الدولة الفاطمية وانجازاتها وآثارها

بقلم: سارة الليثي

    تأسست الدولة الفاطمية كنظام حكم راسخ عام 300 هـ الموافق 912 م بإقامة مدينة المهدية في ولاية افريقية حتى تم لهم غزو مصر عام 358 هـ الموافق 969 م في عهد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله على يد قائد جيشه جوهر الصقلي، وعندها كانت أول انجازاتهم هي بناء مدينة القاهرة لتكون عاصمة للخلافة الفاطمية، وقد استحدث الخليفة الفاطمي العزيز بالله منصب الوزراء وعين وزراء له من أهل الكتاب اليهود والنصارى وأشركهم في الحكم، كما عمل على تنويع الجيش ليضم جنوداً من طوائف وطبقات متعددة.

    ومن أهم انجازات الدولة الفاطمية هي بناء الجامع الأزهر، والذي أسموه تيمناً بفاطمة الزهراء ابنة الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وقاموا بتأسيسه في الأصل للدعوة إلى المذهب الشيعي الذي كانت تعتنقه الدولة الفاطمية، واستحدثوا منصب قاضي القضاة ليحكم بين الناس بالمذهب الشيعي وكان مقره في الجامع الأزهر، وأول من تولى هذا المنصب كان النعمان بن محمد الذي عينه الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، وقد اهتمت الدولة الفاطمية بالتسليح العسكري وخاصة الأسطول، فقد أسسوا دار للصناعة في عاصمتهم الأولى المهدية لصناعة المراكب الحربية من مختلف الأحجام.

    وبعد انتقالهم إلى مصر أسسوا دارين أخريين في القاهرة وأيضاً واحدة في دمياط وأخرى في الإسكندرية. وتعد أهم انجازتهم على الاطلاق هي انتصارهم على طائفة القرامطة وانهاء وجودهم للأبد، فعلى الرغم من أن الفاطميين والقرامطة ينتمون إلى المذهب الشيعي والطائفة الإسماعيلية تحديداً، إلا أن القرامطة عاثوا في الأرض فساداً واستحلوا دماء المسلمين كل من خالفهم في الرأي حتى وصل بهم الأمر لمهاجمة الحجاج في بيت الله الحرام وقتلهم فيه وانتهاك حرمته وسرقة الحجر الأسود ما يزيد على عشرين عاماً.

   واستمر ذلك حتى قرر الخليفة الفاطمي العزيز بالله محاربتهم بنفسه؛ فالتقت جيوشهما بالرملة في فلسطين فهزمهم شر هزيمة وكان ذلك في شهر محرم عام 368هـ الموافق 978 م. وقد استحدث الفاطميون أعياداً كثيرة لم يكُن يُحتفل بها من قبل كرأس السنة الهجرية والمولد النبوي وعاشوراء والاحتفال بقافلة الحج، بالاضافة لابتداعهم للعديد من الموالد كمولد الحسين ومولد السيدة فاطمة ومولد الإمام علي ومولد الحسن ومولد الإمام الحاضر، وقد استحدثوا أيضاً مظاهر جديدة للاحتفالات لازال يُعمل بها إلى الآن في ربوع الدول الإسلامية، كفانوس رمضان.

     وقد اهتمت الدولة الفاطمية بالأدب والثقافة والشعر حتى إن الخليفة الحاكم بأمر الله الفاطمي أنشأ دار الحكمة عام 395 هـ لتختص بشئون الفقهاء والقرّاء والمنجمين وعلماء اللغة والنحو والأطباء، ونقل لها الكتب من خزائن القصور.

Advertisements

هوية مصر العربية الإسلامية

بقلم: سارة الليثي

 

       “العربية” هو وصف لا غنى عنه للدلالة على الإنتساب إلى أمة لها تراثها ومواقفها ومقوماتها وخصائصها ومميزاتها. ولا يجوز أن ينتهي هذا الوصف إلى العصبية العرقية، ولا إلى الإنغلاق والجمود الفكري والنفسي، فقد كانت الأمة العربية الإسلامية على مدار تاريخها أكثر الأمم انفتاحاً على الثقافات الأخرى: أخذت منها في يسر ودون حرج، وقد تمثلت ما أخذته وهضمته حتى صار جزءً منهاٍ، بعد أن أدمجته في أصول ثقافتها، ونفت منه ما لا يتسق مع هذه الأصول، ثم أعطت الثقافات الأخرى عطاء سمحاً كان أساساً من أسس الحضارة الإنسانية الحديثة.

       وبعد الفتح الإسلامي لمصر في نوفمبر 641م على يد “عمرو بن العاص” في خلافة أمير المؤمنين “عمر بن الخطاب” (رضي الله عنه) انتسبت مصر إلى الأمة العربية، وصارت اللغة العربية هي اللغة الرسمية لها، وأضحى الدين الإسلامي هو الدين الذي يعتنقه الغالبية العظمى من المواطنين.

      

أولاً: الحياة الثقافية:

 

          كان إسلام مصر فتحاً جديداً في تاريخ الثقافة الإسلامية، إذ اعتنى المصريون بدراسة القرآن والحديث، وما اتصل بهما من علوم دينية كالفقه ونحوه، فشاركت مصر في ذلك برجال من أقطاب علماء الإسلام. فهناك “ورش” القبطي المصري مولداً ووفاة من أعلام القراءات السبع للقرآن الكريم، و”أبو حنيفة الأسواني القبطي” من أصحاب “الشافعي” الذي روى عنه عشرة أجزاء من السنن والأحكام، وبلغ مرتبة الإفتاء. وكذلك “ابن الفارض” (ت 632 هـ) الذي يوضع في الطبقة الأولى في الشعر الصوفي بما في الكثير من قصائده من النظم ورقة الأسلوب وعمق المعنى.

