التلفاز الذي لا تعرفه

ما هو التلفاز؟:

   يعتبر التلفاز أو التلفزيون أهم وأشهر وسائل الإتصال الجماهيري حول العالم، فلا يخلو منزل في أي مكان في العالم من جهاز أو أكثر من أجهزة التلفاز بأشكاله وأحجامه وموديلاته المتنوعة، وتعريف كلمة تلفاز في معاجم اللغة هي جهاز لاقط للصور والأصوات التي يتم نقلها عن طريق الأمواج الكهربائية، حيث تقوم وظيفته على تحويل المشاهد المتحركة مصحوبة بالأصوات إلى إشارات كهربائية ونقلها عن طريق جهاز استقبال لتتحول إلى صورة مرئية متحركة ذات صوت مسموع.

مميزات وعيوب التلفاز:

  كل شيء في العالم له مميزات وعيوب، فالسكين يمكن استخدامها في القتل كما يمكن استخدامها في تقطيع الخضروات والفاكهة، كذلك التلفاز يمكن استخدامه إيجاباً وسلباً، ومن مميزات التلفاز:

  • يتميز التلفاز بكونه يجمع بين كل مزايا وسائل الإعلام السابقة فهو يجمع بين الصوت والصورة والحركة والألوان وهو ما لم يكن متوفراً من قبله.
  • يتمتع التلفاز بقدرته على تقديم الخبر في بث مباشر وقت حدوثه.
  • لا زال التلفاز يعتبر الوسيلة الترفيهية الأولى لسكان الريف والقرى حيث يندر وجود دور العرض السينمائي والمسارح والملاهي.
  • تنوع المواد المعروضة عليه والتي ترضي مختلف الأذواق دون الحاجة إلى مغادرة المكان للبحث عن المعلومة أو وسيلة الترفيه المطلوبة.

أما عن عيوب التلفاز فهي:

  • أحياناً تشجع المواد المعروضة في التلفاز على التقليل من شأن القيم والمبادئ الراسخة في المجتمع وتؤدي إلى تدمير أساساتها.
  • قد تؤدي بعض المواد الإعلامية المعروضة في التلفاز سواء كانت درامية أو إخبارية إلى تعميق شعور الإغتراب عند المشاهد حين تتناول قضايا عديدة غير مرتبطة به ولا تعبر إلا عن فئة ضئيلة من الجمهور ولكن يتم إبرازها بشكل مبالغ فيه وكأنها هي القاعدة الأساسية في المجتمع.
  • المواد الإعلامية المستوردة عادة ما تكون محفزة للتبعية وفقدان الهوية الخاصة بالجمهور المستقبل خاصة في الدول النامية حيث ينجذب الشباب والأطفال والمراهقون إلى تلك المواد ويشرعون في محاكاتها واعتبارها نموذجاً يحتذى والتبرؤ من أصولهم وحضاراتهم وتاريخهم.
  • تؤكد الدراسات والأبحاث الطبية والنفسية أن للتلفاز آثار ضارة على صحة الإنسان وبخاصة الأطفال حيث أنه سبباً في التكاسل والخمول عن الحركة وممارسة الرياضة كما إنه المداومة على متابعته بطريقة مبالغ فيها تصيب الإنسان بالبلادة والأرق والقلق كما إنه يؤثر بالسلب ويقلل من كفاءة الحواس البصرية والسمعية.
  • يخلق التلفاز حالة من السلبية واللا مبالاة لدى المشاهد حيث يعتاد على الاكتفاء بالمشاهدة دون التحرك والمشاركة في صنع الحدث.

وظائف التلفاز:

  • يعتبر الإعلام هو الوظيفة الرئيسية للتلفاز وهي تتمثل في إعلام الجمهور المستقبل بالأخبار والأحداث المحلية والعالمية التي تهمهم وتؤثر عليهم سواء عن طريق نقل الخبر أو الحدث على الهواء مباشرة أو بطريقة مسجلة وتتنوع أشكال البرامج والمواد الإعلامية التي تقوم بهذه الوظيفة، فهناك النشرات الإخبارية وأيضاً الفقرات الإخبارية في برامج التوك شو، وتظهر الوظيفة الإعلامية للتلفاز بقوة في الأحداث العالمية والدولية مثل: الدورات الأوليمبية وحفلات التتويج والمراسم الخاصة بتشييع جثامين الزعماء والرؤساء والملوك.
  • لا يتوقف دور التلفلز على إعلام الجمهور بالحدث بل ينبغي عليه أيضاً أن يقدم التفسير لما وراء الحدث والظروف التي أدت إليه والنتائج المترتبة عليه، فليس كل الجمهور مثقف وخبير بكل الشئون الحياتية المختلفة، لذا فوظيفة التلفاز هو تقديم التفسير المناسب للحدث بطريقة مبسطة تصل إلى ذهن المشاهد العادي، وعادة ما تقوم برامج التوك شو والبرامج الحوارية والتقارير الإخبارية المتلفزة بهذا الدور.
  • ومن وظائف التلفاز أيضاً توجيه الجمهور للقيام بخطوات معينة عند مواجهة المجتمع لمشكلة أو ظروف معينة، كحالات الحرب أو الكوارث الطبيعية أو الأزمات الإقتصادية، فعادة ما يظهر المسئولون والشخصيات البارزة في المجتمع على شاشات التلفاز لتوضيح الأزمة وكيفية التعامل معها، وأحياناً يتم اساءة استخدام هذه الوظيفة سياسياً خاصة في الدول النامية لخدمة مصالح وسياسات فئة معينة دون النظر لمصلحة الشعب ككل.
  • ويعد التثقيف والتعليم أحد أهم وظائف التلفاز الأساسية للمجتمع خاصة بالنسبة للأطفال حيث يتم تقديم الوجبة التثقيفية والتعليمية لهم من خلال برامج الأطفال والرسوم المتحركة المسلية مما يكون له أكبر الأثر في استفادتهم بالمعلومات المقدمة، كما يمتد الدور التثقيفي والتعليمي أيضاً للكبار من خلال الأفلام الوثائقية والتسجيلية التي تتناول معلومات حيوية في مختلف المجالات بالإضافة إلى البرامج العلمية والطبية التي يكون لها أكبر الأثر في تثقيف وتعليم الجمهور كيفية التصرف عند مواجهة أمور معينة في الطبيعة أو أزمات صحية معينة.
  • يرى باحثو الإعلام أن الترفيه وظيفة أساسية من وظائف التلفاز وتعد هي الهدف الرئيسي للجمهور عند شراء التلفاز، وتتمثل وسائل الترفيه في التلفاز من خلال البرامج الفكاهية والأغاني والفنون الشعبية والعروض الدرامية، ويمكن استغلال هذه المواد في تقديم محتوى هادف يقوم بوظائف أخرى كالتوجيه والتثقيف والتعليم إلى جانب الترفيه مما يجعلها وسيلة فعالة في الوصول للجماهير والتأثير فيهم إيجابياً.
  • بالطبع يعد الإعلان وظيفة هامة من وظائف التلفاز بل إنه أصبح علماً قائماً بذاته ومجالاً للتنافس الإعلامي، ففن الإعلان أصبح له أسس وقواعد، وأصبح تقديم الإعلان للجمهور كتقديم عمل درامي أو سينمائي له ينتظر حكمه ورضاه.
  • كون التلفاز أحد وسائل الإعلام فهو يدخل ضمن نطاق السلطة الرابعة للمجتمع حيث يقع على عاتقه مسئولية رقابة مؤسسات الدولة وحماية المجتمع من استغلال السلطة والنفوذ وسوء استخدامهما، وبالتالي فإن للتلفاز القدرة على حشد الرأي العام لتغيير قرارات الحكومة والمسئولين عندما لا تكون في صالح الشعب، ولكن ذلك يستلزم أيضاً شجاعة من الإعلاميين القائمين على هذا الأمر وجو عام يسوده الحرية والديمقراطية لا يتم فيه قمع الرأي المعارض لمجرد مخالفته بالحجج والبراهين لرأي السلطة.
  • للتلفاز دور كبير في تحقيق ما يسمى بديمقراطية الإتصال حيث يساهم في إمكانية تبادل الآراء بين الجمهور والمسئولين وبين الجمهور وبعضهم من خلال المداخلات بمختلف أنواعها سواء المداخلات الهاتفية أو البريدية أو انتقال الكاميرا والميكروفون إلى الشارع للإستماع إلى رأي المواطنين والجمهور في الشارع مما يتيح حرية التعبير عن الرأي وفتح النقاش حول مختلف الآراء في المجتمع.
الإعلانات

