يوسف وهبي.. أستاذ التمثيل المصري

كتبت: سارة الليثي

    يوسف بك وهبي هو ابن عبد الله باشا وهبي كبير مهندسي الري في محافظة الفيوم التي ولد ونشأ وربي بها، فقد ولد “يوسف وهبي” في 17 يوليو 1898م على شاطئ بحر يوسف بالفيوم والذي سمي باسمه تيمناً به، لم يزل تراث والده موجوداً في الفيوم إذ أنه هو الذي قام بحفر “ترعة عبد الله وهبى” بالفيوم، والتي حولت آلاف الأفدنة من الأراضي الصحراوية إلى أراضي زراعية، كما أنشأ المسجد المعروف باسم “مسجد عبد الله بك” المطل على كوبرى مرزبان بمدينة الفيوم، والذي كان يعتبر أكبر مسجد بالفيوم حتى وقت قريب.

    شاهد يوسف وهبي أول مسرحية في حياته في محافظة سوهاج من فرقة مسرح جوالة هي فرقة سليمان القرداحي وكانت مسرحية “عطيل” لـ”وليام شكسبير” فأصابه هوس وشغف المسرح، وما إن انتقلت اسرته للقاهرة حتى انطلق يتعرف على مسارحها ويتابع بشغف كل المسرحيات المقدمة آنذاك، ومن ثم أصبح يلقي منولوجات من تأليفه وتلحينه ويتلذذ بتصفيق الناس له واعجابهم به. وعمل أيضاً مصارعاً في “سيرك الحاج سليمان” حيث تدرب على يد بطل الشرق في المصارعة آنذاك المصارع “عبد الحليم المصري“.

    وعندما وصلت أخباره إلى والده الباشا صعق مما سمع؛ فقرر ارساله إلى إيطاليا على نفقته الخاصة ليدرس هندسة الكهرباء، إلا أن يوسف وهبي أبى أن يمتثل لرغبة والده، ففور وصوله إلى ايطاليا بلد المسرح والفنون ألقى بنفسه في رياض المسارح ينهل منها الفنون ويتعلم من الصفر، فبدأ عاملاً في المسارح، ثم التحق ببعض المعاهد الفنية الأهلية كما دون في مذكراته، وتتلمذ على يد الممثل كيانتوني ، وواتته الفرصة في تمثيل بعض اللقطات في الأفلام. ثم لحق به كل من: استيفان روستي –الايطالي الأصل- ومختار عثمان وعزيز عيد، على أمل الاستقرار في إيطاليا والتمثيل في مسارحها ودور العرض بها.

    بعد فترة من الزمن توفي عبد الله باشا تاركاً ثروته لابنه يوسف وهبي وأخوته، فما كان منه إلا أن عاد إلى القاهرة وأسس بميراث والده فرقة رمسيس الشهيرة، وكانت تلك أول فرقة مسرحية مصرية تؤسس بأسلوب علمي وتدار بنظام جاد ولا تقدم عروضها اعتباطاً، فقد أقام مسرحاً خاصاً للفرقة وأقام لها الدعاية اللازمة وعين من يقتبسون ويؤلفون المسرحيات، وأرسل “عزيز عيد” إلى فرنسا لشراء المناظر والمعدات اللازمة، وأقام نظاماً صارماً للتدريبات، وخططاً للعروض المقبلة. وفرض نظاماً للجمهور لا يسمح لهم بالخروج عنه.

    كان لا يسمح لأحد من الجمهور بالدخول بعد رفع الستار ولو بدقيقة واحدة، ومنع تناول الطعام وصراخ الأطفال والحديث في القاعة أثناء العرض، ومنع في مسرحه تلك العادة التي كانت تسمح للجمهور بتبادل القافية مع الممثلين. وكان من نتيجة تلك القواعد الصارمة بعد فترة وجيزة أن أصبح هناك مناخ مسرحي يحترم، وتغيرت نظرة الناس للممثلين، وأصبح لهم كيان اجتماعي مرموق ومكانة لائقة، وقد قدم “يوسف وهبي” من خلال مسرحه نخبة هائلة من عمالقة التمثيل، أمثال: بشارة واكيم، حسين رياض، زكي طليمات، عزيز عيد، حسن فايق، حسن البارودي، دولت أبيض، أمينة رزق، فاطمة رشدي، وغيرهم الكثير.

    وقد استمرت فرقة رمسيس في العمل بنجاح مضطرد طوال ما يقرب من أربعين عاماً، من مارس 1923 إلى 1961، قدمت خلال هذه المدة حوالي 224 مسرحية، كل مسرحية تأخذ موسماً كاملاً. وكان “يوسف وهبي” في أحيان كثيرة يؤلف المسرحية ويخرجها ويلعب بطولتها بنجاح متكافئ، وكان أيضاً من أوائل من شجعوا الفن السينمائي في مصر بالدعم الفني والمالي، ففي سنة 1930 أنتج للمخرج “محمد كريم” فيلمه الأول “زينب” المأخوذ عن رواية هيكل بعد أن رفضت العديد من شركات الانتاج في مصر والخارج انتاج الفيلم.

    وبعد فيلم “زينب” الصامت قام “يوسف وهبي” بانتاج فيلم “أولاد الذوات” الذي كان أحد مسرحياته وأسند الإخراج لـ”محمد كريم” وقام هو ببطولته، وكان هذا هو أول فيلم ناطق في السينما المصرية، ثم توالت أعماله السينمائية مؤلفاً وممثلاً ومنتجاً ثم مخرجاً سينمائياً متفرداً له مذاقه الخاص وصورته السينمائية المميزة. وقد حصل على لقب “البكوية” عقب حضور الملك فاروق أول عرض لفيلم “غرام وانتقام في سينما ريفولي بالقاهرة. حصل يوسف وهبي أيضا على وسام تقدير من مجلس قيادة الثورة ودرجة الدكتوراة الفخرية عن مجمل عطاءه للفن المصري.

     وتوفي يوسف بك وهبي في 17 أكتوبر عام 1982 بعد دخوله لمستشفى المقاولون العرب اثر اصابته بكسر في عظام الحوض نتيجه سقوطه في الحمام. توفي أثناء العلاج بعد اصابته بسكتة قلبية مفاجئة، وكان إلى جواره عند وفاته زوجته وابنها. وتخليداً لذكراه تكونت في مسقط رأسه بالفيوم جمعية تحمل اسمه هي “جمعية أصدقاء يوسف وهبي”، وأقيم له تمثال أمام مقر هذه الجمعية بحي الجامعة بالفيوم على رأس الشارع الذي يحمل اسمه.

Advertisements