حتى لا ننسى: مذبحة دير ياسين

كتبت: سارة الليثي

   دير ياسين” قرية عربية تقع غربي مدينة القدس، اقترن أسمها بالمذبحة التي ارتكبتها جماعة (أرجون) الإرهابية الصهيونية بقيادة “مناحم بيجن”، في 9 أبريل 1948م، بعد أن غزا الصهاينة المسلحون القرية، وقاموا بجمع سكانها صغاراً وكباراً ونساء، وأطلقوا عليهم النيران مع تعذيبهم وبقروا بطون النساء الحوامل، وقاموا بتشويه أجسام الضحايا، حتى يصعب التعرف عليهم، ثم قاموا بجمع الجثث التي بلغ عددها (254) جثة، وألقوا بها في بئر القرية.

  ومما حدث فى ذلك اليوم أن بقى عند “حياة البلبيسي” فى المدرسة 15 طفلاً وطفلة، فقامت بتحويل المدرسة إلى مراكز إسعاف، لأنها مسئولة الصليب الأحمر في دير ياسين، وظنت أنها تحمي نفسها والأطفال بذلك، وأخذ الجرحى بالتوافد عندها، ولكن عند الظهيرة جاء اليهود الصهاينة وأجهزوا على الجرحى، وقتلوا جميع الأطفال وقتلوها، ثم وضعوا الجميع على شكل كومة جثث فوقها جثتها، وأسرعت فتاة يهودية وخلعت علم الصليب الأحمر عن باب المدرسة وغرسته عميقاً فى كومة الجثث والجميع يصفق لها إعجاباً بما تفعل.

   وقد فاخر “مناحم بيجن” (الذي أصبح رئيساً لوزراء الكيان الصهيوني 1977-1983م، والذي حاز على جائزة نوبل للسلام !!) بهذه المذبحة، وعدها سبباً مهماً فى إنشاء الدولة اليهودية وتهجير العرب، فقال: “…أصيب العرب بهلع قوي لا حدود له بعد أخبار دير ياسين، فأخذوا يفرون للنجاة بأرواحهم …، فمن أصل 800 ألف عربي كانوا يعيشون على أرض إسرائيل الحالية لم يتبق سوى 165 ألفاً… ما وقع في دير ياسين، وما أذيع عنها ساعد على تعبيد الطريق لنا، لكسب معارك حاسمة فى ساحة القتال، وقد ساعدتنا أسطورة دير ياسين بصورة خاصة على إنقاذ طبرية، وغزو حيفا… كان لمذبحة دير ياسين أثر بالغ في نفوس العرب يساوى ستة أفواج من الجنود“.

 

Advertisements

تاريخ القضية الفلسطينية.. صراع واحتلال لا تعرفه الأجيال الجديدة

بقلم: سارة الليثي

    منذ القرن السادس عشر الميلادي وقد ظهرت حركة الإصلاح الديني “الحركة البروتستانتية” التى ركزت على الإيمان بالعهد القديم “التوراة”، ونظرت لليهود وفق رؤية توراتية بأنهم “أهل فلسطين” المشردين في الأرض، وآمنت بأن اليهود سيجمعون من جديد في فلسطين لعودة المسيح المنتظر الذي سيقوم بتنصيرهم، ليبدأ بعد ذلك عهد يمتد ألف سنة من السعادة، وهكذا ظهرت “الصهيونية غير اليهودية” خصوصاً وسط هؤلاء البروتستانت الذين دعموا المشروع الصهيوني بناء على خلفية دينية، ورغم أن حملة “نابليون بونابرت” على فلسطين انتهت بالفشل على أسوار مدينة عكا 1799م، إلا أنه كان أول زعيم سياسي أوربي يصدر دعوة رسمية لليهود لتحقيق آمالهم وإقامة كيانهم على أرض فلسطين، وقد نشر دعوته هذه فى 20 أبريل 1799 فى أثناء حصاره لعكا.

   ومنذ القرن 19، واليهود يلتمسون الوسائل للهجرة إلى فلسطين على اعتبار أنها هي أرض الميعاد التى وعد الله بها شعبه المختار، وأنها الأرض التى ستجمع اليهود المشتتين بين شعوب العالم. وأخذت الهجرة اليهودية تتخذ طابعاً أكثر تنظيماً وكثافة منذ 1882م أثر تصاعد “المشكلة اليهودية” فى روسيا، وقد كان إنشاء المنظمة الصهيونية العالمية وانعقاد مؤتمرها الأول فى بال بسويسرا 27-29 أغسطس 1897 بزعامة “تيودور هرتزل” فاتحة العمل الصهيوني السياسي لتأسيس الدولة اليهودية على أرض فلسطين، وقد حرص “هرتزل” على تحقيق المشروع الصهيوني من خلال الاتصالات الدبلوماسية.

   وحاول “هرتزل” عبثاً إقناع الدولة العثمانية ببيعه فلسطين، أو إعطاء اليهود حكماً ذاتياً فيها تحت السيادة العثمانية، وفتح أبواب الهجرة اليهودية إليها مقابل عروض مغرية كانت الدولة العثمانية في أمس الحاجة إليها، إلا أن السلطان “عبد الحميد الثاني” رفضها رفضاً باتاً، ورد عليهم قائلاً: انصحوا الدكتور “هيرتزل” بألا يتخذ خطوات جدية في هذا الموضوع، فأنني لا أستطيع أن اتخلى عن شبر واحد من هذه الأراضي، فهي ليست ملكي، ولكنها ملك شعبي الذي ضحى في سبيلها، وروى ترابها بدمائه، فليحتفظ اليهود بملايينهم، فإذا مزقت امبراطوريتي يوماً فأنهم يستطيعون أن يأخذوا فلسطين بلا ثمن أما وأنا حي، فإن عمل المبضع في بدني أهون علي من أن أرى فلسطين وقد بترت من امبراطوريتي، فأنني لا استطيع أن أوافق على تشريح أجسادنا، ونحن لازلنا على قيد الحياة !!!.

   وفي 2 نوفمبر 1917م صدر تصريح بلفور أثناء الحرب العالمية الأولى نظراً لارتباط مصالح بريطانيا بمصالح الصهيونية، فأصبحت مستعدة لتأييد اليهود في إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ومن هنا صدر تصريح بلفور في صورة خطاب إلى رئيس الطائفة اليهودية في بريطانيا، ويقول فيه:

“عزيزى اللورد روتشيلد”:

          إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وستبذل أقصى مساعيها لتحقيق هذا الهدف على أن يكون مفهوماً أن شيئاً لن يهمل قد يكون من شأنه المساس بالحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف الحالية غير اليهودية في فلسطين، ولا بالحقوق أو بالوضع السياسي الذى يتمتع به اليهود في أي بلد آخر.

          أكون ممتناً إذا أحطم المنظمات الصهيونية علماً بهذا التصريح.

                                                                                   المخلص

                                                                             أرثر جيمس بلفور

   وأتم البريطانيون احتلال جنـوب فلسطين ووسـطها في ديسمبر 1917م، واحتلوا القـدس فى 9 ديسمبر 1917م، وفي سبتمبر 1918م احتل البريطانيون شمال فلسطين، ومنذ ذلك الوقت فتحت بريطانيا بالقوة مشروع التهويد المنظم لأرض فلسطين، واستطاعت إقناع فرنسا بالتخلي عن مشروع تدويل فلسطين كما فى نصوص سايكس بيكو، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى طالبت مذكرة الصهيونية فى 3/2/1919م بالاعتراف بالحقوق التاريخية لليهود فى فلسطين، وحقهم فى إقامة وطن قومي لهم هناك على النحو التالي:

1-      وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني.

2-      العمل على تنفيذ تصريح بلفور.