          وهناك أيضاً “ابن رضوان” الذي نشأ وتعلم الطب في مصر، وبرع فيه في الثانية والثلاثين من عمره، ودخل في خدمة الخليفة الفاطمي “الحاكم بأمر الله” الذي عينه رئيساً على أطباء مصر والشام. وقد ازدهرت الحركة العلمية في مصر على عصر سلاطين المماليك ازدهاراً واسعاً في معظم ألوان المعرفة: الأدب، والتاريخ، والجغرافيا، والعلوم الدينية، والطب، والفلاحة، والمعارف العامة، …..، وغيرها، ووجدت الموسوعات الضخمة التي تعالج المعلومات المتباينة المختلفة، مثل كتاب “صبح الأعشى في صناعة الأنشا”، الذي وضع في أربعة عشر جزءً لـ”القلقشندي” الذي ولد بمحافظة القليوبية، وأقام بالأسكندرية وعمل بديوان الإنشاء في عهد السلطان المملوكي “برقوق”.

  وكذلك أيضاً كان هناك مؤلفات أخرى لكتاب عظماء، مثل: “كتاب نهاية الإرب في فنون العرب”، لـ “النويري”، و”مسالك الأمصار” لـ “ابن فضل الله العمري”، وبعض هذه الموسوعات يزيد على ثلاثين مجلداً، وتعد قمة ما وصل إليه الفكر العربي الإسلامي في ميدان المعارف العامة. كما وفد إلى مصر علماء المسلمين من مختلف البلاد للعمل في مدارسها ليتمتعوا برعاية سلاطين المماليك للعلم والعلماء. ومن أشهر العلماء الذين وفدوا إلى مصر: “عبد الرحمن بن خلدون” الذي جاء من المغرب في خريف عام 1332م، وتولى التدريس بمصر عدة سنوات، ثم أصبح قاضياً للمالكية في القاهرة.

 

ثانياً: الفنون التشكيلية:

 

          أثرى الفنان المصري الحضارة الإسلامية بخبرته الكبيرة، فترك الفن القبطي أثرأً بارزاً على الفن الإسلامي بفضل الدور الذي لعبه المسلمون في بناء العمائر الإسلامية، حتى أن الفرق بين الفن القبطي والإسلامي بمصر لم يكن كبيراً، حتى بدأ الفن الإسلامي في مصر يتخذ طابعاً خاصاً في العصر الفاطمي. حيث بلغ الفن المصري ذروته، وخاصة في مدينة القاهرة المعزية، الذي وضع “جوهر الصقلي” أساسها عام 969م، وكانت تشمل عندئذ أحياء الأزهر والجمالية وباب الشعرية والموسكي والغورية وباب الخلق، وأقيمت بها القصور والمتنزهات ودور العلم فضلاً عن الحمامات والفنادق والأسواق، وتجلت في ذلك كله براعة فن العمارة الإسلامي.

          حتى إذا جاء العصر الأيوبي كان ذلك الإنجاز المعماري الكبير الذي يتمثل في قلعة صلاح الدين (أو قلعة الجبل) التي بنيت على أحد المرتفعات المتصلة بجبل المقطم، وشيد “صلاح الدين الأيوبي” قلاعاً أخرى بمختلف البلاد، أهمها قلعة سيناء قرب عين سدر، وقلعة فرعون بجزيرة فرعون في خليج العقبة، وكلها تكشف عن براعة المعماري المصري. وكذلك أقيم الكثير من العمائر المدنية التي لا يزال بعضها قائماً حتى اليوم، منها “قبة الإمام الشافعي” التي تمتاز بنقوشها وزخارفها البديعة، والمدرسة الصالحية التي لم يبقى منها سوى مدخلها وواجهة غنية بالنقوش والكتابات التاريخية.

          وبلغت العمارة في مصر ذروة النضج في العصر المملوكي، مثل جامع “ابن طولون” الذي بناه “أحمد بن طولون” (عام 265 هـ – 879م) في حي السيدة زينب، وهو من أكبر مساجد مصر وأقدم مسجد ما زال محتفظاً بتفاصيله المعمارية، وتزدان جدرانه بـ 128 شباكاً، ولمحراب المسجد كسوة من الفسيفساء الرخامية المذهبة، ويحيط به أربعة أعمدة من الرخام، وكذلك مدرسة (أو جامع) السلطان “حسن بن محمد بن قلاوون” بتصميمه العجيب وأبوابه الفخمة وأيواناته العالية وزخارفه الدقيقة، وقد إمتازت العمارة بالعناية بواجهات المساجد وجمال ورشاقة السقوف ذات النقوش الرائعة.

          وكانت التماثيل الخشبية والحجرية تزين قصور الخلفاء الفاطميين بالقاهرة وقصور السلاطين المماليك. وقطع فن النحت على الخشب في صورة زخارف هندسية شوطاً كبيراً من التقدم في العصر الأيوبي والمماليكي وذلك في المنابر والأبواب والشبابيك والمشربيات. وأضاف الفنان المصري في الزخارف المعدنية طريقة جديدة عرفت بالتكفيت – أي تطعيم الأواني بالذهب أو الفضة أو بهما معاً – وكذلك تفوق المصريون في صنع الخزف ذو البريق المعدني، ويرتبط بفن الخزف صناعة القراميد (القيشاني) التي تستعمل في تغطية الجدران، ولا تزال بقايها ماثلة في العمائر المملوكية.

  وابتكر الإنسان المصري صناعة الزجاج ذو البريق المعدني في العصر الفاطمي، وفي العصر المملوكي الزجاج المموج بالمينا، والمشكاوات ( المصابيح الزجاجية) هي خير ما يعرض جمال هذه الطريقة التي إبتدعها الفنان المصري في العصور الوسطى.

