساس.

كانت أحياناً كثيرة يتسلل اليأس إلى نفسها وتتسائل عن جدوى بقائها في القاهرة وتضحيتها بأهلها ورضاهم عنها لتجري وراء حلم كالسراب؛ فقد حاربت العالم كله لأجل ذلك الحلم الذي كلما خيل إليها أنها اقتربت منه تجده أبعد ما يكون عنها، لقد أحبت الغناء العربي الأصيل منذ نعومة أظافرها، كانت تمضي أغلب أوقاتها تستمع إلى غناء “أم كلثوم” و”عبد الوهاب” و”فيروز” و”نجاة الصغيرة” و”فريد الأطرش” و”أسمهان” و”عبد الحليم حافظ” و”صباح”، ولكن “أم كلثوم” بالنسبة لها كانت القامة والهرم الذي لا تظن أنه سيتكرر يوماً ما.

كانت عائلتها تجتمع يومياً في الثانية عشرة مساءاً جوار المذياع ليستمعوا إلى احدى حفلات “أم كلثوم” على إذاعة الأغاني ويسترجعوا معها الذكريات، كانت دائماً ما تستمع من والديها عن ذكرياتهما مع حفلات “أم كلثوم” عندما كانا صغاراً، فقد حضرا عدة حفلات مع أهاليهم وقتها وكانت عائلاتهم تسافر خصيصاً إلى القاهرة في الخميس الأول من كل شهر لحضور حفلة “أم كلثوم” ونادراً ما فاتهم احدى حفلاتها، وكثيراً ما اكتشفا أنهما حضرا نفس الحفلة وتضاحكا على ذلك وظنا أنهما قد تلاقيا في صغرهما.

كانت تجلس بين والديها تستمع إلى “أم كلثوم” وإلى ذكرياتهما معها قبل أن تخلد إلى النوم؛ فكان آخر ما يطرق سمعها وأول ما تستيقظ على سماعه يومياً هو صوت “أم كلثوم”، وكانت تتباهى بين زميلاتها في المدرسة بحبها لـ”أم كلثوم” في الوقت الذي كانت لا تطيق الواحدة منهن الجلوس ساعة كاملة وربما أكثر للاستماع إلى احدى أغاني “أم كلثوم”، وكانت دائماً تجد التشجيع من أهلها ومن معلميها عندما تتبارى في الحفلات المدرسية أو العائلية بتقليد “أم كلثوم” وغناء بعض من أغانيها.

ولكن عندما كبرت وصرحت بحبها للغناء ورغبتها في امتهانه والالتحاق بمعهد الموسيقى العربية في القاهرة لدراسته فوجئت برفض عارم وهجوم شديد لتكتشف بين ليلة وضحاها أن الغناء حرام، لما إذاً لم يكن حراماً عندما كانوا يجتمعون يومياً لسماع أغاني “أم كلثوم” في الإذاعة؟! لما لم يكن حراماً عندما كانوا يذهبون لحضور حفلات “أم كلثوم” مع أهاليهم ويسافرون خصيصاً ويقطعون المسافات الطويلة لحضورها؟! لما لم يكن حراماً عندما كانوا يتباهون بجمال صوتها وحفظها لكل أغاني “أم كلثوم”؟!

لما لم يكن حراماً عندما كانوا يطلبون منها في كل حفلة أو اجتماع عائلي أن تغني لهم مما غنت “أم كلثوم”؟! أفجأة أصبح الغناء حراماً؟! وكيف يكون الغناء حراماً وقد خلق الله الكون يغني؟! أليس الله هو من خلق الطيور بأصواتها المختلفة تشكل لحناً غنائياً رائعاً؟! أليس صوت هدير المياة وارتطامها بالصخور وصوت الأمطار يعزف نوتة موسيقية ربانية رائعة؟! أوليس صوت الرياح وهي تداعب أغصان الشجر تشكل معزوفة لحنية غاية في الطرب؟! ألم يكن نبي الله “داوود” يترنم بتسابيحه وابتهالاته لله بما عرف إلى الآن بمزامير داوود وكانت تجتمع الإنس والجن بل والحيوانات لتطرب من ترانيمه؟!

ألا يتبارى مقرئوا القرآن في إبراز أصواتهم والتغني بآيات الله؟! أولم يحثنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) على ذلك قائلاً في صحيح البخاري: “ليس منا من لم يتغن بالقرآن”؟! كيف بعد ذلك كله يحرمون الغناء ما لم يتفحش بالقول أو يحض على حرام؟! وقد كان للغناء مكانة عالية في الدولة الإسلامية وكان للمغنيين والموسيقيين والشعراء منزلة رفيعة عند خلفاء المسلمين في كل العهود، بل إن الموسيقى الحالية تعتمد في كثير منها على القواعد والنظريات التي وضعها علماء الإسلام في الموسيقى أمثال: “الفارابي” و”زرياب” و”أبو الفرج الأصفهاني” و”الكندي” و”الموصلي”.