3-      إقامة مجلس تمثيلي ليهود فلسطين.

   وصدر قرار من عصبة الأمم في 24 يوليو 1922م بانتدابها على فلسطين، وتم تضمين وعد بلفور فى صك الانتداب، بحيث أصبح التزاماً رسمياً معتمداً دولياً، وقد تضمن صك الانتداب على فلسطين مسئولية الدولة المنتدبة (بريطانيا) فى الارتقاء بمؤسسات الحكم المحلي، وصيانة الحقوق المدنية والدينية لجميع سكان فلسطين، وهذا يعني ألا يقف وعد بلفور في نهاية الأمر عائقاً في وجه أبناء فلسطين ضد الارتقاء بمؤسساتهم وإقامة دولتهم، وكان تنفيذ وعد بلفور يعني عملياً الإضرار بمصالح أهل فلسطين وحقوقهم وتعطيل بناء مؤسساتهم الدستورية باتجاه إقامة دولتهم.

    وسارت بريطانيا في طريق إبادة عرب فلسطين وتهويدها، وعينت “هربرت صموائيل” الصهيوني مندوباً سامياً بريطانياً، وشكلت إدارة عليا ذات طابع صهيوني. وأصدرت القوانين التى تنقل الأراضي المملوكة للعرب إلى اليهود، وتسهل الانتقال بالشراء أو التنازل من أيد العرب لليهود، وأصدرت الكتاب الأبيض الأول 1922م، ونص على:

1-      أن فلسطين ستصبح يهودية، كما أن انجلترا إنجليزية.

2-      تصريح بلفور غير قابل للتغيير وأن وطناً قومياً سيؤسس لليهود فى فلسطين.

3-      زيادة عدد الطائفة اليهودية بزيادة الهجرة إلى فلسطين.

4-      الارتقاء بفلسطين حتى تصبح مركزاً للشباب اليهودي.

وسارت بريطانيا فى تنفيذ كتابها الأبيض الأول بالوسائل الآتية:

1-      فتح باب الهجرة أمام اليهود إلى فلسطين، فتضاعف عدد اليهود من 55 ألفاً سنة 1918م إلى 646 ألفاً سنة 1948م “أى من 8% من السكان إلى 31%”.

2-      استصدار قوانين نزع الملكية لانتقال أراضي العرب إلى اليهود فتزايدت ملكية اليهود للأرض من نحو نصف مليون دونم “2% من الأرض”، إلى نحو مليون و 800 ألف دونم “6.7% من أرض فلسطين”.

3-      إلحاق الشباب اليهودي بالأراضي الزراعية.

4-      تحميل المواطن العربي بضرائب باهظة حتى يضطر إلى بيع أرضه.

    ورغم أن المؤامرة كانت أكبر بكثير من إمكانات الشعب الفلسطيني، إلا أن شعب فلسطين رفض الاحتلال البريطانى والمشروع الصهيوني، وطالب بالاستقلال، وقامت التيارات الوطنية والإسلامية بزعامة الحاج “أمين الحسينى” بالتعبئة الشعبية والتحركات السياسية والثورات العارمة، فكانت ثورات القدس 1920م، ويافا 1921م، وفى عام 1929م تعدى اليهود على حق العرب فى حائط البراق، وهو جزء من المسجد الأقصى، ويعتبره اليهود مقدساً، ويطلقون عليه حائط المبكى، وقامت ثورة البراق، وتدخلت القوات الإنجليزية ضد العرب وسيطرت على الموقف، وأصدرت الكتاب الأبيض الثاني 1930م، ونص على:

1-      التأكيد على تنفيذ تصريح بلفور.

2-      رفض إقامة حكومة دستورية ديمقراطية.. لأن ذلك يتنافى مع هدفها فى أن تصبح فلسطين يهودية.

3-      تشكيل مجلس تشريعي من العرب واليهود.

4-      فرض قيود على الهجرة دون وضع الوسائل التي تحقق ذلك.

5-      انتقاد تسلل أعداد من اليهود إلى فلسطين بطريقة غير مشروعة، ولم تضع الإجراءات التي تمنع هذا التسلل.

    واعتبر اليهود هذا الكتاب تخلياً من بريطانيا عن التزامها بإنشاء الوطن القومي، وظلوا وراء الحكومة البريطانية، حتى أصدرت بياناً ألغى كل ما وجده اليهود ماساً بمخططاتهم بأن تكون فلسطين لليهود فقط، وأخذت جموع اليهود تتدفق على فلسطين بسبب اضطهاد “هتلر” وحكمه النازى ضدهم، وكانت الحكومة الإنجليزية والوكالة اليهودية تقدم كافة المساعدات للمهاجرين، لكى يستقروا فى فلسطين بشكل انتاجي، وأكد البرلمان الإنجليزي أن تمليك فلسطين لليهود ما هو إلا سياسة بريطانية راسخة.

          عين “أرثر واكهوب” في الفترة (1931-1938) مندوباً سامياً على فلسطين، وكان أكثر المندوبين الساميين سوءاً ودهاءاً ونجاحاً في تنفيذ المشروع الصهيوني حيث وصل المشروع فى عهده إلى درجات خطيرة، ففي الوقت الذي كانت السلطات البريطانية تسعى لنزع أسلحة الفلسطينين، بل وتسجن لسنوات من يملك رصاصات أو خنجراً أو سكيناً طويلاً، فأنها غضت الطرف، بل وشجعت سراً تسليح اليهود لأنفسهم وتشكيلهم قوات عسكرية وتدريبها، بلغ عددها مع اندلاع حرب 1948م أكثر من سبعين ألف مقاتل (64 ألف مقاتل من الهاغاناه، خمسة ألاف من الأرغون، وألفين من شتيرن … وغيرها)، وهو عدد يبلغ أكثر من ثلاثة أضعاف الجيوش العربية السبعة التى شاركت فى حرب 1948م!!.

   ونتيجة لذلك قامت ثورة أكتوبر 1933م، ففي يوم 13 أكتوبر أضربت فلسطين وخرجت مظاهرة كبيرة من المسجد الأقصى بقيادة اللجنة التنفيذية، وقامت الشرطة بتفريق المتظاهرين بالقوة مما أدى إلى وقوع 11 جريحاً بينهم خمسة من الشرطة، وفي يوم 27 أكتوبر عم الإضراب فلسطين، وخرجت مظاهرة كبيرة في يافا بعد صلاة الجمعة بقيادة اللجنة التنفيذية، وحاولت الشرطة تفريق المتظاهرين، إلا أن الأمر تحول إلى مواجهات عنيفة، أدت حسب المصادر البريطانية إلى مقتل 14 عربياً بالرصاص، وجرح العشرات.

    بينما ذكر بيان اللجنة التنفيذية أن ثلاثين قد قتلوا وجرح مائتان واعتقلت السلطات 12 من القادة الفلسطينين، بينهم ثلاث أعضاء فى اللجنة التنفيذية، وأصيب “موسى كاظم الحسيني” رئيس اللجنة بكدمات، وذكر أنه توفي متأثراً بهذه الإصابة فى مارس 1934م، وشكل العرب اللجنة العربية العليا عام 1935م للدفاع عن حقوق عرب فلسطين، وقدمت الزعامات العربية فى 25 نوفمبر 1935م مذكرة طالبت فيها بـالآتي:-

1-      تشكيل حكومة نيابية.

2-      وقف الهجرة اليهودية الشرعية، وغير الشرعية.

3-      إصدار بطاقة شخصية لكل مواطن فلسطيني، حتى لا يدعيها من ليس له حق فيها.

4-      منع انتقال الأراضي من العرب إلى اليهود بإصدار قانون الأفدنة الخمسة يبقيها بعيداً عن النزع والمصادرة.