    وهذا خير رد على من ينفي عن مصر هويتها العربية والإسلامية ويريد أن يمحي عنها هذا التاريخ العريق ويدعي كذباً وزوراً أن دخول مصر في الإسلام وانضمامها للهوية العربية كان هو سبب تخلفها ورجعيتها، فمصر ظلت رائدة الحضارة على مر العصور وتحت لواء مختلف الديانات لأن شعبها كان جديراً بها وحرص على تقدمها وازدهارها، نحن من تغيرنا ولم نعد جديرين بمصر، البشر هم من ينهضون بالأوطان، ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فلنحرص على تغيير أنفسنا لنكون جديرين بمصرنا الحبيبة ولنضعها في المكانة التي تستحقها كما كانت دائماً.

جولة في الكتب: أنا سلطان قانون الوجود (مجموعة قصصية)

لـ/ يوسف إدريس

      مجموعة قصصية مكونة من 8 نصوص، النص الأول الذي حمل عنوان المجموعة “أنا سلطان قانون الوجود” يحكي عن حادث حقيقي عاشه الجمهور المصري في سبعينيات القرن الماضي ولا زال يُحكى للآن، هو حادث مقتل مدرب الأسود “محمد الحلو” على يد (أو مخالب إن صح القول) أسده “سلطان” أمام جمهور السيرك في عرض الافتتاح، لا أعلم إن كان “يوسف إدريس” كان حاضراً ذلك العرض بالفعل وقد كتب النص معبراً عن نفسه وقتها أم أنه تقمص دور الراوي وتخيل الأحداث والمشاعر بعد أن علم بالحادث.

    فحتى من لم يعاينوا الحادث رأي العين وقتها أثر فيهم كثيراً، فقد أمضيت سنوات طفولتي وأمي تحكي لي هذا الحادث كلما أتت سيرة السيرك على الرغم من أنها لم ترى الحادث ولم تكن بين الجمهور يومها، وكانت لا تزال طفلة في الرابعة عشر من عمرها وقتها، ومعلوماتها عن الحادث استقتها فقط من التلفاز، إلا أنه أثر فيها كثيراً للدرجة التي جعلتها لا تنساه أبداً، فما بالك بكاتب كبير بحجم “يوسف إدريس”، فحتى لو لم يكن حاضراً العرض يومها إلا أن خياله الخصب وقلمه المبدع قادراً على أن يحول حادث كهذا لنص فلسفي في قمة الروعة.

    كُتب النص في 12 صفحة، أول خمس صفحات كانت توحي وكأن النص عبارة عن تقرير صحفي لأحداث اليوم، فقد أخذ يصف أجواء العرض يومها وانطباعات الجمهور والعروض السابقة، ولكن ما لبث أن تحول النص من التقريرية إلى الفلسفية، فإذا به يسبر أغوار الأسد “سلطان” ليصف لنا احساسه يومها وسبب اندفاعه للقيام بمثل هذه الخطوة الوحشية التي ندم عليها لاحقاً حتى مات من الندم، يصل “يوسف إدريس” في نهاية النص إلى فلسفة تلك الحياة التي نحياها، فمن يخاف ويضعف يُقتل، هذا هو “سلطان قانون الغابة وقانون الحضارة وقانون الإنسان وقانون كل الوجود”.

     النص الثاني “جيوكندا مصرية” هو نص شاعري رقيق مرهف الحس، يحكي قصة فتى مسلم في الرابعة عشر من عمره يرتبط بعلاقة صداقة بريئة بفتاة مسيحية في السادسة عشر من عمرها، يراها بهالة من القدسية كملاك من السماء، يراها شبيهة بالعدرة، ولا يبغي أكثر من ذلك، ولكن ما يلبث الأهل أن يضعوا أمامهم السدود ليمنعوهم من اللقاء فيضطرون للكذب واللقاء خفية “إننا ونحن أطفال وصبية نكون أكثر صدقاً مع أنفسنا ومع ما نريد، وما نريده يكون أكثر صدقاً مع الحياة نفسها، كل ما في الأمر أننا صغار في عالم لا يخضع للحياة وقوانينها وإنما ينظمه ويقننه ويحكمه الكبار، ولا بد دائماً أن يتدخلوا، فإذا فعلوا فإنما ليجبرونا، لا لنمتنع، وإنما لنراوغ ونكذب ونكرههم كما نكره العقاب”.

    يقع المحظور عندما يتحول الأمر إلى الخفاء، تتحول العلاقة البريئة إلى علاقة ذكر وأنثى، يتبادلا القبل ويراهما أبوها، لتظل بعدها حبيسة البيت حتى تزف إلى ابن عمها القادم من الصعيد، ويعيش هو الندم لأنه لم يكتفي بعلاقتهما البريئة الطاهرة ورأها أنثى ليس فقط ملاكاً “كمالك الحزين أبكي، وبالندم أحيد، والعالم كئيب، والأيام من فرط طولها عجوز رمادية شائخة، والليالي بلا منتصف أو فجر أو صباح، والعمر بلا زمن”، النص الثالث بعنوان “البراءة” صدقاً لم أفهم منه شيء!

    كان نصاً كتلك النصوص المغرقة في الرمزية التي أمقتها أشد المقت، ولكن هذا النص لفرط رمزيته قد لا يعي القارئ منه شيئاً، النص الرابع بعنوان “لحظة قمر” هو عبارة عن خاطرة لم أرى فيه أي من مكونات القصة، فلا شخصيات ولا أحداث ولا صراع، فقط رجل يمشي في شوارع القاهرة، ينظر للسماء فيرى القمر الذي غاب عنه كثيراً لكثرة البنايات وطولها الذي يحجب السماء فلا يُرى قمرها أو نجومها، النص الخامس بعنوان “حوار خاص” يعرض لجدلية وجود الإله وعنايته من عدمها.

     فبطل القصة يقود سيارته فخوراً بنفسه، يشعر أنه السيد والمتحكم في الأمر، يتسائل في داخله إذا ما كان الإله موجود أم لا، وفجأة يشعر بأن الاطارات الخلفية للسيارة قد انفجرت، ولا يمكنه ايقاف السيارة بالفرامل، فأي تغيير خارجي يطرأ قد يودي بحياته وحياة أسرته التي تركب معه السيارة، والحل الوحيد أن تحدث المعجزة التي تحدث مرة في المليون بأن تظل السيارة في طريقها لا يعترضها شيء حتى تهدأ وتتوقف من تلقاء نفسها، وهذا ما حدث بالفعل لتكون تلك اجابة سؤاله عن وجود الإله ليتسائل أيضاً: أهكذا يجيب الإله؟!