أسئلة كثيرة لم تجد لها جواباً شافياً عندهم، فقط ما وجدته كان التعنت والرفض القاطع لامتهانها الغناء وكأن الغناء سيجلب لهم العار ويفقدهم هيبتهم في المجتمع، ولأنها كانت لا تزال صغيرة حينها ولا تمتلك قرارها حاولت الوصول معهم لحل وسطي يرضيها ويرضيهم؛ فاقترحت عليهم دراسة الموسيقى بكلية التربية النوعية في محافظتهم بصعيد مصر؛ فوافقوا ظناً منهم أن هذا قد يشبع حبها للموسيقى والغناء وأن عملها كمدرسة بعد التخرج سيلهيها عن حلمها في الغناء، وقنعت هي مؤقتاً بهذا ظناً منها أنها خلال فترة دراستها بالكلية ستسطيع اقناعهم بحلمها عندما تصقل موهبتها بالدراسة ويرون بأعينهم تفوقها.

ولكن آمالها تلك تحطمت على صخرة الواقع، فبعد تخرجها عرض عليها أحد أساتذتها السفر إلى القاهرة للتدريب في الأوبرا لتصقل موهبتها وتجد طريقاً لها، وكادت أن تطير من الفرح عندما عرض عليها ذلك، ولكن عندما أخبرت والديها بذلك أسودت الدنيا في وجهها فلقد خيروها بينهم وبين المضي قدماً في تحقيق حلمها، ولم تشفع لها دموعها وتوسلاتها، فلم يكن أمامها إلا أن تختار أن تسير وحدها على الطريق دون دعم أو دعوة طيبة تذلل لها الصعاب.

حتى إن حبيبها الذي وهبته قلبها لم يستطع تفهمها ولم يقدر موهبتها ولم يمنحها حقها في الحلم، فقد خيرها هو أيضاً ما بين حلمها وبين زواجهما، لقد رأى أن وقوفها على المسرح للغناء اقتناصاً لرجولته واهانةً لكرامته، أخبرها أنه لم يكن يناقشها من قبل ظناً منه أنها ستنضج يوماً ما وتتخلى عن تلك الأحلام الطفولية وتعي أن هناك مسئوليات من المنتظر منها القيام بها، وألمها أنها أحبت يوماً ما رجلاً أنانياً بقدره لا يرى فيها سوى تابعة له تحقق له ما يصبو إليه من أحلام وليس من حقها أن تحلم لنفسها بشيء ويكفيها فخراً أن يكون راضياً عنها!

لم يشجعها أحد البتة في تحقيق أحلامها حتى صديقاتها رغم تعاطفهن معها إلا أنهن حاولن إثنائها كثيراً عن المضي في طريق حلمها خوفاً منهن عليها من تبعات ذلك الطريق وتخلي أهلها عنها، إلا أنها أصرت على المضي في طريقها وضحت في سبيله بكل غالي ونفيس، وظنت أنها عندما ستصل إلى هدفها دون أن تضحي بأخلاقها وقيمها ستثبت لأهلها أنها كانت على حق وستجعلهم فخورين بها، ولكن طال الطريق بها ولم تصل لشيء بعد حتى بدأ اليأس يدب في قلبها.

كانت تشتاق كثيراً لحضن أمها لترتمي فيه وتشكو لها من قسوة الحياة، كانت كلما رأت رجلاً أو امرأة مسنين في الشارع تذكرت والديها وسارعت بمساعدتهما في عبور الشارع أو حمل ما يثقلان بحمله طالبة منهم دعوة طيبة تهون عليها غربتها عن والديها، وآملة في نفسها أن يكون ذلك سبباً في تليين قلب والديها عليها يوماً ما.