    ونتيجة لرفض الحكومة البريطانية مطالب العرب اندلعت الثورة عام 1936م، واستمرت حتى 1939م، وتمكنت هذه الثورة في بعض مراحلها من السيطرة على كل الريف الفلسطيني، بل والسيطرة على عدد من المدن، بينما انكفأت السلطات البريطانية في بعض المدن الهامة، وقدمت هذه الثورة نموذجاً عالمياً هو أطول إضراب يقوم به شعب كامل عبر التاريخ حيث استمر 178 يوماً، واستخدمت ضدها بريطانيا أشد أنواع البطش من قصف بالطائرات وهدم بيوت المجاهدين، وتطبيق العقاب الجماعى على القرى، ومع ذلك استمرت الثورة.

    وعندما اقتربت بوادر الحرب العالمية الثانية لجأت بريطانيا إلى ملوك العراق والسعودية والأردن، لكي ينصحوا الثوار بالتوقف عن الثورة والتباحث مع لجنة بيل التى سوف ترسلها بريطانيا إلى فلسطين. وقد وصلت اللجنة إلى فلسطين فى 12 نوفمبر 1936م، واستمرت تحقيقاتها ستة أشهر، وقدمت تقريرها وتوصياتها فى 7 يوليو 1937م فى مجلد من أكثر من 400 صفحة، وأوصت بتقسيم فلسطين إلى دولتين: دولة يهودية تتضمن جميع مناطق الجليل ومرج “ابن عامر” فى شمال فلسطين (بما فيها صفد، وطبريا، وبيسان، وحيفا، وعكا ..)، والسهل الساحلي الممتد من شمال فلسطين إلى نحو 25 كيلو متراً جنوبي تل أبيب، أما مناطق القدس وبيت لحم والناصرة مع ممر يصل القدس بيافا، فتبقى تحت الانتداب، ويتم توحيد باقى أرض فلسطين مع شرق الأردن.

          وقد رفض الفلسطينيون بشكل مطلق هذا المشروع، واستأنفوا بشكل أشد وأعنف المرحلة الثانية من الثورة الكبرى، أما اليهود فقد رفضوا الحدود المقترحة لكنهم فوضوا اللجنة التنفيذية للحركة الصهيونية للدخول في مفاوضات مع بريطانيا، للتحقق من خطة التقسيم، ثم إحالتها إلى مؤتمر صهيوني جديد لإصدار قرار بشأنها. فأضطرت بريطانيا لإصدار الكتاب الأبيض الثالث مايو 1939م الذي تعهدت بتنفيذه بغض النظر عن قبول العرب واليهود أو رفضهم:

1-      أكد أن بريطانيا غير عازمة على إقامة دولة يهودية فى فلسطين.

2-      سوف تقام بعد عشر سنوات دولة فلسطينية يتقاسم فيها العرب واليهود المسئولية والسلطة بما يحقق مصالح الطرفين.

3-      تحديد الهجرة اليهودية خلال الخمس سنوات التالية بعشرة آلاف مهاجر سنوياً بالإضافة إلى 25 ألفاً يسمح لهم فوراً بالهجرة وبعد هجرة هؤلاء (الـ75 ألفاً) تتوقف الهجرة اليهودية، ولا تتم إلا بموافقة العرب، وبشرط ألا يزيد اليهود عن ثلث السكان.

4-      وقف بيع الأرض نهائياً لليهود في فلسطين إلا في مناطق محددة، وضمن شروط لا تضر بالفسطينيين حسب رأى المندوب السامي البريطاني.

   ولكنها تنكرت لالتزاماتها فى أخر 1945م، وعادت الحياة للمشروع الصهيوني من جديد برعاية أمريكية، وفى 29 نوفمبر 1947م أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرار رقم 181 بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية (نحو 54% للدولة اليهودية، و45% للدولة العربية، 1% منطقة دولية “منطقة القدس”) وكان ظلماً فادحاً بإعطاء الأقلية اليهودية الدخيلة المهاجرة الجزء الأكبر والأفضل من الأرض. وأعلن الصهاينة دولتهم “اسرائيل” فى مساء 14 مايو 1948م، بعد أن تمكنوا تحت حماية الحراب البريطانية من بناء مؤسساتهم الاقتصادية والسياسية والتعليمية والعسكرية والاجتماعية وتأسيس 292 مستعمرة وكونوا قوات عسكرية يزيد عددها عن سبعين ألف مقاتل، واستولوا على نحو 77% من أرض فلسطين، وشردوا بالقوة 800 ألف فلسطينى خارج المنطقة التي أقاموا عليها كيانهم من أصل 925 ألفاً كانوا يسكنون فى هذه المنطقة، ودمروا 478 قرية فلسطينية من أصل 585 قرية كانت قائمة في المنطقة المحتلة وارتكبوا 34 مجزرة.

   وواصل الكيان الصهيوني تهويد أرض فلسطين بشكل حثيث، وسعى لاجتثاث هويتها الإسلامية ومعالمها الحضارية، فقد صادر حوالي 97% من الأرض التي احتلها سنة 1948م بما فى ذلك أراضي وأملاك الفلسطينيين الذين قام بتشريدهم ومعظم الأوقاف الإسلامية، والكثير من أراضي من بقى من العرب هناك، وبنى الصهاينة 756 مدينة وقرية استيطانية فى الأرض المحتلة عام 1948م، وبعد حرب 1967م صادر الصهاينة 60% وأكثر من مساحة الضفة الغربية وبنى فوقها 192 مستعمرة، كما صادر 30% من مساحة قطاع غزة، وبنى فوقها 14 مستوطنة.

    وفتح الكيان الصهيوني أبواب الهجرة إلى فلسطين، فهاجر إليها أكثر من مليونين و800 ألف يهودي فى الفترة من 1949م – 2000م، ليبلغ العدد الكلي لليهود حوالي خمسة ملايين. وركز الصهاينة على تهويد مدينة القدس، فسيطروا على 86% منها، وملؤوها بالمهاجرين اليهود (450 ألف يهودي مقابل 200 ألف فلسطيني حسب إحصائيات سنة 2000م”، وفي منطقة القدس الشرقية حيث المسجد الأقصى أسكنوا 200 ألف يهودي بعد أن أحاطوها بسوار من المستوطنات اليهودية يعزلها عن محيطها الإسلامي العربي، وأعلنوا أن القدس عاصمة أبدية للكيان الصهيوني.

   واهتم الصهاينة بالسيطرة على المسجد الأقصى، فصادورا الحائط الغربي للمسجد الأقصى “حائط البراق”، وحفروا أربعة أنفاق بشكل يهدد بانهيار المسجد في أي لحظة، وتشكل نحو 25 تنظيم إرهابي يهودي يهدف إلى تدمير المسجد الأقصى وإقامة الهيكل اليهودي مكانه، وكان أشهر الاعتداءات حرق المسجد الأقصى فى 21 أغسطس 1969م. وفى سبتمبر/ أيلول عام 1996م، أفتتح “ايهود أولمرت” رئيس بلدية القدس الغربية نفق البراق، ودفع الفلسطينيون ثمن التصدي لمحاولة إعادة فتح النفق 6500 مقدسياً منهم سقطوا قتلى.

    ولم تنقضي ستة أشهر بعدها إلا واندلعت مصادمات عنيفة أخرى في منطقة جبل أبي غنيم بالقدس، حيث ظهرت الجرافات الإسرائيلية إيذاناً بالعمل لبناء مستوطنة جديدة، فكانت أحداث جبل أبي غنيم التى أفضت مع التراكمات وعوامل أخرى إلى تعثر عملية السلام ولا زال الكيان الصهيوني إلى يومنا هذا يحتل الأراضي الفلسطينة ويجرفها من أهلها وتراثها مستخدماً ضدهم كل الأسلحة المحرمة خارقاً جميع المواثيق الدولية والإنسانية بدون حسيب أو رقيب والمجتمع الدولي يغض الطرف عن فظائعهم بل ويجد مناصراً له من بين العرب.