   النص السادس بعنوان “سيف يد” يصور موظفاً بسيطاً مسالماً طول عمره، يتقبل ظلم رئيسه في العمل بصمت طوال الوقت، حتى يتعلم من ابنه درساً في المواجهة عندما يضرب زميله في المدرسة لأنه يفتري عليه وينقل عنه أخباراً كاذبة، ويعلمه بطريقة ضربه له التي ينفذها في اليوم التالي مع رئيسه، وبعد أن يتضاربا ويهلكا من الضرب ينظر إلى موخرة رأسه فيرى شعره خفيفاً فيشفق عليه إذ في خلال عامين سيكون أصلعاً بالكامل.

    النص السابع بعنوان “حكاية مصرية جداً” هي حدوتة بسيطة كنكتة عن شحاذ مقطوع الساقين يطلب من سائق سيارة أجرة أن يوصله ويحكي له حكايته عن اتفاقه مع شرطي المرور ليطيل مدة الاشارة الحمراء حتى يستطيع المرور للشحاذة على السيارات المتكدسة عند الإشارة على أن يقتسم معه أموال الشحاذة واليوم يهرب منه لأنه آخر يوم له في المنطقة وغداً سيأتي شرطي جديد ليتفق مع اتفاق جديد، النص الثامن والأخير بعنوان “عن الرجل والنملة” يحكي عن السجون والمعتقلات.

    يدور النص عن قصة سجين يرغمه آمر السجن على ممارسة الجنس مع نملة!!!!! يضطر للاستجابة لذلك الأمر المجنون بالضغط على مخه وأعصابه ليتخيل نفسه ذكر نملة تثيره أنثى النملة ليضاجعها، “أتصاغر ويكسوني العرق وتطقطق عظامي وتتدشدش دون أن تصبح كفي في حجم ساق النملة لا يكاد يرى ولا بد أن أهوى بوعيي وبإرادتي على كفي وكتفي ولحمي وعظمي ورأسي وبطني وعنقي وأدق وأصغر كي أستحيل ذكر نملة، أفرز هرموناته، وأجعلها بالقوة القاهرة تستجيب لهرمونات أنثاي القابعة مستسلمة، في يدي. هكذا. رأيتها، بألف عين دقيقة لي تكونت، قد استجابت، وكفت عن الحركة، واسترخت، واضجعت. لو كانوا قد عذبوني وقطعت الجبل كله، لو ربطوني إلى ذيل حصان جرى بي القطر كله من أقصاه إلى أقصاه، ألف جلدة، لو فعلوا ما هو أكثر وأكثر لما أحسست بربع معشار ما مر علي من عذاب حتى أفلت الزمام ولم أعد أستطيع الكف وجسدي يمضي يتصاغر ليصبح نملة ويستمر نملة ويعيش ويحب ويزاول الحب نملة.. وعند لحظة النهاية فقدت الوعي..”

    ينتهي به الأمر إلى انهيار عصبي يفقده التوازن يفضي به إلى الموت في النهاية “إرادة أن أكون بشراً أفلت وصارت لي إرادة نملة لا تقوى أبداً على كتمان”.

جولة في الكتب: رحلة الدم (رواية)

لـ/ إبراهيم عيسى

      ألا لعنة الله على السياسة والحكم والسلطة، اغر أي انسان بالسلطة والنفوذ والمال لينطلق عابثاً في ربوع الكون يقتل ويسفك الدماء، ولن يعدم أن يجد تبريراً دينياً يحل له ما يقوم به من سفك للدماء واعلاء له بأنه جهاد في سبيل الله وقتل لأعداء الله، أذو النورين عدو الله؟! وأنتم يا شراذم الأمم من ستنصرون الله؟! آفة عثمان أنه لم يرد أن تراق الدماء بسببه فكان دمه هو الذي أريق ومن يومها ونحن نريق دماء بعضنا البعض في سبيل السلطة والسياسة مدعين أنها لله وفي سبيل الله!!

     أذكر أنني قرأت كتاباً صغيراً عن سيرة “عثمان بن عفان” لا أذكر من كاتبه ولا أذكر عنوانه بالظبط، كان ذلك في أوائل سني مراهقتي، بكيت بكاءاً مراً عندما وصلت لنهايته التي تضمنت مقتله على أيدي من ادعوا أنهم مسلمين وأنهم ينصرون الدين، من يومها و”عثمان بن عفان” أقرب الصحابة إلى قلبي، كان بمقدوره أن يحرض أصحابه ومناصريه أن يزودوا عنه بالسلاح ويقتلوا منهم كما يشاءوا ولكنه أبى، آثر إن كان ولا بد من اراقة الدماء فليكن دمه هو.

    لم يشأ أن يقابل الله ويديه ملطخة بدماء قد تكون أريقت ظلماً، قد يكون صاحبها مسلماً حقاً، وبنو أمية الذين كانوا سبباً في كره الناس له بظلمهم وعربدتهم في الأرض باسمه واستغلال رأفته بهم لقربتهم منه، لم يكتفوا بأنهم كانوا السبب في تلك الفتنة التي أفضت لقتله، بل انهم عاثوا في الأرض فساداً، فنافسوا “علي بن أبي طالب” ابن عم رسول الله على الحكم، وقتلوا من بعده أبناءه “الحسن” و”الحسين” أحفاد رسول الله سيدا شباب أهل الجنة؛ ليستأثروا بالحكم.