وذات يوم –ربما كان ذلك يوم حظها- كانت في الأوبرا كالعادة تغني مع الكورس في إحدى الحفلات، وبعد انتهاء اليوم، لم تكن لديها الرغبة في العودة إلى نزل الفتيات في ذلك الوقت؛ فدخلت احدى القاعات وظنت نفسها وحدها لا يسمعها أحد فوقفت تغني بإندماج احدى أغنيات “أم كلثوم” الرائعة:

لسة فاكر قلبي يديلك أمان

ولا فاكر كلمة هتعيد اللي كان

ولا نظرة توصل الشوق والحنان

وبعد أن أنهت الأغنية وجدت من يصفق لها بحرارة؛ فنظرت نحوه فوجدته الملحن والمغني الشهير “محمد يوسف” ولم تدري ماذا تفعل وتسمرت مكانها حتى اقترب منها يسلم عليها محيياً ومعلناً عن إعجابه الشديد وانبهاره بصوتها، سألها: ما اسمك؟

  • سمية محمد محمود.
  • سومة؟

أومأت برأسها في خجل فقد كان ذاك اسم الدلع الذي يطلقه عليها والديها تيمناً بـ”أم كلثوم”، وقد سمياها “سمية” حتى يناديها بذلك الاسم، فقد كان من الصعب أن يسمياها “أم كلثوم” في ذلك العصر كان سيبدو اسماً كبيراً لطفلة صغيرة؛ فاختارا لها اسم “سمية” حتى يناديها بـ”سومة”.

  • لديك صوتاً رائعاً.
  • لا، أنا كنت فقط….
  • ششششششش، فقط استمعي إلي، لقد غنيتي أفضل مني!
  • أنت تمزح!
  • لا، أنا لا أمزح فيما يتعلق بالغناء والموسيقى، إذاً أنت تريدين أن تصبحي مطربة؟
  • من قال ذلك؟
  • أنت، لقد كنت تنظرين إلى صورة “أم كلثوم” المعلقة على الجدار وانت تغنين أغنيتها كالطفل الذي يتطلع إلى القمر ويريد لمسه، حتى إنك لم تعي بوجودي، هذه النظرة أخبرتني كل شيء.
  • كل الناس تتطلع إلى القمر ما المميز في ذلك؟
  • البداية، أي فنان يحوز شهرة عالمية لابد أن يتمتع بما يميزه ولا تأتي شهرته من التقليد، أنت تملكين ذلك الشيء المميز ولكنك تحتاجين إلى قوة دافعة.
  • ما الذي سمعته في صوتي ولم يسمعه الآخرون؟! لقد حاولت جاهدة ولكن أحداً لم يعطني فرصة واحدة.
  • لذلك أنا هنا؛ لأعطيك تلك الفرصة.

راجعت خيباتها المتلاحقة في ذهنها فبادرته قائلة بنظرة شك: أنا لست من نوعية الفتيات التي تظنها.

ضحك قائلاً: أنا لا أقول مثل هذا الكلام لفتيات من تلك النوعية.

  • آسفة، ولكن كما يقول المثل: “اللي اتلسع من الشوربة ينفخ في الزبادي”.
  • إذاً أراك في الغد.

وأعطاها بطاقته، وسلم عليها راحلاً، لم تكن تعي ما حولها من الفرحة، لم تكن تعلم إذا ماكانت تحلم أم أن ما حدث حقيقة، ظلت تنظر طويلاً للبطاقة وهي لا تصدق نفسها، لم تنم ليلتها، وفي الصباح الباكر توجهت إلى مكتبه، كان جاداً حولها، وجدته قد قرر أن يطلقها كمغنية في احتفالات رأس السنة الجديدة، كان قد نظم لها جدولاً حافلاً للتدريب طوال الشهر المتبقي، واختار لها افضل الكلمات ووضع لها أرقى الألحان، أمضت شهراً حافلاً بالتدريبات والتسجيلات وهي لا تزال غير مصدقة لما يحدث.

حتى بدأت أخبار اطلاقتها تستحوذ على معظم الأخبار الفنية واعلانات ألبومها الغنائي تغرق شاشات التلفاز ومحطات الإذاعة، والكثيرون ينتظرون سماعها بفارغ الصبر، ووصلت أخبارها لأهلها، فوجئوا بها وفوجئوا أنها لا زالت ابنتهم التي ربوها لم تتنازل عن أخلاقها وقيمها لتصل إلى ما هي عليه، لازالت ببرائتها تلك تكسو وجهها، لم يخدش حيائها شيء، وقبل أول حفل لها فوجئوا بالملحن “محمد يوسف” يطرق بابهم راجياً منهم حضور حفلها الأول؛ فقد كان يعلم جيداً أن ذلك سيعني لها الكثير ويعلم أيضاً أن كبرياء الأب والأم سيمنعهما من اتخاذ تلك الخطوة وحدهما دون أن يخبرهما أحد كم تشتاق لهما ابنتهما وكم تحتاجهما إلى جوارها.