    وليس بعيداً عن الذكر أحداث العدوان على غزة في عام 2010 وما تبعها من سقوط شهداء بالألاف ومصابين وجرحى فقدوا أطرافهم من بينهم أطفال في سن الزهور، ولا زالت الأحداث تتابع كل عام، وإن كانت الكثير من دول العالم العربي قد انشغلت بأحداث الربيع العربي التي ألمت بها؛ فانتهز الصهاينة تلك الفرصة ليعيثوا في فلسطيننا فساداً مطمئنين أن العرب والمسلمين أصبح هناك من الأحداث ما يشغلهم عن الاهتمام بجرائمهم!

 

الهوية الثقافية دليل الشعوب

بقلم: سارة الليثي

   الهوية الثقافية للمجتمعات هي عامل تحرير للأمم في المقام الأول، ومن ثم تبدو مبرراً لحركات الاستقلال ومقاومة الاستعمار وبالنسبة للدول النامية تظل الهوية الثقافية ضماناً لوجودها كأمة، فالتنمية الذاتية للشعوب يجب أن تأخذ في اعتبارها القيم الثقافية الأصيلة والمعانى الخاصة لهذه الشعوب، ويجب بأي حال من الأحوال ألا تضيع الهوية الثقافية للأمم على حساب خضوعها للمصالح الأجنبية، فهي عنصر من عناصر التفاعل البشري والصراع الحضاري وتمثل الركن الأساسي من أركان الأمن القومي للأمم.

والهوية الثقافية لأية أمة من الأمم هي وثيقة تعريف لكل فرد من أفرادها في العالم الخارجي باعتباره منتمياً إلى تلك الجماعة فهي السمات والقسمات العامة التي تميز حضارة الأمة عن غيرها من الحضارات والتي تجعل للشخصية الوطنية والقومية طابعاً تتميز به عن الشخصيات الأخرى، وبقدر وضوح الهوية الثقافية للأمة ورسوخها في وجدان الفرد والجماعة بقدر ما تتميز تلك الأمة وتنفرد بخصائصها الذاتية عن غيرها من الأمم الأخرى، وترجع أهمية التعرف على الهوية في أنها حجر الزاوية في تكوين الأمم باعتبارها تراكم تاريخ طويل من القيم الثابتة التي نشأت عبر عمليات اجتماعية وتاريخية.

والتبعية للدول الأخرى تُفقد الشعوب هويتها حيث يقول الدكتور “محمد سيد محمد” فى كتابه “الصحافة بين التاريخ والأدب”: لقد استوقفنى فى تاريخ الشعر العربي أن الغساسنة والمناذرة دولتان عربيتان لما يقرب من خمسة قرون على اتصال مباشر بالقوتين الأعظم فى الجاهلية وعند ظهور الإسلام، وهما: الروم والفرس، ولم يظهر فى أى منهما شاعر وكان الشعراء ينبغون في الجزيرة العربية ويذهبون لمدح ملوك الغساسنة والمناذرة، برغم أن دولتا الغساسنة والمناذرة كانتا من حيث المظهر الحضاري واستخدام الوسائل الحضارية المعاصرة ووسائل الترف أكثر من بقية أهل الجزيرة بأشواط بعيدة ولقد ألح علي السؤال: لماذا لم يظهر شاعر في أي من الدولتين على مدار خمسة قرون؟ وكانت الإجابة فى رأيي تتلخص في فقدان الذات، فقد كان مثلهم الأعلى التبعية، وهل التبعية وفقدان الذات الثقافية تجعل قلباً ينبض ؟ أن التبعية لا تنتج فناً ولا فكراً.

والهوية الثقافية لأي مجتمع يتم تشكيلها من خلال مؤسسات التنشئة الإجتماعية متمثلة في الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام (الصحافة والإذاعة والتليفزيون، ….. إلخ) ودور العبادة والنوادي الرياضية والأدبية وجماعات الرفاق، وغيرها من المؤسسات الإجتماعية التي لها دور في صياغة الشخصية القومية للمجتمع، فالتمسك بالهوية الثقافية هو محاولة من الشعوب التي عانت من الإستعمار لإيجاد موضع متكافئ على خريطة العالم، والتكافؤ هنا لا يعني التماثل بل حق الإختلاف، فبإستعانتها بالتماسك القومي تسعى الشعوب المهمشة إلى تجاوز الدور الثانوي الذي فرضه عليها الإستعمار قديماً والهيمنة الغربية حديثاً.

فالهوية ليست مجرد حمل جنسية الدولة التي يعيش فيها الشخص، وإنما هي شعور بالإنتماء والولاء وتقبل القيم والأفكار، وإتباع أساليب الحياة السائدة في المجتمع، ومشاركة وجدانية في أمال وطموحات المجتمع وإندماج عاطفي وفكري مع بقية السكان والمواطنين.

اللاجئون الفلسطينيون أقدم وأطول واكبر مأساة إنسانية للاجئين فى القرن العشرين

بقلم: سارة الليثي

يمثل اللاجئون الفلسطينيون شعباً بأكمله تم طرده تحت وطأة الإرهاب المسلح، ثم اغتصبت ممتلكاته وأمواله، ومما يضاعف من بشاعة هذه القضية أنها حولت هؤلاء المواطنين من عرب فلسطين إلى لاجئين، وأولى موجات الهجرة الفلسطينية جرت تحت ضغط الإرهاب الصهيونى منذ العام 1947م، بعد أن أعلن قرار التقسيم فى نوفمبر 1947م، فكانت موجات الإرهاب الصهيونى تقتحم على العرب بيوتهم، وهكذا بدأ العرب ينزحون عن بيوتهم، وكان نزوح أهل فلسطين الجماعى موضع لوم لهم، فقد اعتبر من أسباب تيسير قيام الدولة اليهودية.

غير أنه من الناحية الفعلية فرار العرب من مواقع القتال والمذابح، أو هجرتهم من أرض انتزعت ملكيتها منهم لا يفقدهم من الناحية القانونية حقهم فى أملاكهم، وأراضيهم، وبلغت الهجرة قمتها بعد حرب 1948م، حيث بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين خلال تلك الفترة نحو 1.1 مليون مواطن فلسطينى، تشتتوا بين الدول العربية المجاورة، وأقيمت معسكرات لإيوائهم لحين يتم حل قضيتهم حلاً عادلاً فى ضوء الحقوق التى يكفلها القانون الدولى للاجئين السياسيين، وتنفيذاً لقرارات هيئة الأمم المتحدة، لكنها تجمدت بسبب عدم تنفيذ الكيان الصهيونى لهذه القرارات بتأييد من الولايات المتحدة الأمريكية.

وإمعاناً فى طمس الحقائق أعلنت إسرائيل أنها لم تطرد اللاجئين، بل هم الذين تركوا فلسطين بإرادتهم، وبناء على طلب زعمائهم الذين أرادوا أن يفسحوا الطريق لتقدم وزحف الجيوش العربية وإلقاء اليهود فى البحر، ولم تكتف إسرائيل بذلك بل عمدت إلى طرد ثلاثمائة ألف لاجئ جديد من الضفة الغربية بعد عدوانها فى الخامس من شهر يونيو سنة 1967م، واستولت على أملاكهم. فتضاعفت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين نزحوا هم أيضاً إلى الدول العربية المجاورة: الأردن وسوريا ولبنان.