    فتحولت الخلافة الإسلامية منذاك لملك جاهلي يتوارثه الأبناء عن الآباء مدعين أنهم يطبقون شرع الله، وهم من الأساس بنوا حكمهم على باطل، “وما بني على باطل فهو باطل”، أعلم أنني ربما قد أكون استطردت في الحديث عن مشاعري ورأيي في الأحداث بشكل عام دون التطرق للرواية، ولكنها حقاً هيجت أشجاني حول هذه الفترة التي هي السبب في كل ضياع نعيشه اليوم، فهي السبب في إفساد السياسة للدين، حيث تجرد بنو أمية من كل ما يمت للدين بصلة ليفوزوا بسياستهم فألصقوا فسادها بالدين ولا زال الحكام على أثرهم يهتدون -أو يضلون-.

    تدور الرواية حول تلك الفترة، حيث تبدأ الأحداث بقتل “علي بن أبي طالب” على يد “عبد الرحمن بن ملجم”، ثم تعود بتقنية “الفلاش باك” لسرد الأحداث منذ عشرين عاماً مضت في فتح مصر حينما أرسل أمير المؤمنين “عمر بن الخطاب” “عبد الرحمن بن ملجم” لـ”عمرو بن العاص” ليقرأ القرآن للجنود، تمضي الرواية في نصفها الأول بين ربوع مصر، يصور “إبراهيم عيسى” شخصية “عبد الرحمن بن ملجم” أنه ذلك الحافظ للقرآن لكن لا يعي منه شيئاً.

    فـ”عبد الرحمن بن ملجم” يحفظ القرآن دون أن يسأل، لا يهتم لمعنى الآية أو المقصود بها، بل يتعجب إذا ما سأله أحد الأطفال الذين يحفظهم عن معنى آية أو كلمة، فقد أمضى عمراً مع “معاذ بن جبل” في خدمته يحفظ عنه القرآن دون أن يسأل، فلماذا يسأل؟! هو كلام الله وعليه أن يحفظه كما هو وفقط، لم يرى رسول الله في حياته ولا أخذ عنه حديثاً، لذا كان ينظر لصحابة رسول الله بشيء من التقديس والإجلال.

      تلك النظرة القدسية كانت سبباً في عذابه الأبدي، فهو نسى أنهم بشر، فإذا به يصدم عندما يراهم بشراً كباقي البشر يخطئون كما يصيبون، ولأنه يعتقد أن الصحابة غير باقي البشر، وأن صحبة رسول الله ترتقي بالانسان عن انسانيته وهي كفيلة أن تجعله ملاكاً لا يخطىء، فإذا ما أخطأ كالبشر فهذا كان كفيلاً لديه لأن يسقط من نظره فيراه منافقاً يضمر الكفر على الإسلام، وهذا ما حدث له نحو “عثمان بن عفان” فقد حمله أخطاء ولاته فكفرهم وكفره معهم.

     النصف الثاني من الرواية كان في المدينة المنورة، مقر الخلافة، حيث تجمع العصاة من أقطار الدولة الإسلامية مزمعين خلع “عثمان بن عفان” عن كرسي الخلافة، رفض الإذعان لهم فانتهى الأمر بهم أن قتلوه ومثلوا بجثته، لم أقرأ من قبل ذاك الجزء الأخير عن دفنه، وهل حقاً وصل بهم الأمر أن رفضوا دفنه في مقابر المسلمين فدفن في مقابر اليهود؟! ولم لا يصل وهل بعد القتل والتمثيل بالجثث من ذنب؟! تنتهي الرواية بمبايعة “علي بن أبي طالب” خليفة للمسلمين وتوجسه من مبايعة “عبد الرحمن بن ملجم” وسحب يده رافضاً بيعته قائلاً: “إنا لله وإنا إليه راجعون”.

    لم تذكر الرواية تفاصيل ما حدث بين البيعة لـ”علي بن أبي طالب” وتغير “عبد الرحمن بن ملجم” ناحيته ليقتله، ويراه كافراً أيضاً كما ذكر في أول الرواية، من المفترض حسب ما ذكر على غلاف الرواية أنها الجزء الأول من سلسلة معنونة بـ”القتلة الأوائل”؛ فهل سيكون هذا هو الجزء الثاني؟ فلننتظر.

جولة في الكتب: صورة المرأة في رحلة ابن بطوطة

لـ/ منصورية بن عبد الله ثالث

      هي رسالة بحثية جامعية لنيل درجة الدكتوراه في العلوم الإنسانية والاجتماعية، قرأتها بعد قراءتي لكتاب رحلة ابن بطوطة، حيث كنت أبحث على شبكة الإنترنت عن مقالات ودراسات عن الرحلة لأتأكد من بعض المعلومات، ووجدت تلك الأطروحة، وكمعظم الدراسات الجامعية التي تتم بهدف نيل الدرجات، تستطرد في أمور جانبية بهدف الحشو والتطويل لتبدو الرسالة البحثية ذاخرة بالمعلومات حتى وإن كان لا رابط بينها وبين موضوع الرسالة الأصلي، فقد استطردت في تفسيرها لمفهوم العجائبية مثلاً كمدخل للحديث عن الأمور العجيبة الوارد ذكرها في رحلة ابن بطوطة.

    ففي هذا الصدد تناولت عجائب القرآن وحروفه والأزمنة والأمكنة والأشخاص والأشياء والأحداث الواردة فيه فيما يزيد عن الثلاثين صفحة، في حين كان يمكن اختصار كل هذا في فقرة أو فقرتين، غير أن موضوع العجائبية أصلاً بعيد عن موضوع البحث الرئيسي وكان يمكن التطرق إليه سريعاً لا أن يحتل فصلاً كاملاً من الرسالة، وكذلك التفصيل في تاريخ السفر والترحال بشكل عام أخذ قسطاً وافراً من الأطروحة البحثية، ليبدأ الحديث عن الموضوع الأساسي للرسالة –وهو صورة المرأة- في الصفحة 150 لينتهي البحث صفحة 220.