المجتمع المصري والمشكلة السكانية وجهان لعملة واحدة

إنفجار سكاني + قلة موارد = فقر

تحقيق: سارة الليثي
المشكلة السكانية في بلادنا أصبحت مشكلة متعددة الأبعاد، فهي لا تعني فقط الزيادة في معدلات المواليد وانخفاض معدل الوفيات، وإنما هي أيضاً تظهر فى سوء توزيع السكان الذين يعيشون حول وادي النيل – المنطقة التى لا تزيد عن 4% من مساحة الجمهورية، ويتركون باقي الأرض خالية من السكان، وقد نبعت مشاكل عديدة في مصر من المشكلة السكانية، مثل: عمالة الأطفال والتسرب من التعليم والبطالة والفقر وانخفاض مستوى الخدمات العامة، وغيرها من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تواجه البلاد.
وقد أجرت الصحفية دراسة ميدانية حول الفقر كأحد نواتج المشكلة السكانية، والعلاقة التي تربط بينهما، وفيما يلي نتائج هذه الدراسة:

  تبين من الدراسة أن 80% من الجمهور يشعر أن هناك مشكلة سكانية فى مصر فى مقابل 8% لا يشعرون بوجود هذه المشكلة مما يدل على انتشار الوعى إلى حد كبير بالقضية السكانية، وعند سؤالهم عن الوسيلة الإعلامية التي هي مصدر معلوماتهم عن القضية السكانية أحتل التليفزيون المرتبة الأولى بنسبة 44.2% تلاه الصحف بنسبة 21.2%، ثم الراديو بنسبة 13.5%، والمجلات بنسبة 8% بينما جاء الاتصال الشخصي في المرتبة الأخيرة بنسبة 2% مما يدل على أهمية التليفزيون فى التوعية بالقضية السكانية أكثر من غيره من الوسائل الأخرى، وإهمال دور الاتصال الشخصى على ما له من فعالية مؤثرة إذا تم استغلاله بشكل صحيح.

   وقد أثبتت الدراسة أن 64% من المبحوثين يرون أن هناك ارتباط بين القضية السكانية وانتشار الفقر فى مقابل 12% لا يرون ارتباطاً بين القضيتين، مما يدل على ازدياد الوعى إلى حد ما بوجود ارتباط بين المشكلة السكانية والفقر لدى الجمهور، وعند سؤالهم عما إذا قاموا بتنظيم الأسرة فعلاً أم لا أجاب 78% من المبحوثين بالنفى فى مقابل 22.2% أجابوا بالإيجاب مما يدل على أنه بالرغم من إدراكهم للقضية وآثارها السلبية إلا أنهم ما زالوا يمتنعون عن اتخاذ القرار بتنظيم الأسرة إتباعا للعادات والتقاليد البالية.

  وعلى الرغم من ذلك فإن ما نسبته 68% من المبحوثين يوافقون على عملية تنظيم الأسرة فى مقابل 12% لا يوافقون مما يدل على تضارب الأقوال مع الأفعال بالنسبة للمبحوثين، وقد أحتل هدف الاهتمام بالأبناء المرتبة الأولى في الأسباب التي تدفع المبحوثين إلى عملية تنظيم الأسرة وذلك بنسبة 37.3% تلاها ارتفاع تكاليف المعيشة بنسبة 33.3% ثم الأسباب الصحية بنسبة 29.4% مما يدل على اهتمام المبحوثين برعاية الأبناء فى المقام الأول وتنظيم الأسرة من أجل تحقيق هذا الهدف.

  أما عن الأسباب التى تمنعهم من تنظيم الأسرة، فقد احتلت الأسباب الدينية المرتبة الأولى بنسبة 50% تلتها الأسباب الاجتماعية والأسباب الاقتصادية بنسب متساوية 25% لكل منهما والأسباب الاقتصادية هى استغلال الأبناء فى الحصول على مورد رزق من خلالهم بإنزالهم إلى سوق العمل فى سن صغيرة سواء للفلاحة فى الأراضى الزراعية أو الأعمال المهنية الأخرى، وهذا يدل على أن الناس ما زالت تعتقد أن تنظيم الأسرة غير جائز شرعاً وتتخوف منه خوفاً من السقوط فى أفعال مخالفة للشرع مما يتطلب توعية دينية جادة فى هذا الموضوع.

   وعند سؤالهم إذا ما كان دخلهم الشهري يكفى احتياجاتهم واحتياجات أسرتهم الأساسية أجاب 42% منهم بالإيجاب فى مقابل 29.2% أجابوا بالنفي، مما يدل على أنه بالرغم من احتياجهم المادي إلا أنهم لا يسعوا إلى تنظيم الأسرة لترشيد نفقاتهم، وعند سؤالهم عن مفهوم القضية السكانية بالنسبة لهم جاءت زيادة السكان فى المرتبة الأولى بنسبة 52% تلتها قلة الموارد بنسبة 42.4%، ثم عدم التوعية وسيطرة رأس المال بنسبتى متساويتين 3% مما يدل على وعي الجمهور بأن زيادة السكان مع قلة الموارد هي السبب في القضية السكانية، ومع ذلك يستمرون في الإنجاب بدون تنظيم متجاهلين هذه الحقيقة.