 وتدخلت هيئات إغاثة دولية كثيرة، للإشراف على عودة جانب من هؤلاء اللاجئين إلى مدنهم وقراهم فى الضفة الغربية، لكن إسرائيل رفضت، بل وقامت بتنفيذ سياسة بناء المستوطنات الصهيونية فى الضفة الغربية والقطاع، لإسكان المستوطنين الصهاينة فيها. وتمسك اللاجئون الفلسطينيون بحقهم فى العودة إلى أرضهم، ورفضوا كل مشاريع توطينهم خارج أرضهم، والتى وصلت إلى 243 مشروعاً، ورغم أن الأمم المتحدة أصدرت أكثر من 110 قرارات بحق اللاجئين فى العودة، إلا أن أيا منها لم ينفذ بسبب إصرار الكيان الصهيونى على رفضها، وعدم جدية الدول الكبرى والمجتمع الدولى فى إجباره على ذلك.

 ويبلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين المهجرين من الأرض المحتلة منذ عام 1948م، وحتى وقتنا هذا أكثر من خمسة ملايين، بالإضافة إلى ما يقرب من نحو مليون فلسطينى من أبناء الضفة والقطاع محرومون من حق العودة إلى أرضهم، وتمثل قضية اللاجئين الفلسطينيين أقدم وأطول واكبر مأساة إنسانية للاجئين فى القرن العشرين. وقد أقرت الأمم المتحدة فى إحدى وثائقها بأن ثمانية ألاف من المقدسيين قد فقدوا صفة “مقيم” فى القدس لمجرد أنهم أخفقوا فى إثبات وجودهم فى المدينة عندما كانت السلطات الإسرائيلية تقوم بإجراء تعداد للسكان عام 1967م.

 وتضيف الوثيقة أن الحصول على صفة “مقيم” لا يعنى التمتع تلقائياً بحقوق المواطنة أو حتى ضمان الإقامة المستمرة، كما أن الفلسطينيين الراغبين فى السفر إلى الخارج يمنحون تصاريح خروج سارية المفعول لمدة تتراوح بين عام وثلاث أعوام، ويتعرض هؤلاء المسافرون لخطر الحرمان من حق العودة إلى مدينتهم فيما لو أخفقوا فى تمديد التصاريح قبل نهاية صلاحيتها، وقد شهد عام 1996م حملة إسرائيلية واسعة النطاق من مصادرة لبطاقات الهوية الفلسطينية للمقدسيين الفلسطينيين الذين يحملون جوازات سفر غير إسرائيلية.

وقد استمرت سلطات الاحتلال فى الضغط على الفلسطينيين لطردهم من ديارهم، وحاولت الجامعة العربية متابعة الاتصالات التى تقوم بها البعثات السياسية لدى الدول التى يتم تهجير الفلسطينيين إليها لإقناعها بعدم إفساح المجال لمثل هذا التهجير، بإعادة من يجرى تهجيرهم من المواطنين الفلسطينيين إلى بلادهم بالإضافة إلى إجراء الاتصالات اللازمة بالمواطنين فى الداخل لتحذيرهم من عواقب هذا التهجير والضغط لدى وكالة الإغاثة لكى لا تساهم بأى شكل من الأشكال فى برنامج التهجير، وقد سعت الجامعة العربية لدى الدول الأجنبية بمنع إعطاء الفلسطينيين تأشيرات دخول إليها ما لم يكن لديهم تأشيرة عودة. وكذا التأكد من إيجاد الآليات الكفيلة لحل عادل لمشكلة اللاجئين مع رفض كافة المخططات التى ترمى إلى حل قضية اللاجئين الفلسطينيين بتوطينهم خارج فلسطين.

ولازالت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين على طاولة المفاوضات بدون حل يتخذها الساسة والحكام كارت ضغط لا أكثر بدون سعي جاد لحلها ليدفع ثمن لعبة السياسة القذرة تلك مواطنين بؤساء حكم عليهم بالتشتت في دول مختلفة والبعد عن أهلهم وأرضهم، أقصى أحلامهم أن ينعموا يوماً بالعودة إليها وأن تضمهم أرضها وإن كانوا رفاتاً!

 

المصادر:

  1. إيمان محمد عبد المنعم عامر، الجامعة العربية ومشكلة اللاجئين (القاهرة – مجلة كلية الآداب – المجلد 6 – عدد 4 – وحدة النشر العلمى – كلية الآداب – جامعة القاهرة – 2000)
  2. محسن محمد سليمان صالح، فلسطين بلادنا الحبيبة (القاهرة – مؤسسة الفلاح للنشر والتوزيع – 2001)
  3. القدس، ، arobleagueonline.org/las/arabic/details-ar.jsp?art_id=174&level_id=50&page_no=2
  4. أيمن المهدى – سمير السيد، فى الملتقى العربى الدولى لحق عودة اللاجئين (القاهرة – جريدة الأهرام – عدد 44548 – مؤسسة الأهرام للنشر والتوزيع – 24 نوفمبر 2008)

الطفل المعاق هل هو عبء أم أمل؟!

بقلم: سارة الليثي

    تختلف معاملة الأسر المصرية لطفلها المعاق كل حسب خلفيته الثقافية والاجتماعية –خاصة الأطفال المعاقون ذهنياً-، فهناك أسر تتعامل معهم على أنهم –بركة- وأنهم مصدر الخير للأسرة وتتركهم يتصرفون كما يحلو لهم دون أي محاولة للتدخل لتحسين سلوكهم وتنمية مهاراتهم وتحويلهم لأفراد نافعين في المجتمع قدر المستطاع، وهناك أسر تتعامل معهم بالعلم والمنطق وتلحقهم بالمدارس المخصصة لهم وتحاول تطوير قدراتهم ليكونوا نافعين لنفسهم على الأقل ويقل اعتمادهم على الغير، وعلى الجهة الأخرى هناك أسر تتعامل معهم على أنهم عار لابد من اخفائه.

  وأذكر أن والدتي قد أخبرتني يوماً أن عند زيارتها لاحدى زميلاتها فوجئت عند دخولها دورة المياة بطفلة مكتفة في الحمام علمت فيما بعد أنها أخت زميلتها وأنها معاقة ذهنياً ويحبسها أهلها في الحمام عند تواجد ضيوف في المنزل حتى لا تفضحهم! وبين تفاوت المعاملة ومعالجة الأمر بين أسرة وأخرى يظل الجهل بالاعاقة كمرض له أسباب وأعراض وطرق علاج هو السبب الرئيسي في تزايد نسب الأطفال المعاقين وأيضاً تفاقم حالاتهم المرضية، وتعد الإعاقة معاناة أو قصوراً جسمياً أو حسياً أو عقلياً تتبعه آثار تحول دون تعلم أو أداء للأنشطة والفعاليات بمثل ما يتعلمها أو يؤديها باقى الأفراد بدرجة عالية من المهارة والنجاح.

   وتتعدد أنواع الإعاقة من إعاقات بدنية حركية وبصرية وسمعية، وإعاقات ذهنية من أمراض عصبية وتخلف عقلي، والتي تكون أسبابها عادة سوء تغذية الأم أثناء الحمل وعدم توافق عامل رهبساس R.H. لدى الأم والأب ونقص الأكسجين فى دم الطفل عند الولادة واصابة الطفل بانيميا سوء التغذية وكذلك الأمراض الجينية والوراثية، وعلى الرغم من ذلك فهناك أطفال معاقون موهوبون ويبدعون في مجال ما دون غيره ربما بمستوى أعلى من الأصحاء ولكن بسبب الجمود الفكري لدى بعض الأهالي الذين يسعون ليكون أبنائهم بنفس مستوى غيرهم من الأطفال مما يجعلهم يضغطون عليهم ولا يرون فيهم الجانب الإبداعي الآخر مما يسبب كبت مواهب هؤلاء الأطفال فلا يعبرون عن أنفسهم ولا يستطيعون أن يكونوا كأقرانهم فنخسر بذلك مواهب وعناصر فعالة عديدة في المجتمع لأننا أردناهم أن يكونوا قوالب جامدة غير قابلة للتغيير.