     أي أن موضوع البحث الرئيسي لم يستغرق نصف الأطروحة حتى، ولا أنكر أهمية المعلومات المطروحة ولكنني اعترض على عدم ترابطها مع العنوان موضوع البحث، وكان من الأولى أن تتناول الباحثة الشخصيات النسائية الواردة في رحلة ابن بطوطة بكثير من التفصيل خاصة الشخصيات الشهيرة منها التي ذكرت في التاريخ، وتقارن بين ما ورد عنهن في الأدبيات الأخرى وما كُتب عنهن في تاريخ بلادهن وبين ما ذكره “ابن بطوطة” عنهن، كالسلطانة راضية سلطانة الهند التي لا يزال ذكرها حياً لليوم ويضرب بها المثل في بلاد الهند عن الشجاعة والحكمة، وغيرها من النساء الحاكمات وزوجات السلاطين والنساء المشتغلات بالعلوم والفنون اللواتي ذكرهن “ابن بطوطة” في رحلته وكان لهن ذكر في كتب التاريخ المختلفة.

جولة في الكتب: رواية تل العقارب

لـ/ أيمن رجب طاهر

    تدور الرواية في زمنين متوازيين، العصر الحالي من خلال “فيليب” السائح الفرنسي الذي يأتي إلى مصر باحثاً عن تاريخ جده الذي شارك في الحملة الفرنسية على مصر منذ قرنين من الزمان ويشاع في عائلته أنه من سقى “سليمان الحلبي” آخر قطرة ماء وهو على الخازوق، ويتعرف على “سمير” الشاب المصري الذي يعمل مترجماً للغة الفرنسية ويعيش في منطقة تل العقارب حيث أعدم “سليمان الحلبي”، ويكتشفا معاً مذكرات لجد “سمير” “عبد البر” الذي عاصر الحملة الفرنسية وكان مقرباً لسليمان الحلبي.

    من خلال تلك المذكرات تكون الرواية الموازية للعصر الماضي، فيحكي “عبد البر” في مذكراته كيف بدأت الحملة الفرنسية على مصر، وما اقترفه الفرنسيون من فظائع في حق الشعب المصري باسم المدنية والحضارة، ومن خلال علاقته بسليمان الحلبي يحكي أيضاً ما حدث في سوريا وفلسطين على أيدي جيش الحملة، وصولاً لرغبة سليمان الحلبي في الانتقام من الفرنسيين بقتل ساري عسكرهم “كليبر”، على الرغم من أنه كان موكولاً بهذه المهمة في البداية من الأمير العثمانلي في سوريا لقتل نابليون بونابرت.

    فعندما علم برحيل نابليون وأن كليبر حل محله، انتوى التراجع عن المهمة وارسال رسالة للأمير العثمانلي يعلمه بمستجدات الأمور كما نصحه رفقائه المشايخ بالأزهر، ولكن عندما علم بالفظائع التي اقترفها جيش الحملة الفرنسية في مصر من صديقه “عبد البر”، مزق رسالته وقرر المضي في مهمته جهاداً في سبيل الله، وكان له ما أراد، حتى صدر الحكم عليه بالإعدام على الخازوق، واعدام رفاقه في الأزهر بقطع الرقاب واحراق الجثث؛ لأنهم علموا بنيته ولم يبلغوا عنه.

     بعد وضع “سليمان الحلبي” على الخازوق، يذهب “عبد البر” واخته “عفيفة” إلى موضعه بقنينة ماء عندما يعرف أن شربه للماء سيعجل بموته ويريحه من عذابه، يستجيب له الضابط الفرنسي الرؤوف الذي أنقذهما سابقاً من تحرش بعض الضباط بأخته في السوق، ويعطي “سليمان الحلبي” شربة الماء التي ستودي بحياته وتريحه من عذابه، عندما يذكر “عبد البر” اسم ذلك الضابط الفرنسي “أدمون” يتعرف “فيليب” فوراً عليه؛ فذاك هو اسم جده الذي أتى هنا خصيصاً ليكتشف صدق روايته من عدمها.

      تنتهي مذكرات الجد “عبد البر” بانتهاء الحملة الفرنسية على مصر ليذكر بعدها ومضات من حياته الشخصية بزواجه وزواج أخته من أبناء عمهما وإدارته لمخبز والده، ومع انتهاء المذكرات تنتهي فترة اقامة “فيليب” في مصر، والتي خلالها لم يطلع على المذكرات فقط، بل اختلط وعاش بين أناس حقيقين يحفظون تراث بلادهم بين جوانحهم، لا كما يصورهم الإعلام الغربي همج لا يقدرون العلم والثقافة والحضارة يقتلون لأجل القتل فقط! وتنتهي الرواية بتوديع “سمير” لـ”فيليب” في المطار بعد أن يعطيه نسخة مصورة من المذكرات ليترجمها ويحتفظ بها أو ينشرها كما أراد.

    هدفت الرواية إلى تسليط الضوء على كيفية التقاء الحضارات، ليكون هناك حواراً بناء بينهما يتبادلا من خلاله النفع والمعرفة، بدلاً عن الصراع الدائم الذي يدور بين الشرق والغرب في محاولة كل منهما التسلط على الآخر واثبات الفضل له فيما وصلت إليه الحضارة وما حازه العالم من تقدم وازدهار، تمتعت الرواية بلغة سلسة واضحة حتى بعض الكلمات التي بدت عصية على التفسير للفرنسية من مذكرات “عبد البر” لاستخدامها مصطلحات قديمة اندثر التعامل بها في الوقت الحالي، ولكنها بدت مفهومة في سياق الكلام.

حمى ارتفاع الأسعار

كتبت: سارة الليثي

         طفح كيل الشعب بعد الارتفاعات الأخيرة في أسعار الوقود والمحروقات، والتي نتج عنها بالضرورة ارتفاع أسعار كل السلع الأخرى التي تحتاج لوسائل النقل المختلفة في نقلها من أماكن انتاجها لأماكن تسويقها وبيعها، فكثر اللغط في الشارع وكان رد الحكومة المستفز أن تلك هي الأسعار العالمية التي تتعامل بها كل الدول المتقدمة وأن ذلك هو سبب تقدمها ونهضتها الاقتصادية، وكأن حكومتنا الموقرة نست أو تناست أن سبب تقدم وتحضر أي أمة هو احترامها وتقديرها للإنسان المواطن القائم على نهضتها وتحضرها والذي يعطيها من عرقه وجهده ودمه إن تطلب الأمر.