وقفت أمام المرآة تستعد إلى حفلها الأول، ارتدت أبهى فستان، وعلى الرغم من سعادتها البالغة إلا أنها كانت تغالب دموعها فكم كانت تتمنى وجود والديها معها في ذلك اليوم، حاولت التماسك لتصعد إلى المسرح وتغني لجمهورها الذي انتظرها بفارغ الصبر، وما إن بدأت فقرتها واعتلت المسرح حتى فوجئت بوالديها يجلسان في مقدمة الصفوف وأعينهما تغرورق بالدموع وهما يصفقان لها بحرارة، لتجد دموعها تنساب رغماً عنها، وتعلن أن أغانيها اليوم مهداة إلى والديها فقط اللذان كان لهما الفضل الأكبر في حبها للغناء الراقي والموسيقى ولولاهما لما وقفت يوماً على ذاك المسرح.

عال شامخ

بقلم: سارة الليثي

وقف “محمد” ينظر الى المارة والطرقات والبيوت والمباني الشاهقة، فقد اعتاد منذ مولده هذا المشهد.. يرى الناس بينما لا يراه أحد.. و تنهد بحسرة، فقد كان فيما مضى يرى حياته سعيدة مبهجة.. أما الآن، بعد أن كبر والتحق بالمدرسة؛ فقد عرف حقيقة الأمر.. فهو لا يسكن في مكان فسيح وعال كما قالت أمه وكذلك والده، إنما هو يسكن في سطح منزل متهالك قديم، وان كان هذا السطح يطل على بيوت شاهقة وعمائر فاخرة.. والآن و بعد أن أصبح له زملاء وأصدقاء يسكنون في هذه العمائر؛ فقد عرف حقيقة أمره..

عندها دخلت عليه أمه، ولمحت الحزن في عينيه؛ فقالت له بابتسامة مشرقة: ألم أقل لك أنك من هذا المكان ترى الدنيا كلها بينما لا يراك إنسان؟.. فأنت عال لا يرتقي اليك أحد.. فنظر اليها في حزن، وأطرق رأسه، وقال في نفسه: أي علو هذا؟! ياليتني كنت أسكن إحدى هذه العمائر الفاخرة؛ حينها كان سيحترمني زملائي، ويسعوا لمصادقتي كما يفعلوا مع من يسكنون تلك العمائر. قالت أمه في نفسها: ياليتك تفهم كلامي، وتسعى إلى العلا الحقيقي؛ فليس العلا بالنقود، وفخامة المسكن، وإنما بالقناعة والرضا والأخلاق الحميدة والنجاح في الحياة.

أحتضنته أمه ثم تركته وذهبت تعد الطعام، بينما جلس “محمد” وحيداً يفكر في “عمرو” زميله في المدرسة الذي يسعى دائماً لإغاظته بما معه من نقود، وأنه يعيش في منزل أجمل وأرقى من منزله. فقد كان “محمد” متفوق في دراسته بينما “عمرو” بليد ودائماً درجاته سيئة هذا إذا لم يرسب تماماً، ولذلك كان يكره “محمد”؛ لأن جميع أساتذته يحبونه ويشجعونه بينما يوبخونه هو على انحدار مستواه الدائم، وعدم انتباهه لدراسته حتى والديه كانا دائماً ما يحفزانه ليكون كزميله “محمد”.

ولكن “محمد” لصغر سنه لم يكن ينتبه لتلك المزايا التي يمتلكها و يتمناها أي شخص آخر. وبمرور الأيام كبر “محمد” والتحق بالثانوية العامة، ولم تكن ظروف والديه المادية تسمح بأن يأخذ دروس خصوصية، بينما كان “عمرو” يأخذ دروس في جميع المواد، ويفخر دائماً بأنه يأتي إليه أفضل الأساتذة، ولذلك فهو واثق من نجاحه وأنه سيكون الأفضل بين زملاءه ولكنه لم يكن يستذكر دروسه ولم يسعى لتحقيق ذلك النجاح الذي يصبو اليه. بينما كان “محمد” يستذكر دروسه أولاً بأول ويسعى إلى النجاح والتفوق بكل ما أوتي من قوة، فكان يأتي ترتيبه الأول بين زملاءه دائماً.

وفي نتيجة الثانوية العامة كان الأول على الجمهورية، وتفوق على جميع أقرانه، والتحق بأفضل الكليات، وفي يوم تكريمه تذكر جملة والدته: “أنت عال لا يرتقي إليك أحد”.. فعرف معناها، وأيقن أن العلا ليس بالنقود، وإنما العلا يأتي من داخل الإنسان الذي يسعى إليه بدأب واجتهاد وبهما يمكن أن يحصل على كل ما يريده.