  كما أن تصنيف الأطفال ضمن فئات الإعاقات المختلفة وفصلهم عن غيرهم من الأطفال يؤثر بالفعل على مفهوم هؤلاء الأطفال لذاتهم وتقديرهم لها، كما يؤثر بطبيعة الحال على تحصيلهم الدراسى، مع ما يلاقيه هؤلاء الأطفال من إثباط إذا ما فشلوا فى مواصلة تعليمهم، وخاصة التعليم العالى، ومحاولة توجيههم إلى التدريب المهنى، والتوقعات النمطية عن الأطفال الموهوبين أنهم لابد أن يكونوا ناضجين، ويحسنون التصرف فى المواقف المدرسية المعتادة، ويستطيعون الإعتماد الكلي على أنفسهم مع ما يتناسب مع أعمارهم، كل تلك العوامل تعوق عملية التعرف على الأطفال الموهوبين من ذوي الإعاقات وتحديدهم بدقة.

   على الرغم من أن التجارب السابقة والخبرات التاريخية تؤكد أن الشعور بالنقص العضوى يدفع الإنسان إلى البحث عن وسائل تخفف من شعوره بالمذلة والضيق. وهكذا تعمل النفس جاهدة تحت ضغط الشعور الذى يعانيه المرء من فكرته عن ضعفه وقلة حيلته على زيادة القدرة على الإنتاج والعمل، فقد نبغ “ديموثيين” الأغريقى فى الخطابة على الرغم من لثغته، ونبغ أبى العلاء المعري وطه حسين فى الأدب، والشعر رغم فقدهما بصرهما، ومهر بيرون فى السباحة مع عرجه، وأخرج بتهوفن خير ما أنتج من الموسيقى وهو أصم، بل لقد روى بيرك المفكر الإنجليزى المشهور أنه يعرف عالماً كفيفاً كان أستاذ لعلم الضوء فى إحدى الجامعات.

  لذا لابد من مراعاة دمج ذوى الاحتياجات الخاصة مع الأطفال العاديين دمجاً كاملاً فى مختلف مراحل تعليمهم وتدريبهم، وتقديم رعاية صحية ونفسية واجتماعية وثقافية لهم، ويحتاج الطفل ذى الاحتياجات الخاصة – أيا كانت نوع إعاقته- إلى رعاية من الأسرة فى معاونته وتأهيله للاندماج فى المجتمع وتكمن هنا المشكلة حيث أن أفراد الأسرة عندما يدركون أن طفلهم متخلف عن أقرانه بدرجة ما، يعتقدون أنه يجب معاملته بطريقة مختلفة، ولهذا يتوقفون عن الكثير من الأنشطة التى عادة ما يقوم بها الوالدان مع أطفالهم وتتكون دائرة مفرغة من التفاعلات القليلة من جهة الوالدان، والاستجابات القليلة من جهة الطفل، وكلما قلت تفاعلات الطفل قلت تفاعلات الوالدين، وذلك بالطبع يقلل من قدرة الطفل المعاق أكثر وأكثر.

  وهذا يبرر دور الهيئات المتخصصة فى الإعاقة حيث يجب على التربويين تعريف الوالدين كيفية التعامل مع الطفل المعاق لإبراز مواهبه، وعلى سبيل المثال: يستخدم بعض التربويين برامج فنية علاجية يشترك فيها الطفل المعاق والمضطرب نفسياً للتعبير من خلالها عن نفسه والخروج من حالة العزلة التى تفرضها عليه إعاقته وظروفه، وهو ما يعرف بالعلاج بالفن، وذلك فى إطار ما يعرف بالتربية الخاصة، وهى مجموعة من البرامج التربوية المتخصصة المنظمة والهادفة، والتى تقدم إلى الأفراد غير العادين.

   ويهدف هذا النوع من التربية إلى توفير ظروف مناسبة لهم لكى ينمون نمواً سليماً متوازناً ويسهم فى تنمية قدراتهم وحاجاتهم إلى أقصى حد، ويجب على الأسرة احترام طفلها المعاق أياً كان نوع اعاقته، والنظر إليه نظرة حب ورحمة، وإشعاره بتميزه عن غيره بالذكاء والمواهب الأخرى، حتى يزول شعوره بالنقص، مبتعدين عن الاستهزاء والتحقير وتهوين الضعف الصحى وتقديم العلاج اللازم له، ومساعدته على التوافق الاجتماعى بتصحيح سلوكياته الخاطئة بأسلوب تربوي راق يتسم بالذكاء والوعي، وإعداده ليمارس مهنة ليكسب منها قوته وذلك بالاستفادة من قدراته العقلية والبدنية ومحاولة تنمية مواهبه بالتشجيع والتدرج.

  وبذلك نكون قد أدينا واجبنا نحو طفلنا المعاق فمهما كان اهتمام أسرته به فلابد من يوم سيأتي يواجه العالم وحده فلابد من اعداد العدة لهذا اليوم منذ البداية حتى يكون نافعاً لنفسه ولا يكون عالة على مجتمعه والمحيطين به، ومع ذلك فلا ننكر أن هناك حالات لا أمل منها وهي تنحصر عادة في الإعاقات الذهنية حيث أن هناك حالات تكون طريحة الفراش بشكل دائم أو أن خلايا المخ مدمرة بشكل كبير يصعب معه تعلم أي مهارة.

 وعلى الرغم من اعتقادنا أن المصابين بتلك الحالات لا يميزون شيء في الحياة إلا انهم يستطيعون التواصل بالمشاعر بطريقة كبيرة، فحتى أولئك الملازمين للفراش بشكل دائم ولا يستطيعون تحريك أطرافهم أو استيعاب أي كلمة –وهم عادة يكونوا قد تعرضوا لخطأ في عملية الولادة أدى لسحب السائل المخي من الجسم- إلا إنهم يستطيعون تمييز مشاعر الحب والكره أو الحنق حولهم ويتأثرون بتلك المشاعر فإذا كانت النبتة تتأثر بالحالة النفسية والإهمال من صاحبها فما بالك بالإنسان حتى لو كان فاقداً للعقل الذي يميزه!

  فهذا الطفل يتأثر بالحالة النفسية لوالديه وبدرجة اهتمامهم أو اهمالهم له، كما أنه يشعر ويبتهج لمداعباتهم له واحتضانهم واظهار الحب نحوه، وإن كان هذا لن يؤثر إيجابياً على نموه فعلى الأقل سيوفر السعادة والسلام النفسي له في حياته، كما على الدولة توفير مراكز مهيأة لهذه الحالات المستعصية حتى إذا ما فقدوا والديهم يوماً ما يكون لهم مأوى يوفر لهم الحماية فمن الصعب أن يأوي الأقارب مثل هذه الحالات حيث لن يكون لهم القدرة على التعامل معهم خاصة كلما كبرت أجسادهم لذا لابد للدولة من الاعتناء بهم بواسطة متخصصين في تلك الحالات.

ميراث تونس

بقلم: سارة الليثي

       أثارت تونس ضجة هائلة في الأيام الماضية باعلانها تعديل قوانين الميراث لتساوي بين الرجل والمرأة في الورث، وذلك بدعوى الحفاظ على كرامة المرأة التونسية، على الرغم من أن حالات الميراث في الشريعة الاسلامية متعددة وتختلف باختلاف درجة القربى للمتوفي وفي حالات ترث المرأة أكثر من الرجل وحالات أخرى تكون مساوية للرجل، ولكن من يتعللون بعدم مساواة المرأة بالرجل في الميراث يتمسكون بآية للذكر مثل حظ الأنثيين التي تنطبق فقط على الابنة والأخت دون أي اهتمام وتفسير لأحاكمها ومعانيها!