   وبسؤالهم عن عدد الأطفال المثالي فى الأسرة من وجهة نظرهم أجاب 36% من المبحوثين أن أنسب عدد هو طفلين بينما أجاب 28% أنه ثلاثة أطفال فى حين رأى 24% أن العدد المثالي للأطفال هو أربعة أطفال بينما 12% يرون أنه لا يوجد عدد محدد للإنجاب فى حين لم يرى أى من المبحوثين أنه يمكن الاكتفاء بطفل واحد فقط، مما يدل على زيادة التوعية بوجه عام إلى حد ما بأهمية تنظيم الأسرة وإن كان ينقص ذلك التفعيل اللازم.

   وعن من هو صاحب اتخاذ قرار الإنجاب من عدمه أجاب 77% من المبحوثين إنه الزوج والزوجة معاً فى حين رأى 8% أنها الزوجة فقط وكذلك 8% للزوج فقط، وأيضاً 8% رأوا أن هذا الشأن موكل لله يرزق من يشاء بأي عدد شاء من الذرية، مما يدل على ارتفاع نسبة المشاركة والحوار بين الزوجين في هذه المواضيع بعد أن كان الرجل هو صاحب القرار وحده في الماضي، وعن ثقة الجمهور في مصداقية وسائل الإعلام في تناول المشكلة السكانية أجاب 48% من الجمهور بأنهم يشكون في مصداقيتها إلى حد ما في مقابل 31% يشكون فيها تماماً بينما 16% فقط يثقون فى مصداقيتها مما يدل على وجود فجوة كبيرة وعدم مصداقية بين الجمهور ووسائل الإعلام.

   وعن مقترحات الجمهور لمكافحة الفقر فقد احتلت خلق فرص العمل للشباب المرتبة الأولى بنسبة 39% تلتها زيادة الدخل بنسبة 31% ثم إقامة المشروعات بنسبة 19.4% واهتمام الجمعيات الأهلية بالفقراء بنسبة 8.3% وفي المرتبة الأخيرة جاء القضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال بنسبة 3%، مما يدل على اهتمام الجمهور بالعمل والرغبة في توفر فرص العمل للالتحاق بها بدلاً من حمل لقب عاطل والاعتقاد بأن العمل سيوفر الحياة الكريمة لهم ويغنيهم من الفقر. أما عن مقترحاتهم حول الحد من المشكلة السكانية فقد احتل تنظيم النسل المرتبة الأولى بنسبة 36.1% تلاه توفير الخدمات الصحية بنسبة 28% ثم إعادة توزيع السكان بنسبة 19.4% وزيادة التوعية الإعلامية بنسبة 14% بينما جاء الاهتمام بدور الاتصال الشخصي فى المرتبة الأخيرة بنسبة 3% مما يدل على وعى الجمهور بأهمية تنظيم النسل كحل للمشكلة على الرغم من عدم تفعيلهم له.

   ومن هذه الدراسة نستنتج أهمية تفعيل دور وسائل الإعلام في التوعية بالقضية السكانية من خلال تقديم المضمون الإعلامي المناسب للجمهور، وكذلك دور الاتصال الشخصي من خلال تقديم الندوات والمؤتمرات التى تتناول جوانب القضية والتعريف بها، والإكثار من الأبحاث والدراسات التى تدور حول ارتباط المشكلة السكانية بالفقر. وأيضاً الاهتمام برفع مصداقية رسائل وسائل الإعلام لدى الجمهور من خلال عرض الحقائق الفعلية والواقع المرتبط بالمشكلة السكانية وعلاقتها بالفقر وكذلك التوعية الدينية فى المساجد والكنائس والمؤسسات الدينية بأن تنظيم الأسرة ليس حرام شرعاً.

   وأيضاً أن تعمل الدولة على توفير فرص العمل للشباب، ورفع دخل الفرد بما يتناسب مع ارتفاع الأسعار، وتشجيع صغار المستثمرين على الاستثمار المحلي، وذلك للارتقاء بمستوى معيشة المواطن المصري، وأيضاً زيادة التوعية الإعلامية بالمشكلة السكانية وأهمية تنظيم الأسرة، وكذلك تشجيع الدولة للسكان على الانتشار في أنحاء الجمهورية واعمار الصحراء وعدم التمركز حول وادي النيل مع توفير المساكن والمرافق والخدمات وخفض أسعارها، وذلك للحد من المشكلة السكانية وآثارها. وأيضاً إنشاء أماكن مخصصة للأطفال الصغار وكبار السن والمرضى الذين لا يستطيعون السعى إلى الكسب والعمل لحمايتهم من التسول والتشرد فى الشوارع، وتوفير مناطق آدمية ورعاية صحية لهم، وكذلك مد البنية الأساسية الصحية مثل المياه النظيفة والصرف الصحي فى المناطق التى يسود فيها الفقر والحرمان.