     تتجاهل حكومتنا الموقرة أن تلك الدول التي تقارن بها الآن في أسعار السلع قبل أن تحدد تلك الأسعار وتأخذ من مواطنيها تعطيهم ما يستحقونه، تغض الطرف حكومتنا الموقرة عن مرتبات ودخل الفرد في أي دولة من تلك الدول التي تقارن بها الآن في أسعار السلع والمحروقات، فكل دولة من تلك الدول لا يقل متوسط دخل الفرد فيها عن ألفي دولار شهرياً أي ما يساوي 43 ألف جنيه مصري تقريباً، كفرنسا التي يصل متوسط دخل الفرد فيها إلى 28799 دولار سنوياً أي ألفي دولار ونصف في الشهر.

   وفرنسا تلك تأتي في ذيل القائمة التي وضعها موقع “توب مينز” لأعلى 10 دول في متوسط دخل الفرد[i] والتي ضمت كل من: فرنسا، السويد، كندا، النمسا، ألمانيا، أستراليا، سويسرا، النرويج، لوكسمبورج، وأمريكا، بينما في مصرنا الحبيبة فالراتب الشهري للمدرس الجامعي في بداية حياته المهنية هو ألفي جنيه فقط! وهذا كما أعلم من أصدقائي ومعارفي الذين هم على درجة معيد الجامعة وهذا ما يتقاضونه شهرياً، وذلك على الرغم من أن تلك الفئة تعد من أعلى الفئات الاجتماعية في المجتمع ناهيك عن دخل مدرس الابتدائي والاعدادي الذي قد لا يصل للألف جنيه شهرياً وفقاً لقانون التعليم الجديد[ii]!!

     وكمواطنة مصرية فقد نلت شرف الحياة في بلد متقدم لأربع سنوات في أوائل سنوات مراهقتي حيث كان أبي دارساً للدكتوراه في الهندسة المعمارية في “كوكب اليابان الشقيق”، والحق يقال أن أسعار السلع كافة كانت ضعف أسعار السلع في مصر، ولكن… راتب أبي الشهري كان يقدر بثلاث آلاف دولار شهرياً وقتها في حين راتبه في مصر لم يكن يتعدى الألف جنيه! وقياساً على نفس المنوال يمكننا أن نقيس كافة الوظائف مع كافة الدول المعنية التي تقارن حكومتنا الموقرة وضعنا معها.

   وكم صرحوا لنا أن نحمد الله أننا أفضل من سوريا والعراق، ولكن للأسف فإن حتى سوريا والعراق وضعهم المادي والاقتصادي أفضل منا، فمتوسط دخل الفرد في العراق 13600 دولار سنوياً بحسب صحيفة السومرية العراقية[iii]، وهذا يعني أن متوسط دخل الفرد شهرياً يساوي ألف دولار شهرياً أي ما يزيد عن  سبعة عشر ألف جنيه مصري، بينما متوسط دخل الفرد في سوريا حوالي 100 دولار شهرياً أي ما يساوي 1750 جنيه مصري، وذلك حسب مؤشر Numbeo لمتوسط الراتب الشهري في العالم في نسخته الأخيرة للعام 2017، وهو قاعدة بيانات عالمية حول متوسط دخل الفرد وأجره الشهري وكذلك مستوى الرعاية الصحية في بلدان العالم.

     أما في مصر فمتوسط دخل الفرد حسب تقارير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء هو سبعة آلاف جنيه سنوياً أي حوالي 583 جنيه شهرياً! أي أن وفقاً لتقارير الحكومة الرسمية فإن سوريا والعراق -اللاتي نحمد الله دائماً أن السياسات الرشيدة لحكومتنا الموقرة حمتنا من الوصول إلى وضعهما البائس- هم أفضل حالاً منا ويتمتعون برخاء اقتصادي لا نحظى به! وليس ذلك فقط بل إن حتى فلسطين المحتلة التي ترزح تحت أغلال الاحتلال الصهيوني متوسط دخل الفرد فيها 698 دولار شهرياً أي ما يزيد عن اثنى عشر آلاف جنيه مصري! وذلك وفقاً لنفس المؤشر السابق.

    بل إن حتى قطاع غزة المحاصر فإن متوسط دخل الفرد فيه سنوياً 966 دولار أي 80.5 دولار شهرياً وفقاً للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كما ذكر موقع العربي الجديد[iv]، أي ما يساوي 1409 جنيه مصري. فبالله عليكم خبروني أي سياسة تلك التي تنتهجها حكومتنا الموقرة لتجعل وضعنا أسوأ من وضع دولة محتلة منذ ما يقرب من قرن من الزمان وقطاع محاصر منذ عقد من الزمان وبلاد تتناحر وترزح تحت الفتن الطائفية والحروب الأهلية؟! أي اقتصاد دولة ذاك الذي يقوم على فرض ضرائب ورفع أسعار على المواطنين دون أن يحظوا بأي خدمات أو حقوق وتقدير إنساني في المقابل؟!

     أي علاقة تلك التي تقوم على الأخذ فقط من طرف واحد بدون أي نوع من العطاء للطرف الآخر؟! وإلى متى سنظل صامتين ونرضى بالذل والقهر الذي نحيا فيه دونما اعتراض؟!

الطريق (قصة قصيرة)

بقلم: سارة الليثي

   وصل إلى القمة كما كان يحلم دائماً، تلقى التهاني والتبريكات ممن حوله، خالجه الشعور بالسعادة والفخر لأيام، ثم جلس يفكر ماذا بعد؟ لم يعد هناك من بعد، لقد حاز كل شيء، اكتشف أن كل المتعة كانت تكمن في الطريق للقمة وليس الوصول إليها، وأن ما من سعادة بعد اليوم، أمسك مسدسه وصوب طلقته في رأسه.