    الحقيقة أنه عندما منح الله الأخ ضعف نصيب أخته من ميراث أبواهما أو أخوتهما المتوفيين لم يكن ذلك حقاً تفضيلاً له، بل هو حق يقابله واجب مفروض عليه، فالمرأة في الشريعة الإسلامية مسئولة من ولي –رجل- ينفق عليها ويقوم بشئونها ويرعى أمورها طوال حياتها، يختلف هذا الرجل باختلاف مراحل الحياة، فهو الأب في بداية الأمر، فإذا تزوجت انتقلت تلك المسئولية للزوج، وإذا توفي الأب وهي لم تتزوج بعد انتقلت للأخ أو للجد أو للعم أو للخال بالترتيب.

   وإذا طُلقت أو ترملت المرأة عادت تلك المسئولية للأب إذا كان لا زال على قيد الحياة أو لمن يليه في المسئولية، هذه هي القوامة التي يتشدقون بها ليل نهار، فالقوامة ليست تسلطاً وتجبراً على المرأة وإنما هي مراعاة لشئونها وقياماً بمتطلباتها وايفاءاً باحتياجاتها، ولا تسقط تلك المسئولية عن الرجل شرعاً بأي حال من الأحوال حتى لو كانت المرأة غنية وقادرة إلا إذا أعفته هي برضاها عنها، فالقوامة تكليف وليست تشريف، وبناءاً عليه فإن الأخ يرث ضعف ما ترثه أخته لأنه ملزم شرعاً بالإنفاق عليها حتى زواجها وكذلك إذا طُلقت أو ترملت.

    وذلك حتى لو كان ميراثها يكفي حاجتها ويفيض، فهي ليست ملزمة بالانفاق على نفسها شرعاً، حتى لو كانت أغنى منه فهو ملزم بنفقتها الأساسية من مسكن ومأكل وملبس كما ينفق على نفسه وليس لها أن تشترط مستوى معين في الانفاق، مادام ينفق عليها بما يستطيع، فلها أن يسكنها معه إذا أرادت، ويطعمها مما يطعم، ويكسوها مما يكتسي ويواري عورتها، وفي المقابل له عليها أن تراعي حرمته ولا تأتي شيئاً يريبه وتحافظ على شرفه وسمعته وترعى الله في شئون منزله وتشاوره في كل أمورها ولا تقطع أمراً بدون علمه.

   ليس له أن يتسلط ويتجبر عليها ويقهرها أو يرغمها على شيء لا تريده ولكن أيضاً ليس من حقها أن تمضي في قراراتها بدون علمه، والسؤال المطروح هنا: كم من أخ يهتم لأخته وينفق عليها ويقوم بمتطلباتها ويراعي شئونها بعد وفاة أبيه واقتسام الميراث؟! لن أتحدث عن من يحاول أن يسلب أخته حقها الشرعي في الميراث ويلقي بها على قارعة الطريق تستجدي قوتها، بل أتحدث عن أولئك الذين يعدوا من ذوي الدين والأخلاق، كم منهم يقيم شرع الله بالانفاق على أخته من ميراثه هو لا من ميراثها؟!

    لن أتحدث عن من يكفيها ميراثها ولديها مصدر دخل خاص بها وليست بحاجة لأحد ينفق عليها –على الرغم من أنه حقها شرعاً-، ولكن ماذا عن تلك الفقيرة المعدمة التي لا يكفيها ميراثها ويتعلل أخوها أن لا حق لها عنده بعد أن أخذت حقها الشرعي من الميراث متجاهلاً واجبه هو الشرعي تجاهها، بل ماذا عن تلك الطفلة اليتيمة التي تكون في رعاية أخيها فتمتد يده إلى ميراثها بحجة الانفاق عليها حتى إذا بلغت سن الرشد لم تجد شيئاً من ميراثها.

     على الرغم من أن الله سبحانه وتعالى قد أمر من يرعى أيتاماً أن يرعاهم على نفقته الخاصة ولا تمتد يده إلى ميراثهم إلا إذا كان فقيراً معدماً لا يجد ما ينفق عليهم منه. يقول تعالى: “وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشداً فأدفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا ومن كان غنياً فليستعفف ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى بالله حسيباً” النساء: 6، فكيف الحال عندما تكون تلك اليتيمة هي الأخت شقيقة اللحم والدم؟!

    كم من الرجال الذين انتفضوا فور سماعهم برغبة رئيس تونس تعديل قوانين الميراث للمساواة بين الرجل والمرأة، ذكروا واجبهم تجاه تلك الزيادة التي خصهم الله بها؟! كلهم يذكرون أن هذا حق الله الذي فرضه لهم وما من واحد منهم ذكر واجبه المفروض عليه تجاه هذا الحق، وكأن الحقوق تعطى اعتباطاً دون واجبات تقابلها! ولكن إذا كان بمقدور أحد أن يصدر قانوناً يساوي بين الرجل والمرأة في الميراث فيما لم يساويهما فيه الله بما يخالف شرع الله، فمن باب أولى استصدار قانون يجبر الأخ بالانفاق على أخته التي يضاعفها في الميراث.

    وكذلك اجبار العم والخال بالانفاق على ابنة أخيه أو أخته التي يشاركها الميراث لو لم يكن لها أخ، وذلك بما يتوافق مع ما شرعه الله وفرضه على عباده ويحفظ للمرأة كرامتها ويضمن لها حياة سوية آمنة.

معنى الحب

الحب هو أجمل شئ في الوجود. 

أجمل إحساس في الكون… 

هو أن تنظر في عيني حبيبك فتجد فيهما الدفء والحنان. 

أن تشعر في لمسة يديه بالأمان… 

أن تشعر في قربك منه أنك قد حذت الدنيا بما فيها.  

الحب هو أن تكون مستعداً لأن تضحي بروحك من أجل محبوبك. 

أن تجد راحتك في تعبك من أجله… 

وكلما زاد تعبك زاد حبك، وإحساسك بجمال الحياة. 

كلما أعطيت كلما سعدت… 

الحب هو العذاب اللذيذ الذي لا يهرب منه أي إنسان. 

هو النار التي يسعى لها المحب… 

وكلما زاد لهيبها زاد شغفه. 

كلما حرقته زاد حبه وشوقه…  

الحب هو القدر الذي ليس له إجابة. 

لا نعلم كيف أو لماذا أو متى؟ 

هو فقط يأتي دون انتظار

يخترق القلوب دونما استئذان

لينشر السعادة الممزوجة بالحيرة في الأرجاء

الحب هو أجمل إحساس صادق في الكون…  

الحب كالكائن الحي

لابد أن تعتني به وتغذيه ليحيا وينمو

ولكن الخيانة تقتله

خواطر حول الكتابة

    لا أحب أبداً أن أحكم على أي كتاب أو فيلم في بدايته، ومن ثم اتوقف عن استكماله بناءاً على هذا الحكم المبدئي، حتى لو لم ينل اعجابي اصر على  استكماله للنهاية، ثم أحكم حكم نهائي، وفي أحيان كتيرة يكون حكمي المبدئي خاطئ حيث لا تتبلور فكرة الكاتب في بداية العمل أو يخفق في اختيار بداية مشوقة تحفز المتابع لاستكمال العمل على الرغم من تناوله لقضية هامة ثم يستدرك هذا الخطأ في منتصف العمل، وإذا كان انطباعي المبدئي عن العمل صحيحاً فإنني أستفيد على الأقل بالتعرف على الفكر السائد بالنسبة للفئة صاحبة العمل وطبيعة تفكيرهم والقضايا المهتمين بها وكيفية تعبيرهم عنها!