الهوية الثقافية دليل الشعوب

بقلم: سارة الليثي

   الهوية الثقافية للمجتمعات هي عامل تحرير للأمم في المقام الأول، ومن ثم تبدو مبرراً لحركات الاستقلال ومقاومة الاستعمار وبالنسبة للدول النامية تظل الهوية الثقافية ضماناً لوجودها كأمة، فالتنمية الذاتية للشعوب يجب أن تأخذ في اعتبارها القيم الثقافية الأصيلة والمعانى الخاصة لهذه الشعوب، ويجب بأي حال من الأحوال ألا تضيع الهوية الثقافية للأمم على حساب خضوعها للمصالح الأجنبية، فهي عنصر من عناصر التفاعل البشري والصراع الحضاري وتمثل الركن الأساسي من أركان الأمن القومي للأمم.

والهوية الثقافية لأية أمة من الأمم هي وثيقة تعريف لكل فرد من أفرادها في العالم الخارجي باعتباره منتمياً إلى تلك الجماعة فهي السمات والقسمات العامة التي تميز حضارة الأمة عن غيرها من الحضارات والتي تجعل للشخصية الوطنية والقومية طابعاً تتميز به عن الشخصيات الأخرى، وبقدر وضوح الهوية الثقافية للأمة ورسوخها في وجدان الفرد والجماعة بقدر ما تتميز تلك الأمة وتنفرد بخصائصها الذاتية عن غيرها من الأمم الأخرى، وترجع أهمية التعرف على الهوية في أنها حجر الزاوية في تكوين الأمم باعتبارها تراكم تاريخ طويل من القيم الثابتة التي نشأت عبر عمليات اجتماعية وتاريخية.

والتبعية للدول الأخرى تُفقد الشعوب هويتها حيث يقول الدكتور “محمد سيد محمد” فى كتابه “الصحافة بين التاريخ والأدب”: لقد استوقفنى فى تاريخ الشعر العربي أن الغساسنة والمناذرة دولتان عربيتان لما يقرب من خمسة قرون على اتصال مباشر بالقوتين الأعظم فى الجاهلية وعند ظهور الإسلام، وهما: الروم والفرس، ولم يظهر فى أى منهما شاعر وكان الشعراء ينبغون في الجزيرة العربية ويذهبون لمدح ملوك الغساسنة والمناذرة، برغم أن دولتا الغساسنة والمناذرة كانتا من حيث المظهر الحضاري واستخدام الوسائل الحضارية المعاصرة ووسائل الترف أكثر من بقية أهل الجزيرة بأشواط بعيدة ولقد ألح علي السؤال: لماذا لم يظهر شاعر في أي من الدولتين على مدار خمسة قرون؟ وكانت الإجابة فى رأيي تتلخص في فقدان الذات، فقد كان مثلهم الأعلى التبعية، وهل التبعية وفقدان الذات الثقافية تجعل قلباً ينبض ؟ أن التبعية لا تنتج فناً ولا فكراً.

والهوية الثقافية لأي مجتمع يتم تشكيلها من خلال مؤسسات التنشئة الإجتماعية متمثلة في الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام (الصحافة والإذاعة والتليفزيون، ….. إلخ) ودور العبادة والنوادي الرياضية والأدبية وجماعات الرفاق، وغيرها من المؤسسات الإجتماعية التي لها دور في صياغة الشخصية القومية للمجتمع، فالتمسك بالهوية الثقافية هو محاولة من الشعوب التي عانت من الإستعمار لإيجاد موضع متكافئ على خريطة العالم، والتكافؤ هنا لا يعني التماثل بل حق الإختلاف، فبإستعانتها بالتماسك القومي تسعى الشعوب المهمشة إلى تجاوز الدور الثانوي الذي فرضه عليها الإستعمار قديماً والهيمنة الغربية حديثاً.

فالهوية ليست مجرد حمل جنسية الدولة التي يعيش فيها الشخص، وإنما هي شعور بالإنتماء والولاء وتقبل القيم والأفكار، وإتباع أساليب الحياة السائدة في المجتمع، ومشاركة وجدانية في أمال وطموحات المجتمع وإندماج عاطفي وفكري مع بقية السكان والمواطنين.