بنت من الصعيد (قصة قصيرة)

بقلم: سارة الليثي

  • اجهزي وجهزي بنتك النهاردة بالليل في عريس جاي يخطبها.
  • عريس؟! عريس ايه مين ومنين؟ انت مكلمتنيش في الموضوع ده قبل كدة وبعدين البنت لسة صغيرة!
  • أكلمك ليه هو انت اللي هتقرري إذا كنت هجوزها ولا لا؟! وبعدين مين دي اللي صغيرة أنا لما أتجوزتك كنت أصغر منها! أنا مش عايز كتر كلام وقلبة دماغ على الصبح، العريس هيجي هو وأهله بالليل، أرجع من الشغل ألاقيكم جاهزين عشان تستقبلوهم انت وهي.

………………………………….

     نعم كنت أصغر منها عندما تزوجتك، لم أكن أعي شيئاً في الحياة سوى مريلتي وكتبي وأحلامي، كنت أظن أن الحياة ستحلو لي لأحقق كل ما أحلم به، لم أكن أدرك أن أحلامي سيتم وأدها بيد أقرب الناس إلي بينما أتلقى دروسي بسعادة وأمل، كنت كعصفور طليق يحلق بفرح في سماء الأحلام، نتفوا ريشه وقصوا جناحيه وأودعوه قفصاً ذهبياً، فما أغناه ذاك يوماً عن حريته، ولا رد له يوماً فرحته، لا زلت أذكر ذلك اليوم الذي عدت فيه إلى منزلي في نهاية يومي الدراسي؛ لتنفرد بي أمي تزف إلي هذا الخبر السار: جالك عريس يا بت، والله وكبرتي وبقيتي عروسة.

    كانت تتوقع أن تحمر وجنتي خجلاً، أنظر للأرض وعلى وجهي ابتسامة عريضة تدل على فرحتي الغامرة، أن أجري من أمامها فرحة لأغزل أحلامي مع ذاك العريس المجهول وحدي في عشي الصغير، ولكني بمنتهى البساطة والسذاجة صدمتها بقولي: بس أنا لسة بدرس ولسة قدامي حجات كتير عايزة أعملها قبل ما أفكر في موضوع الجواز ده!

    ابتلعت صدمتها في ذهول لترد علي قائلة: وهم يعني اللي درسوا خدوا ايه من دراستهم؟! البنت ملهاش غير بيتها وجوزها في الآخر ولا انت عايزة تعنسيلنا وتعديلنا للأبد؟!

  • يا ماما الجواز ده رزق ومكتوب لكل واحد، محدش بياخد غير اللي مكتوب له.
  • وأهو رزقك جالك لحد عندك هتتبتري عليه عشان تتحرمي منه!
  • أنا لا بتبتر ولا حاجة أنا كل اللي بقوله اني لسة صغيرة وعايزة أكمل دراستي الأول!
  • صغيرة مين ده أنا لما كنت في سنك كنت مخلفاكي انت واخواتك وإن كان على دراستك ابقي كمليها في بيت جوزك إن وافق.
  • يعني ايه إن وافق؟! يعني أنا ممكن كمان مكملش دراستي أصلاً؟!
  • بقولك ايه يا بت انت متخوتيش دماغي العريس جاي بالليل هو وأهله عشان يشوفوكي خليكي محترمة كدة وتطلعي بأدبك تقابليهم بدل ما أقول لأبوكي وانت عارفة هيعمل فيكي ايه ساعتها.

    مر بخاطري في هذه اللحظة كل ذكرياتي السيئة مع أبي، فقد كان يود حرماني من الدراسة منذ أن حصلت على شهادة الإبتدائية لولا تدخل أخي الأكبر، أقنعه بالعدول عن رأيه، وأن التعليم مهم حتى أحظى بفرص زواج أفضل، لم يكن هذا رأيه الحقيقي حول التعليم ولكنه كان يدرك أن والدنا لن يقتنع ويرضى سوى بهذه الطريقة، قررت أن ألجأ لأخي أيضاً هذه المرة عله يستطيع مساندتي، ولكنه أخبرني أن حججه نفذت، كان يتحجج دائماً بفرصة الزواج الأفضل ولكن هذه المرة قد أتى ذلك الزواج الذي كانوا بانتظاره فبماذا سيقنعهم؟

   أخبرني أن الحل الوحيد الذي قد يخرجني من هذا المأزق هو أن أطيعهم وألتقي بهذا العريس، ربما يكون هو نقطة الأمل التي تمنحني حياة أفضل، فيوافق على استكمال دراستي ويساعدني على تحقيق أحلامي، تمنيت ذلك، ولكن… أتظل أحلامي كلها معلقة برجل إن شاء حققها وإن شاء في لحظة حطمها؟! لم يكون مستقبلي بيد شخص آخر غيري؟! لم علي أن أقبل أن تدور حياتي في فلك شخص آخر؟! رجل لا أعرف عنه شيئاً أصبح بين ليلة وضحاها هو الآمر الناهي في حياتي وعلي أن أطيع وأرضى!

    أسئلة كلها لا زلت أبحث لها عن إجابة حتى اليوم، تزوجت وأنجبت ولم يكن لي الخيار حتى في أسماء من أنجبتهم، واليوم يأتى زوجي ببساطة ليخبرني أنه سيأتي بعريس لابنتي في المساء! يُذكرني أنه تزوجني أيضاً وأنا أصغر منها، نعم كيف لي أن أنسى، لم أنسى يوماً أنه تزوجني وأنا أصغر منها، وفرط عقد أحلامي ليربط به عقد زواجه، لم يترك لي يوماً أمراً آخذ قراراً بشأنه، ولكن لأول مرة سأتخذ قراراً.