   وقد قال “عباس العقاد” في هذا الصدد: “ليس هناك كتاباً أقرأه و لا أستفيد منه شيئاً جديداً، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، أني تعلمت شيئاً جديداً هو ما هي التفاهة؟ و كيف يكتب الكتاب التافهون؟ و فيم يفكرون؟”. والكاتب يكتب ليقود قراءه نحو أفق أوسع، ليعبر بهم حدود العالم الذي لا يستطيعون تخطيه وحدهم، ليكسر لهم حواجز وقيود العقل المتجمد في اطارات المجتمع البالية، ليخطو بهم نحو الحرية: حرية الفكر حرية الاعتقاد حرية الحياة، ليعمل عقولهم في ايجاد سبل تطوير حياتهم، ليخطو بهم نحو شطآن المستحيل، وإذا لم يحقق ذلك فما الفائدة مما يكتبه؟!

    والكتابة قد تكون الصوت الجرئ لكل من يخجل البوح بمشاعره وأفكاره ولا يجيد التعبير عنها، هي أصوات تنطلق من أعماق قلوبنا لتجري خطاً على الورق. وبما إن القراءة هي الخطوة الأولى للكتابة، والكتابة هي أسلوب حياة لا يختص بالكتاب فقط بل هي حياة لكل إنسان، فعلينا أولاً أن نقرأ، ومن ثم ننشر ثقافة القراءة في مجتمعاتنا؛ لنتحول إلى مجتمع قارئ كاتب مثقف، فأولاً وأخيراً نحن أمة اقرأ. لذا علينا بادئ ذي بدء التزام القراءة كأسلوب حياة في كل مكان.

   وذلك يكون باستثمار تلك الأوقات المهدرة في الانتظار في كل مكان –وما أكثرها في بلادنا- في القراءة، وهذا لن يعود بالنفع علينا فقط، بل إننا سنصبح قدوة لغيرنا بدون كلام أو خطب رنانة عن أهمية القراءة، حيث أن من سيرونا في تلك الأماكن العامة سيستشعروا كم أن القراءة أمر جيد وممتع ومن ثم سيقلدونا فينتشر الأمر. والمكتبات هي الحاضن الرئيسي للكتاب وهي وسيلة نشر القراءة والكتاب الرئيسية؛ لذا علينا التزام كبير تجاه تلك المكتبات بدعمها من خلال التردد عليها وشراء الكتب الأصلية من المكتبات.

    وذلك لتشجيع المكتبات والكُتاب أيضاً على استمرار ابداعهم، وحث الآخرين على ذلك، ودعم أنشطة المكتبات الثقافية المختلفة؛ لتستمر في وجودها ونشر الثقافة. ويقول “نيل جايمان” -كاتب روائي أمريكي في مجال الخيال العلمي-: “إذا لم تقدروا المكتبات فأنتم لا تقدرون المعلومات والثقافة والحكمة. أنتم بهذا العمل تخرسون صوت الماضي وتضرون المستقبل”.

أطفالنا والقراءة

 

    القراءة هي سبيل التطور والنهضة، وشعب لا يقرأ لن يقيم لنفسه وجوداً في ذلك العالم الذي أصبح العلم هو سمته الأساسية، ونحن أمة اقرأ بالأساس فعار علينا أن لا نقرأ وأن لا نربي أطفالنا على حب القراءة والعلم، وأن تصبح القراءة روتيناً أساسياً في حياتهم يقبلون عليها بشغف، وفي اليوم العالمي للطفل ما من شيء قد يفتقده أطفالنا على مختلف مستوياتهم المادية والاجتماعية بقدر القراءة والمعرفة، فإذا كان هناك ثمة شيء مشترك بين طفل أسرة غنية وطفل أسرة فقيرة هي افتقار الطفلين للمعرفة والثقافة واهتمامهم بسطحيات الأمور في الحياة.

    ولحث أطفالنا على القراءة يجب علينا أن نقرأ لهم باستمرار قصص ممتعة تجذبهم، لابد أن نقرأ عليهم ما يفضلون هم قرائته لا ما نرى نحن أنه من المفيد قرائته لهم أو من الضروري معرفتهم به. وترجع أهمية قراءة ما يفضلونه هم أن لا يتحول الأمر إلى واجب ثقيل تستثقله نفوسهم وينفرون منه فيما بعد، حيث يجب علينا أن نجعل القراءة أمراً مثيراً للاهتمام بالنسبة لهم، وذلك قد يكون من خلال عدة وسائل كتمثيل القصة المقروءة أثناء قرائتها وتغيير نبرات الصوت لتتناسب مع شخصيات القصة المختلفة وما إلى ذلك من وسائل.

     وأذكر أنني في طفولتي كانت أمي في فترة تناولنا للغداء يومياً تقص علي “حدوتة أبلة فضيلة” التي تذاع في الراديو أثناء تواجدي بالمدرسة. كانت أمي تقص “الحدوتة” بأسلوب ممتع للغاية مما شوقني للاستماع إلى البرنامج بنفسي ظناً مني أن القصة ستكون أكثر امتاعاً عندما أستمع إليها من مصدرها الأصلي، ولكن خُيب ظني عندما أستمعت لها بنفسي ذات يوم حيث اكتشفت أن أمي تضيف الكثير للقصة وتجعلها أقرب إلى ذهني وذاتي حيث تستغل معرفتها بما أفضله وما أكرهه ويومياتي الخاصة لتضيف جانباً منها للقصة مما يجعلني أشعر أنها قصتي الخاصة وأنها مرتبطة بي بشكل ما.

    هذا الأسلوب حببني كثيراً لعالم القص والقراءة، جعلني فيما بعد متشوقة لخوض هذا المجال وحدي، أقرأ جل ما يمكنني الوصول إليه. ما أود قوله هاهنا أن أسلوبكم في القراءة لأطفالكم وحده هو القادر على ترغيب أطفالكم في القراءة أو تنفيرهم منها تماماً، والأمر عائد إليكم، وقد قال العالم الكبير “ألبرت آينشتاين” ذات مرة: “إذا أردتم لأطفالكم أن يكونوا أذكياء، فاقرؤوا لهم حكايات خيالية أكثر”.

القراءة والكتابة

  لا أحب أبداً أن أحكم على أي كتاب أو فيلم في بدايته، ومن ثم اتوقف عن استكماله بناءاً على هذا الحكم المبدئي، حتى لو لم ينل اعجابي اصر على  استكماله للنهاية، ثم أحكم حكم نهائي، وفي أحيان كتيرة يكون حكمي المبدئي خاطئ حيث لا تتبلور فكرة الكاتب في بداية العمل أو يخفق في اختيار بداية مشوقة تحفز المتابع لاستكمال العمل على الرغم من تناوله لقضية هامة ثم يستدرك هذا الخطأ في منتصف العمل، وإذا كان انطباعي المبدئي عن العمل صحيحاً فإنني أستفيد على الأقل بالتعرف على الفكر السائد بالنسبة للفئة صاحبة العمل وطبيعة تفكيرهم والقضايا المهتمين بها وكيفية تعبيرهم عنها!

   وقد قال “عباس العقاد” في هذا الصدد: “ليس هناك كتاباً أقرأه و لا أستفيد منه شيئاً جديداً، فحتى الكتاب التافه أستفيد من قراءته، أني تعلمت شيئاً جديداً هو ما هي التفاهة؟ و كيف يكتب الكتاب التافهون؟ و فيم يفكرون؟”.